القضاء: حق الإضراب مباح طبقاً للاتفاقيات الدولية

17

في 6/4/1987 أصدر القضاء المصري حكما تاريخيا بحق سائقي السكة الحديد في الأضراب وبراءتهم جميعا من الاضرار بوسائل النقل العام وجاء في الحكم:

وحيث أنه بالنسبة لتهمة تعطيل سير القطارات والإضرار العمدي بأموال ومصالح الهيئة القومية لسكك حديد مصر فإنه من المقرر فقهاً وقضاء بأنه متي قرر الشارع حقاً اقتضي ذلك حتما إباحة الوسيلة إلي استعماله أي إباحة الأفعال التي تستهدف الاستعمال المشروع للحق وكذلك النتائج المترتبة علي هذا الاستعمال سواء للحصول علي ما يتضمنه من مزايا أو لمباشرة ما يخوله من قواعد القانون إذ يصدم المنطق أن يقرر الشارع حقا ثم يعاقب علي الأفعال التي يستعمل بها فيكون معني ذلك التناقض بين قواعد القانون وتجريد الحق من كل قيمة.

وقد نصت علي ذلك المادة 60 من قانون العقوبات فجري نصها علي أنه:”لا تسري أحكام قانون العقوبات علي كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضي الشريعة”.

وقد جاءت هذه المادة تأكيداً لما جاء بالمادة السابعة من قانون العقوبات – التي تقرر أنه “لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء”. ومكررة ذلك الاعتراف بتلك الحقوق ومضيفة إليه اعترافاً بالحقوق التي يقررها التشريع الوضعي بصفة عامة فقد رأي المشرع أن يوسع من نطاق المادة السابعة فجعلة شاملاً كل الحقوق التي يعد استعمالها سبباً للإباحة حتي يكون مقرراً للقاعدة العامة في هذا الشأن وهو أمر يتفق مع المنطق وفلسفة القانون فإذا أباح المشرع فعلا من الأفعال فمن غير المقبول أن يحاسب بعد ذلك علي ما قد يحدث نتيجة لهذا الفعل وحيث أنه متي كان ذلك وكان حق الإضراب مباحا بمقتضي الاتفاقية الدولية السابق الإشارة إليها وكان الثابت من الأوراق والتحقيقات أن أياً من المتهمين لم يقم بإتلاف أو تخريب القطارات أو المعدات مما يقطع بحسن نيتهم فإن ما حدث نتيجة لذلك الإضراب لا يمكن أن يقع تحت طائلة قانون العقوبات عملاً بالمادة 60 سالفة الذكر.

وحيث أنه بالنسبة لتهمة استعمال القوة والعنف والتهديد والتحريض المنسوبة إلي المتهمين من الأول إلي الخامس عشر فإنه فضلا عن عدم اطمئنان المحكمة إلي أقوال شهود تلك الوقائع أمام النيابة العامة فإنها تطمئن إلي أقوال من شهد منكم أمام المحكمة وهما حسني عفيفي حسن ومحمد أبو العلا علي فقد شهد الأول أن أيا من المتهمين لم يقم بتهديده بقصد إجباره علي ترك عمله علي القطار المكلف بالعمل عليه وأن ما أدلي به في تحقيق النيابة إنما كان تحت طائلة تأثير تهديد رجال المباحث له بتشريد أولاده خاصة وأن المقدم (………) كان موجوداً معه أثناء الإدلاء بأقواله وشهد الثاني بأن أحدا لم يقم بالضغط عليه أو تهديده لحمله علي ترك عمله.

والمحكمة وقد استقر في وجدانها أن ذلك الإضراب ما كان يحدث من تلك الفئة من العمال – وقد كانت مثالا للالتزام والتضحية – إلا عندما أحست بالتفرقة في المعاملة والمعاناة عن كاهل فئات الشعب حتي لا يستفحل الداء ويعز الدواء.

وحيث أنه بالبناء علي ما تقدم فإن التهم المسندة إلي المتهمين جميعا تكون قد تخاذلت في أساسها القانوني والواقعي وتقوضت لذلك أركانها الأمر الذي يلازمه البراءة عملا بالمادة 304 من قانون الإجراءات الجنائية.

فلهذه الأسباب وبعد الإطلاع علي المواد سالفة الذكر.. حكمت المحكمة حضورياً ببراءة جميع المتهمين مما أسند إليهم.

يذكر أن الدستور الإخواني أهمل الإشارة إلي التزام مصر بالمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق