نبيل زكي يكتب: قانون تحويل الصراع الانتخابي إلي.. فتنة طائفية!

15

بدلاً من المنافسة حول برامج سياسية واقتصادية واجتماعية

رفض مجلس الشوري – الباطل وغير الشرعي – الطلب الذي تقدم به عشرون نائبا لإعادة المداولة حول المواد الخاصة بالشعارات الدينية في قانوني مجلس النواب ومباشرة الحقوق السياسية (المادة العاشرة بند (6) والمادة (61) من قانون مباشرة الحقوق السياسية والمادة (13) من قانون مجلس النواب).. كان المجلس قد رفع الحظر علي استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات.. النائب ممدوح إسماعيل صرح بأن شعار «الإسلام هو الحل».. شعار «دستوري»، وأن أي شعار لدين آخر قد لا يتوافق مع الدستور! كما صرح علاء أبوالنصر، أمين عام حزب البناء والتنمية «الجماعة الإسلامية» بأن إلغاء حظر الشعارات الدينية في الانتخابات «أمر جيد، حيث يعطي الفرصة للإعلان عن الهوية والمرجعية»!.. أما الدكتور محمد إبراهيم منصور، عضو المجلس الرئاسي لحزب النور السلفي، فقد أعلن أن «السياسة جزء من الدين»!!

إنها «سقطة تاريخية» لمجلس الشوري، علي حد تعبير رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد محمد الحنفي، حيث إن النية كانت مبيتة لدي جماعة الإخوان المسلمين لاستخدام الشعارات الدينية لخداع الشعب المصري.

هكذا يستخدمون الدين لأنه ليس لديهم مشروع أو برنامج حقيقي.. وبعد أن فقدوا شعبيتهم في الشارع، ولم يعد لديهم سوي الشعارات الدينية كبديل للإفلاس السياسي.

الواضح أنه لا توجد لدي الجماعة الحاكمة حلول للمشكلات الصعبة والمتراكمة في كافة المجالات الآن، ومن ثم.. لم تجد أمامها، أو في جعبتها، سوي المتاجرة – مرة أخري – بالدين.. لعلها تحصد بعض المكاسب من وراء الزعم بأنها.. والإسلام.. شيء واحد!

وبدلا من تقديم وعود جديدة تعجز الجماعة عن تنفيذها، كما حدث بالنسبة لمشروع «النهضة»، أو لا تضمن تحقيقها في أحسن الأحوال.. وبدلا من طرح برامج عملية لمكافحة تزايد معدلات الفقر وتفاقم البطالة والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية وانهيار الصناعة والزراعة والخدمات.. فإن الشعارات الدينية هي الغطاء الذي يخفي وراءه هذا العجز الفاضح.

ومعني القانون، الذي تم تمريره من المجلس الباطل.. أننا سوف نشهد سيناريو مكررا سبق أن عشناه في الاستفتاءات والانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة، وسوف نستمع، مرة أخري، إلي الادعاءات التي يزعم أصحابها أن كل من يعارض مرشحي الأحزاب الدينية «كافرون ومرتدون»، ومن «معارضي الشريعة» من الليبراليين والعلمانيين والأقباط الذين يرفضون الدين لأنهم يريدون «الاحتكام إلي القوانين الوضعية»!

وفي ظل الشعارات الدينية لن تكون المنافسة في الانتخابات بين أفكار ومبادئ وبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بل سوف تتحول الساحة الانتخابية إلي مباراة حول الأكثر التزاما بالدين – رغم أنه لا يعلم ما في القلوب سوي الله وحده – أو إظهار المرشحين المنافسين للأحزاب الدينية علي أنهم خارج دائرة الدين، وكذلك إظهار المرشحين المسيحيين علي أنهم «أعداء الإسلام»!

وسوف يجعل مرشحون من الأحزاب الدينية.. الدين ألعوبة في أيديهم للتأثير علي الناخبين والعبث بمصائر الأمة وتكفير من يخالفونهم في الرأي.

وكلنا نذكر أن أحد رجال الدين في الإسكندرية جعل من الفتاوي التي يطلقها أداة لخدمة الجماعة الحاكمة، حتي أنه كان يكرر في الأيام السابقة علي انتخابات الرئاسة أن انتخاب محمد مرسي «فريضة إسلامية»!

وقد وصل الأمر في الانتخابات البرلمانية السابقة إلي حد أنه تردد علي ألسنة البعض أن فوز تيار معين في تلك الانتخابات «مذكور في القرآن الكريم» (!!) وأن الليبراليين يريدون «أن يطفئوا نور الله بأفواههم» وأنهم في موقع «الصدام مع شرع الله»!

المساجد.. مراكز للدعاية

ومن النتائج الحتمية للتصريح باستخدام الشعارات الدينية في الانتخابات.. تحول جميع المساجد إلي مراكز للدعاية الانتخابية لمرشحي الأحزاب الدينية، كما حدث بالفعل في الانتخابات والاستفتاءات السابقة تحت سمع وبصر اللجنة العليا للانتخابات، التي حرصت علي تجاهل كل ما وقع من انتهاكات للقواعد التي وضعتها هي نفسها.. فما بالنا بعد رفع الحظر عن استخدام الشعارات الدينية!

ولابد أن نتوقع أن تنهال علي رءوسنا فتاوي قد يفوق عددها كل الفتاوي التي صدرت طوال التاريخ الإسلامي!

وعلي سبيل المثال فقط، أصدر رئيس جماعة «السنة المحمدية» في دمنهور، في الانتخابات البرلمانية الماضية، فتوي بتحريم التصويت لأي مرشح قبطي أو علماني أو ليبرالي، الذين لم تتضمن برامجهم تطبيق الشريعة الإسلامية، وكذلك تحريم التصويت للمسلم.. «الذي لا يصلي»!!

فالتصويت لكل هؤلاء «حرام شرعا»!! ومن يفعل ذلك.. فقد «ارتكب إثما كبيرا وتجب عليه الكفارة»!!

عبث تشريعي

الأحزاب الدينية لا تستخدم الدين لترقية سلوك البشر وتهذيب أخلاقهم وتحقيق السمو في معاملاتهم، وإنما تجعل منه أداة لنشر البغضاء والكراهية وإثارة الفتن والحروب الأهلية بين أبناء الشعب الواحد، كما تستخدم الدين كوسيلة لإسقاط تكافؤ الفرص بين المرشحين.

وهذا العبث التشريعي، الذي يحمل اسم قانون مباشرة الحقوق السياسية، يؤدي إلي انعدام المساواة بين المرشحين من الأحزاب الدينية وغير الدينية، لأنه يضع المرشحين الذين لا يقحمون الدين في الانتخابات في موقع «أتباع الشيطان»، لأنهم لا يستخدمون شعارات دينية حفاظا علي مكانة وقدسية الدين.

حتي الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، رئيس حزب «مصر القوية» يقول إنه لا يمكن تحويل الدين الإسلامي إلي أداة لحصد الأصوات الانتخابية، كذلك يقول يسري حماد، القيادي بحزب الوطن السلفي، إنه «لا يجدر بنا استخدام دور العبادة لإقناع الناس بأننا الأفضل والأصلح».

ويؤكد الدكتور عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن الدين «مبادئ وعقائد وأخلاق ومعاملات وسلوك، وليس شعارا يتخذه البعض للترويج أو التسويق لنفسه سياسيا، ولذا.. فإن اتخاذ الدين شعارا هو من قبيل اللعب بالدين والاستهزاء به».

ويوضح الشيخ عبدالحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوي الأسبق بالأزهر، أن استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات «مرفوض.. لأنه يؤدي إلي الفتنة والفرقة وينشر الاحتقان بين أبناء الوطن.. وملايين المواطنين ستخدعهم هذه الشعارات التي لا تعبر عن الإسلام، ولكن الهدف منها.. تحقيق مصالح وأغراض ومنافع شخصية».

وحتي أعضاء حزب مصر، الذي يرأسه د. عمرو خالد، انسحبوا من اجتماع الشوري اعتراضا علي السماح بالشعارات الدينية.

كما لو كان الذين رفعوا الحظر عن الشعارات الدينية في الانتخابات يريدون صب الزيت علي النار وزيادة التوتر الطائفي اشتعالا.. ذلك أن قرارهم يقود البلاد إلي فتنة، ويفرض تمييزا طائفيا في المجتمع وانقساما خطيرا، ويمزق الأمة في ظل وجود حالة احتقان وتوترات طائفية بالفعل.

وقرار ما يسمي بالشوري يجعل من الانتخابات القادمة.. انتخابات طائفية تسودها المشاحنات الدينية وسط مناخ من الاستقطاب.. والضحية هو الوطن.

لعبة الطغاة

وبدلا من العمل علي توحيد المجتمع، وجعل الانتخابات مناسبة لتحقيق المزيد من الوعي الانتخابي والسياسي، والحوار بين القوي المتنافسة حول أفضل برامج الإصلاح وتحقيق أهداف ثورة 25 يناير 2011.. يتم تفجير الصراع الديني بين المواطنين وتسود الفتنة التي هي أهم أدوات عمل القوي المضادة للثورة وللوطن وستكون الشعارات الدينية أداة لخلق الانقسامات وتوسيعها وتأجيج نيرانها.

إن إبعاد الشأن السياسي عن الشأن الطائفي يقطع الطريق علي تفجير الفتنة الداخلية والانقسامات التي تولد الصراعات بين أبناء الوطن الواحد.

وهناك في الغرب من يفكرون علي النحو التالي: إذا كان المستبدون قد فشلوا في الاستعانة بالطائفية الدينية لإضعاف وتمزيق الأمة.. فإن الطائفيين أنفسهم قد يفلحون فيما فشل فيه الطغاة السياسيون، ذلك أن أعداء مصر – والعرب بوجه عام – يدركون أن الأمن القومي المصري والعربي سيتعرض لخطر الانهيار إذا تمزقت الوحدة الوطنية داخل كل بلد عربي علي حدة، وخاصة أن المسيحيين العرب حملوا لواء التحرر العربي منذ القرن التاسع عشر، وأسهموا فكريا وعلميا وتربويا – وبالعمل المباشر – في السعي إلي تحرير الإنسان العربي، جنبا إلي جنب مع المسلمين، وكانوا حاضرين في كل الثورات العربية ضد الاستعمار أو الانتداب الغربي وضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي.

ويجب النظر إلي كل محاولة لتمزيق النسيج الواحد للأمة.. علي أنها مساهمة كبري في خدمة إسرائيل وأعداء الأمة العربية.

ضد الديمقراطية

وبدلا من تحرير المواطنين من الاحتقان الطائفي، فإنه يبدو إن هناك من يريد تغذيته لأنه في ظل الفتنة.. ينقطع الحوار بين المواطنين.

ولما كانت الطائفية تحصر الهوية في انتماء واحد، فإن الفرد يفقد حريته، لأنه لا يستطيع إلا أن يكون عضوا في الطائفة.. ويتقيد في إرادته السياسية بما تفرضه هذه الطائفة.

ومن هنا تتعارض الطائفية وتتناقض كليا مع الديمقراطية.

وفي مطلع القرن العشرين.. عندما وضع الشيخ محمد عبده برنامج الحزب الوطني، كتب يقول:

«الحزب السياسي.. لا.. ديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصاري واليهود، وكل من يحرث في أرض مصر ويتكلم لغتها.. منضم إليه، لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع أخوة، وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية».

كم نفتقد هؤلاء العمالقة من أمثال الشيخ محمد عبده وسعد زغلول ومحمد فريد ومصطفي النحاس ومكرم عبيد.. في هذا الزمن الردئ!

بقي سؤال:

هل هناك علاقة بين رفع الحظر عن الشعارات الدينية والاعتداء المدبر علي مشيخة الأزهر والكاتدرائية المرقسية – المقر البابوي – لاستكمال مشروع الفتنة وتمزيق مصر؟!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق