ماجدة موريس تكتب : برغم جوائز الأفلام الأفضل : السينما المصرية تطارد منتجيها

27

في حفل توزيع جوائز المهرجان التاسع والثلاثين للسينما المصرية منذ أيام، حصل فيلم «ساعة ونصف» علي جائزة أحسن فيلم من لجنة التحكيم، وفي نفس الوقت، حصل علي جائزة أعضاء جمعية الفيلم والجمهور لأحسن فيلم، والمعروف أن «جمعية الفيلم» هي الجمعية الأهلية الرائدة في الاهتمام بثقافة السينما في مصر منذ إنشائها عام 1960 علي يد الكاتب الكبير الراحل يحيي حقي.. ومهرجانها السنوي الذي يقام منذ عام 1975 بانتظام هو أحد ثوابت التقييم للسينما المصرية علي مدي 39 عاما، وأسلوبها هو الأكثر ديمقراطية في هذا التقييم إذ أنها تطرح كل الأفلام التي تم إنتاجها علي مدي عام كامل في مصر في استفتاء علي جماهيرها وبعده يتم اختيار الأفلام الخمسة الأولي لدخول مهرجان الجمعية والمثول أمام لجنة تحكيم متخصصة في كل فروع العمل السينمائي، علي أن تقوم الجمعية أيضا بطرح هذه الأفلام الخمسة في استفتاء جديد لجمهورها يختار منها الفيلم الأول ويرتبها وفقا لرأيه وكثيرا ما يختلف تقييم لجنة النقاد عن تقييم الجمهور في المرحلة النهائية، لكنه اتفق هذا العام علي فيلم «ساعة ونصف» للكاتب أحمد عبدالله والمخرج وائل إحسان والمنتج أحمد السبكي الذي وقف سعيدا للغاية وهو ينال كل هذا التقدير لفيلمه عن فروع الصوت والمونتاج والسيناريو والإخراج والتمثيل للدور الرجالي.

فضلا عن جائزة أحسن فيلم من لجنة الحكم ثم من الجمهور وهذا هو بيت القصيد في هذا المقال، إذ أن هذا المنتج السينمائي نفسه وشقيقه «أحمد ومحمد السبكي» تلقيا الكثير من الانتقادات والشتائم بسبب أفلام قاما بإنتاجها ورأي النقاد والجمهور «الواعي» أنها أفلام رديئة أو أنها قريبة من مصطلح «أفلام المقاولات» سيئة السمعة، أو أنها مجرد أفلام تجارية لا تحمل أي قيمة إنسانية أو فكرية أو فنية، غير أن تطورات الأوضاع في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011، وقبلها أيضا، وضعت هذين الأخوين في موقف آخر، وأزالت الستائر عن مواقف الآخرين، ليبدو الموقف علي هذا النحو: فقد تقاعس معظم العاملين في الإنتاج السينمائي المصري عن إنتاج الأفلام خوفا من الظروف الصعبة والفوضي التي تعني الخوف من عدم تحقيقهم أرباحاً كالمعتاد أو علي الأقل، عدم استكمال دورة عرض الفيلم وتوزيعه، تراجعت الشركات الكبري المرموقة وتراجع الموزعون الكبار الذين كانوا يشاركون في تمويل الأفلام المصرية وقبلهم توقفت بعض القنوات الفضائية المتخصصة عن المشاركة في التمويل، ولم يبق في الساحة إلا المنتجون المستقلون المكافحون والذين يحصل الواحد منهم علي تمويله بمساعدات من صناديق الدعم العربية والأجنبية، ومؤسسة واحدة كبيرة هي «السبكي إخوان» وليكتشف الذين يعملون في صناعة السينما المصرية، والذين يكتبون عنها – وأنا منهم – أن «السبكية» هم الوحيدون المنتظمون في إنتاج الأفلام، وأن هناك أمرا أساسيا يتحقق من خلال هذا الانتظام هو دوران عجلة الإنتاج واستمرار عمل الآلاف من العاملين في هذا المجال، وهذه ميزة لابد أن نعترف بها لهؤلاء.. أما عن الأفلام نفسها فهي تخضع للتقييم، ومن المؤكد أن السينما التي يقدمها آل السبكي اختلفت كثيرا من البدايات حتي الآن، حيث أصبح واضحا أن «المؤسسة» لا تعني اتجاها واحدا ونوعا واحدا من السينما ومن الفكر السينمائي، بل إننا نجد فيها بجانب الأفلام التجارية الصرفة مثل «شارع الهرم»، و«عبده موتة» فيلما مثل «ساعة ونصف» الذي حصد جائزة الفيلم الأفضل للسينما المصرية عن عام 2012 فنيا وفكريا، وليس الأمر يمثل لغزا، وإنما مجموعة عوامل علينا التعامل معها من أجل فهم ما يحدث في عالم السينما المصرية اليوم..

أولا: أننا إزاء صناعة في مهب الريح، وفن بلا اعتراف وثقافة بلا دعم، وهذا هو حال السينما المصرية منذ بدايات السبعينيات من القرن الماضي حين ألغيت «مؤسسة السينما» بعد صعود تيار الانفتاح الاقتصادي ونظرياته، وبالتالي تبددت المشروعات الطموح لصناعة أفلام «كبيرة» بكل المعايير وتركت للسوق وحده ولرغبات وأمزجة المسئولين عن الشركات وشركائهم من الموزعين العرب.

ثانيا: فرض الوضع السابق إنتاج نوعيات محدودة القيمة من الأفلام، تعتمد أساسا علي تيمات تجارية بغرض جذب الجمهور الذي أقبل علي السينما بعد زمن الانفتاح، ثم حين اختلفت الأوضاع بالنسبة للسينما نفسها وللجمهور – بعد عصر الفضائيات مع مطلع التسعينيات – تغيرت كل الثوابت بالنسبة للسينما المصرية عدا أمراً واحداً هو الإنتاج الضيق والمحدود، وللدرجة التي عاني فيها الجميع من قلة فرص العمل، وأولهم صناع السينما الكبار الذين قدموا أهم الأفلام المصرية مثل علي بدرخان ومحمد خان ورأفت الميهي وداود عبدالسيد والذين لم يشفع لهم تاريخهم ولا أعمالهم في دعم الدولة أو دعم المنتج الخاص.

ثالثا: في العقد الأخير، بدا واضحا أن التغييرات حول مصر في المنطقة العربية تحديدا، كانت تهدف لتأسيس هوية ثقافية لدول لم تعرف السينما أصلا كصناعة، وبالتالي استغنت عن دورها السابق في دعم إنتاج وتوزيع الأفلام المصرية أساسا بمنأي عن تأسيس سينما تخصها «دول الخليج تحديدا» ولكن، بقيت صناديق الدعم الخاصة بمهرجاناتها السينمائية الوليدة تقدم مساعدات لصناع الأفلام المصرية الجدد المستقلين.. مساعدات محدودة لكن لا يوجد لها مثيل في بلادهم مصر.. من هنا ضاقت الحلقة علي من يريد أن يقدم سينما مصرية مبدعة ومعبرة عن بلد كبير كمصر، ولم يعد أمامنا سوي أن نحافظ علي ما تبقي من مؤسسات تنتج الأفلام – مع نقد هذه الأفلام وإظهار الجوانب السيئة وأيضا الجيدة وأيضا الحفاظ علي تلك المؤسسات التي تسعي إلي رفع شأن ثقافة السينما والتركيز علي إبداعاتها سنويا مثل جمعية الفيلم والمركز الكاثوليكي لوسائل التعبير الاجتماعي، ومثل المهرجانات التي تقيمها المراكز الثقافية الأجنبية والتي يقيمها صندوق التنمية بقصر الإبداع بالأوبرا وحين نعود لإنتاج خمسين أو مئة فيلم.. سوف يصبح حسابنا لهذه الأفلام أكثر صعوبة.. لأن البدائل عديدة.. والإنتاج متوافر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق