أمينة النقاش تكتب : فضيحة دولية

15

لا اتذكر بالتحديد، من هو المؤرخ الذي كان يقول أن المصريين لا يطاقون من ألسنتهم، إذا اطلقوها في حق الناس، وفي حق حكامهم، لكن المؤكد أن السخرية كانت ومازالت وستظل، أحد أهم الأسلحة التي استخدمها المصريون في مقاومة القهر والطغيان والاستبداد والظلم، سواء جاء من الحكم الوطني، أو من المستعمر الأجنبي، ولهذا لم يكن غريبا أن تعرف مصر الصحافة الساخرة علي مشارف الثورة العرابية في نهايات القرن التاسع عشر، حيث أسس عبد الله النديم مجلة «التنكيت والتبكيت»، التي مهدت لهذا اللون من الصحافة الساخرة الذي عرفته مصر بعد ذلك خلال الفترة من عام 1923 وحتي عام 1953، فشهد الوسط الصحفي صدور مجلتي الكشكول وروزاليوسف. واستخدمت مدرسة الكاريكاتور المصري التي كان من روادها «رخا» و«صاروخان» و«عبد السميع» و«صلاح جاهين» في الثلاثينيات من القرن الماضي اللهجة الساخرة في نقد السياسات والحكام، كما عرف الكاتب الصحفي «محمد التابعي» بسخريته اللاذعة من الوزراء والقادة السياسيين، وإطلاق أسماء ساخرة عليهم.

ورثت وسائل الاتصال الحديثة في مصر الذي امتد من الفضائيات إلي الموبايل وشبكات التواصل الاجتماعي علي النت إلي رسوم الجرافيتي هذا التراث الصحفي الغني والحافل بالإمكانات غير المحدودة، لتفتح الباب علي مصراعيه للحريات الديمقراطية، وكسر كل المحظورات التي تفرضها أنظمة الحكم الاستبدادية، وكان هذا بجانب عوامل أخري كثيرة أحد أسباب سقوط الأنظمة القمعية في تونس ومصر وليبيا واليمن، التي مهدت الطريق لصعود جماعات الإسلام السياسي إلي السلطة، وهي نفسها التي يجري استخدامها الآن، في نزع هالة القداسة التي يسعي الإخوان المسلمون منحها لرئيس الجمهورية «محمد مرسي» ولسياساته وقراراته التي تحظي برفض شعبي غير مسبوق، وهذا هو بالضبط ما يقوم به الساخر الساحر «باسم يوسف» في «البرنامج» الذي يستمد مادته من الواقع، الذي يذخر بمساخر أكثر منها صدها برنامجه وقد اعترفت محطات فضائية دولية وصحف عالمية بأنه أكثر البرامج تأثيرا في الشرق الأوسط وربما لهذا السبب وحده أصدرت النيابة العامة امرا بضبطه واحضاره للتحقيق معه بتهم ملفقة تزعم اساءة البرنامج إلي الدين الإسلامي والرئيس مرسي.

وفي نفس الوقت الذي كان يحقق فيه مع «باسم يوسف» كان وزير الإعلام صلاح عبد المقصود يؤكد حرصه علي حريات الإعلام والإعلاميين في اجتماع كان من بين المشاركين فيه حازم صلاح أبو اسماعيل وعاصم عبد الماجد، بينما أنصارهما يحاصرون مدينة الإنتاج الإعلامي ويهددون بخطف وقتل إعلامي البرامج الحوارية، وبسبونهم بأكثر ألقاظ بذاءة فضلا عن عدد من رؤساء القنوات الدينية، التي تنطوي برامجها علي تحريض يومي فظ وغليظ علي هؤلاء، وعلي رموز قيادات المعارضة، وعلي الأقباط المصريين دون أن يساء لهم أحد، أو يصدر بحقهم قرارات ضبط واحضار!

يعالج النظام القائم فشله وقلة خبرته وسوء إدارته وازدواجية خطابه الرسمي بقمع حرية الإعلام وترويع الإعلاميين، ووعود كاذبة يطلقها في حملات العلاقات العامة التي تجريها الرئاسة، وتنسب كل تلك الأخطاء والخطايا للإعلام وجبهة الإنقاذ، وقيادات المعارضة، وهي كلها معارك وحملات خاسرة، لأن الشعب المصري، لن يكف عن السخرية من ظالميه مهما اشتد قمعهم، ولعل الفضيحة الدولية التي ترتبت علي تهديد الإعلاميين، والتحقيق مع «باسم يوسف» أن تشكل رادعا لهولاء تعيدهم إلي الصواب، خاصة بعد أن عبرت الخارجية الأمريكية عن قلقها من التحقيق مع باسم يوسف واعتبرت ذلك فضلا عن التحقيق مع ناشطين سياسيين آخرين، أكبر تقييد لحرية التعبير في مصر، وأخشي ما أخشاه أن يصدر النائب العام أمرا بضبط وإحضار «فيكتوريا نولاند» الناطقة باسم الخارجية الأمريكية للتحقيق معها في هذا الاعتراض المفاجئ مع أن «ضرب الحبيب زي أكل الزبيب»!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق