في احتفالية بأسوان : العقاد ومقاومة الاستبداد السياسي

30

متابعة:عيد عبدالحليم

تسعة وأربعون عاما مرت علي رحيل عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد وقد أقامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بهذه المناسبة احتفالية ثقافية كبري بمدينة أسوان – المدينة التي ولد ونشأ بها وقد تميزت الاحتفالية علي أكثر من مستوي فعلي المستوي البحثي شارك فيها عدد من الباحثين الجادين أمثال عالم الاجتماع الكبير د. محمد حافظ دياب والناقدة ثناء أنس الوجود والروائي زين عبدالهادي والناقد د. سعيد اللاوندي والباحث الجاد والمدقق أحمد حسين الطماوي وأساتذة التاريخ د. محمد عفيفي ود. عبدالمنعم الجميعي والناقد د. محمود الضبع والناقد الشاب د. جمال العسكري والناقد د. مصطفي رجب وأمين عام المؤتمر الناقد د. مدحت الجيار.

وعلي المستوي التنظيمي فقد قامت هيئة قصور الثقافة برئاسة سعد عبدالرحمن والإدارة المركزية للشئون الثقافية برئاسة الشاعر محمد أبوالمجد، وإدارة الثقافة العامة برئاسة الروائي فؤاد مرسي، ومديرية ثقافة أسوان برئاسة زينب مدني بجهد رائع في تنظيم الاحتفالية.

في الجلسة الافتتاحية تحدث الشاعر سعد عبدالرحمن – والذي قام بدور رئيسي في إنجاح المؤتمر – عن دور العقاد في الثقافة المصرية قائلا: حين يذكر العقاد تذكر ثقافة عريقة تتميز بتنوعها، وينبسط تاريخ عريض من الوعي، ومنظومة فكرية شديدة الثراء، فقد مثل «العقاد» مع غيره من مفكري عصره أمثال طه حسين وعبدالقادر المازني ومحمد لطفي جمعة جيلا ثقافيا متميزا، فلا تنهض الثقافة دون أعمدة تشد بنيانها، وقد كان العقاد أحد أعمدة الثقافة المصرية.

ذلك الأديب الذي نشأ نشأة عصامية معتدا بقدراته العقلية مما جعله يتحول من كاتب يكتب المقالة والشعر وتأليف الكتب ليصبح أحد القلائل من المعبرين عن «المثقف العضوي»، مما جعله يمزج بين العمل الثقافي والسياسة عبر مواقف عديدة مر بها، فقد اصطدم بالسلطة وراح يدافع بما أوتي من منطق عن الحرية والعدالة فناله من السلطة بطش شديد فقد سجن نتيجة لآرائه الواضحة.

وأكد د. مدحت الجيار أن العقاد لم يكن وحده في الساحة الثقافية المصرية بل كان قامة فكرية وسط قامات ثقافية كثيرة، وتنوعت كتاباته بين الفن والسياسة والأدب والعلوم فكان نبضا للثقافة العربية في القرن العشرين، وأصبحت كتبه علامة بارزة لمن أراد أن يتواصل مع الشرق العربي، وهو صاحب أول مدرسة شعرية مصرية في القرن العشرين وهي «مدرسة الديوان».

وأشار اللواء مصطفي السيد محافظ أسوان – والذي حضر معظم فعاليات الاحتفالية – إلي أن العقاد يمثل في الأدب أحد الرموز الكبري، وهو بذلك تمثل آثاره في مدينة أسوان عنصر جذب للسياحة، فكثير من السائحين يجيئون لزيارة منزله ومقبرته.. وأضاف السيد أن الثقافة عطاء ودفع للأمام وهذا ما نستفيده من سيرة العقاد.. وفي الجلسة الافتتاحية تم تكريم د. سعيد اللاوندي وهو صاحب أول رسالة جامعية عن «فلسفة العقاد والفكر الإصلاحي» من جامعة السوربون.

الحرية أولاً

جاءت الجلسة الأولي تحت عنوان «معركة الدستور والاستبداد ضد العقاد» تحدث فيها د. محمد حافظ دياب ود. عبدالمنعم الجميعي وأدارها د. مصطفي رجب.

فأكد د. محمد حافظ دياب في بحثه «الفضاء النصي لمسألة الاستبداد عند العقاد» علي أن «ابتعاد العقاد عما حوته المكتبة الأوروبية عن الاستبداد، حدا به أن يقترب من رؤية مغايرة، أقرب إلي الدلالات التوضيحية لحيثيات المجتمعات الشرقية والإسلامية، وتحديدا المصرية، وهو ما وجده لدي جماعة الإصلاح التي تأتلفها أسماء الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي، ممن حاولوا صوغ مشروع فكري إصلاحي، كان رهانه علي استراتيجية تدريجية وتراكمية، تعتمد التربية والتكوين والتثقيف، لبلوغ هدف الفكرة الإصلاحية وبثها في النفوس، وتحرير الوعي من عوائق التقليد والتأخر، عبر التقدم للتعبير عن الرأي بالحجة والدليل، والتوسل بأسلوب الحوار والمناظرة، والتزام أخلاقيات الإصغاء والتفكير، وإعمال مبدأ الوسطية والاعتدال.. وأضاف د. دياب قائلا: إن العقاد جاء كامتداد حي للفكر الإصلاحي، الذي ساد منذ نهاية القرن التاسع عشر حتي عشرينيات القرن العشرين، والذي مثل مصالحة مع العلم والنظام السياسي الحديث ونسبية الأفكار والاعتراف بشرعية المصادر المدنية، وتحرير الوعي من الخرافة والرهان علي الرأي العام كمنهج.

وتحدث د. عبدالمنعم الجميعي – أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الفيوم – عن «عباس العقاد ومعركة الدستور» مشيرا إلي أن العقاد انبري للدفاع عن الحرية الفكرية والديمقراطية، بجانب دفاعه عن الدستور غير مبال بسخط الساخطين، وأبرز الأدلة علي ذلك موقفه من قضية طه حسين بعد نشر كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926، ونقده لمعاهدة 1936 متهما مصطفي النحاس بإهدار نضال المصريين ضد الإنجليز بعقده معاهدة تعد وصمة في جبينه، إذ ارتضي فيها استمرار الاحتلال الإنجليزي مع ما يتبع ذلك من قيود عسكرية مختلفة.. أما دفاعه عن الدستور فقد بدا جليا منذ احترافه للصحافة، وتطور ذلك حين التحق للعمل بجريدة «البلاغ» حيث كتب في عام 1923 – قبل إعلان الدستور – عدة مقالات تحت عنوان «الدستور بين يدي الوزارة» دعا فيها إلي وضع دستور يعبر عن التطلعات الشعبية.

أما الجلسة البحثية الثانية فجاءت تحت عنوان «العقاد بين المرأة والسلطة» وتحدث فيها كل من د. محمد عفيفي ود. ثناء أنس الوجود ود. جمال العسكري وأدارها د. محمود الضبع.

جيل الثورة

فأكد د. محمد عفيفي أن العقاد كان معبرا عن جيل ثورة 1919، هذا الجيل الباحث عن الحرية، المدافع عن الديمقراطية حتي في أحلك اللحظات، المؤمن بالليبرالية نهجا وحياة، وإن أخذ البعض علي هذا الجيل إهماله للحرية الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية وعداءه للاشتراكية، ولكن هذه الأمور سوف تكون الشغل الشاغل لجيل آخر، هو جيل ثورة 1952.

وأشارت د. ثناء أنس الوجود – أستاذة ا لنقد الأدبي بكلية آداب عين شمس – في بحثها المعنون بـ «قراءة نقدية موازنة في كتاب المرأة في القرآن للعقاد» إلي أن العقاد كان محاصرا بالمنظومة الثقافية التي عاش في كنفها وهي منظومة كانت تدعو إلي تهميش المرأة وحجبها عن العلم والاختلاط، وأن يكون لها دور خارج بيتها، وكان من الطبيعي في أوطان محتلة أن تحرم من نصف قوتها الضاربة، وأن تقابل أية دعاوي لتحرير المرأة باستهجان واستعداء ومقاطعة علي النحو الذي واجهه قاسم أمين وخيرالدين والطاهر الحداد في تونس.. وتحدث جمال العسكري عن «صورة المرأة عند العقاد» قائلا: «كنا نتوقع من عقل العقاد القادر الواثق أن يميل مع من مالوا نحو العقلانية التنويرية التي تجعل من الكون كلا عقلانيا، لكننا وجدناه يميل نحو وجدانه وعاطفته الدينية التي أبت الانفصال عن تاريخيتها، لذا جاءت آراؤه حول المرأة منحازة إلي الرجل أكثر».

فلسفة الواقع

أما الجلسة الثالثة فجاءت تحت عنوان «العقاد بين الحرية والاستبداد» وتحدث فيها د. زين عبدالهادي وأحمد حسين الطماوي.. فأكد د. زين عبدالهادي – أستاذ الوثائق بكلية الآداب جامعة حلوان – أن نجيب محفوظ وصف العقاد ذات يوم قائلا: «إنه الحرية بكل ما تعني الكلمة من أبعاد، فهو الحرية إذا التمسنا لشخصيته فكرة يرمز إليها».

وأضاف د. عبدالهادي: الحرية عند العقاد هي كل شيء في حياته الفكرية، هي الجمال في فلسفته، وهي الديمقراطية في سياسته، وهي الفردية في رأيه الاجتماعي، إن المتفحص لتاريخ حياته سيتعجب من هذه الإرادة العظيمة في صنع ذات مختلفة بكل المعاني، ولا يخلو عمل من أعماله من قيمة الحرية، وسنجد ذلك – علي سبيل المثال – في كتابه «فلسفة الثورة في الميزان»، ومن جوانب حريته الشخصية أنه كان يكره الوظيفة الحكومية، وكان يراها تقيد حريته.

وتحدث أحمد حسين الطماوي عن «عباس العقاد عاشق الحرية» مستعرضا مجموعة من المواقف الوطنية والثقافية التي تجلت فيها هذه الصفة من دفاعه عن حرية الرأي والحريات العامة وحرية الوطن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق