أمينة النقاش تكتب : المتهمون بإحداث الفتنة

17

كما هي العادة دائما، فإن الاتهامات جاهزة لدي قادة جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسة الرئاسة وأنصارها من تيار الإسلام السياسي لتحميل ما يسمي بالطرف الثالث، وفلول النظام السابق، وقبل هذا وذاك قيادات جبهة الإنقاذ والإعلام الخاص الفضائي والمكتوب مسئولية كل ما يقع من كوارث منذ صعود الإخوان للسلطة بعد 25 يناير قبل نحو عامين، وآخرها بطبيعة الحال الفتنة الطائفية في «الخصوص» وفي المقر البابوي بالعباسية، الذي أطلق أفراد الأمن للمرة الأولي في تاريخ الكاتدرائية الرصاص الحي علي من بداخله، كما شاهد ذلك المصريون عبر شاشات الفضائيات المختلفة مباشرة علي الهواء، كل هذا لتغطية الفشل الذريع الذي تدار به شئون البلاد في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وعدم الاعتراف بالعجز عن التصدي العقلاني المخطط لمشاكلها المتراكمة، والاكتفاء بسياسات التخوين والتكفير للمعارضين، وحملات العلاقات العامة التي تكتفي بالأدعية والابتهالات والصلوات.

المتهم عن أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة غير مجهول بل معلوم المصدر، يعرفه جيدا كل من يتقلدون شئون السلطة العليا في مصر، الذين يسعون بخطاب إنشائي ودعائي مراوغ لتسمية الأسماء بغير أسمائها، ونفي صفة الطائفية عن الأحداث الأخيرة، والبحث عن متهم آخر غير سياساتهم التي تفرق بين المصريين جميعا، بين الرجل والمرأة، بين المسلم وغير المسلم، بين الإخوان والتيار الإسلامي، وبين جموع المصريين، بين الأهل والعشيرة وبين كل المعارضين.

المتهم في أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة هو صمت السلطة الحاكمة وتشجيعها للإعلام الفضائي الديني، الذي لم يترك نقيصة، إلا ولصقها بالمسيحيين ودعوتهم الدائمة لهم بالهجرة إلي كندا والدول الأوروبية، وتوجيه إصبع الاتهام لهم مع كل تحرك شعبي يعترض علي السياسات القائمة بالإعداد له وبقيادته، والتحرش بعدد لا يستهان به من رجال الأعمال الأقباط، بتلفيق تهم لهم بتمويل تلك التحركات والمظاهرات والاحتجاجات الفئوية.

المتهم الأول في أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة، هو الإصرار علي تمرير دستور يهدر حقوق المواطنة، ويتجاهل اعتراض ممثلي الأقباط في الجمعية التأسيسية عليه وانسحابهم منها، ومنع المسيحيين قسرا في محافظات قنا وسوهاج وأسيوط والمنيا من الخروج من منازلهم للتصويت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية والاستفتاءات لأن معظمهم من المطالبين بدولة مدنية ديمقراطية حديثة مما يعني أن اتجاهات التصويت لديهم ستكون لممثلي تلك الدولة.

المتهم الأول في أحداث الفتنة الطائفية هو الاعتداءات المسلحة المتكررة علي أراض يمتلكها الأقباط في محافظات الصعيد وتهجيرهم من منازلهم، والتحرش الدائم بمشاريعهم الاستثمارية وفرض إتاوات عليها، وتحريض دعاة المساجد والمشايخ المواطنين علي حرق الكنائس وهدمها دون تدخل من السلطات التنفيذية بل ربما بتشجيع منها، وزرع بذور الكراهية والحقد والقطيعة بين المسلمين وغير المسلمين.

المتهم بالفتنة الطائفية هو من ترك دون مساءلة ملاحقة أنصار النظام للإعلاميين في مدينة الإنتاج الإعلامي وتهديدهم بالقتل والاعتداء عليهم، وفرض قيود علي حركتهم بسيرهم بحراسة خاصة لحماية أرواحهم.

المتهم بالفتنة الطائفية هو من صمت علي حصار المحكمة الدستورية لمنعها من إصدار حكم بحل الجمعية التأسيسية ومجلس الشوري المطعون في شرعيته ومن يرفض تنفيذ أحكام القضاء بعزل النائب العام الخصوصي وعودة المستشار عبدالمجيد محمود إلي موقعه كنائب عام تم عزله بطريق غير شرعي، وتحدي سلطة القضاء والتعدي علي أحكامه وعلي القانون بإعلان الرئاسة التمسك ببقائه.

المتهم الأول هو تمرير قانون انتخابي، يمنح الحق للتيار الإسلامي باستخدام شعارات دينية في كل أنواع الانتخابات، وإصدار بيانات إحصائية مزورة عن عدد الأقباط في مصر، للتنصل من مسئولية وقف السياسات الإعلامية والتشريعية التي تميز ضدهم.

ينتج الاستبداد الديني السائد بشكل طبيعي دون مؤامرات داخلية أو خارجية، فتنا طائفية، وأزمات اقتصادية واجتماعية، وانقلابا في سلم القيم والأولويات، بعد أن أصبح النظام الحاكم في مصر جزءا من منظومة الأممية الإسلامية التي يتفاني في خدمتها علي حساب المصالح المصرية، وما لم يفتح ملف مشاكل الأقباط والفتن الطائفية منذ حادث الخانكة مرورا بالكشح وحتي كنيسة القديسين والمريناب وتجري مراجعة لكل أنواع التشريعات التي تكرس واقع التمييز الديني والطائفي والجنسي والعرقي، فلن يكون حادث الخصوص والكاتدرائية آخر كوارث العنف الطائفي في مصر!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق