د. سيد البحراوي يكتب: لهـذا أنــا متفائـــل

29

يعاني معظم المصريين مشاعر مركبة من اليأس والإحباط والخوف من الحاضر والمستقبل، بفعل حالة الفوضي الأمنية والإعلامية وتزايد عدم القدرة علي تلبية احتياجات الإنسان الضرورية، ومصدر هذه المشاعر في رأي الأغلبية هو فشل حكم الإخوان المسلمين في حل أسباب هذه المشاعر وعدم قدرتهم علي تنفيذ أي من الوعود التي قدموها خلال العامين الماضيين، وفي نفس الوقت عدم قدرة المعارضة «سواء كانت سلفية أو مدنية» علي تقديم بديل والاكتفاء بالتظاهر والكلام النظري، بل إن البعض يحمل المدنيين أكثر من ذنب ويتهمهم أنهم هم السبب في وصول الإسلاميين إلي الحكم بسبب تناحرهم وتفرقهم وأهوائهم الشخصية.

وكامل تقديري لمشاعر اليأس والإحباط التي أصاب بها أيضا في بعض الأحيان، غير أن التأمل في الاتهامات للقوي المختلفة «بما فيها الإسلام السياسي» تأملا موضوعيا، يقلل – من وجهة نظري – من شموليتها وموضوعيتها، لأن ما حدث منذ 25 يناير 2011 وحتي الآن والأدوار المركبة التي قامت بها قوي متعددة داخلية، وخارجية تكاد تشمل كل دول العالم بدرجات متفاوتة، كلها اسهمت فيما وصلنا إليه.

غير أن هذا ليس هو سبب تفاؤلي السبب أكثر جذرية وهو أن ما نحن فيه هو ضرورة موضوعية يفرضها التطور التاريخي للمجتمع المصري المسمي بالحديث، أي أن وصول الإسلام السياسي إلي الحكم كان لابد أن يحدث، سواء الآن أو بعد ذلك، أو ربما كان من الأفضل قبل ذلك.

لأسباب تعود إلي بداية عصر «النهضة» في عهد محمد علي باشا وأنا أعتقد أن استخدام مصطلح «النهضة» آنذاك، عنوان لمشروع الإخوان المسلمين لا يخلو من دلالة، رغم ما يبدو من تفاوت شاسع بين فكر محمد علي وفكر الإخوان المسلمين.

يقول منظر الجهاديين الدكتور سيد إمام الشريف المعروف إعلاميا بالدكتور فضل «نعيش من 200 سنة عقوبات من الله تعالي من وقت أن استبدل محمد علي بأحكام الشريعة قوانين وضعية مستوردة من أوروبا» وأضاف أن حكام مصر منذ محمد علي وحتي الآن كلهم كفرة بمن فيهم محمد مرسي (1).

الخصائص المشتركة

ورغم ما يبدو من تناقض بين هذه المقولات والفقرة السابقة، فإنني أتفق معه في تأكيده علي الخصائص المشتركة لمراحل التاريخ المصري منذ أكثر من قرنين، ولكني أختلف معه في عدة أمور منها أن الخلافة العثمانية لم تكن تحكم فقط بأحكام الشريعة «إلا إذا كان لديه مفهوم خاص بالشريعة وهذا حقه الطبيعي»، وأن محمد علي استبدل بها قوانين وضعية «وهذا لم يحدث إلا في أقل القليل»، كذلك أرفض تماما مصطلح «كفرة» إلا إذا كان يرادف بين هذا المصطلح ومصطلح النهضة، وهذا ما سنناقشه خلال هذه الدراسة.

حينما خرجت الحملة الفرنسية من مصر تركت لدي المصريين أثرين متناقضين الانبهار والرفض العنيف الذي ولد رغبة قوية في التطور لمواجهة هؤلاء الكفرة، وحين جاء محمد علي استغل هذه الرغبة في التطور لكنه لم يتنازل عن الانهبار بالنموذج «الحضاري» الفرنسي، لتحقيق طموحه الشخصي «كما يقال» لبناء إمبراطورية واسعة له ولأبنائه.

وبمجرد توليه سدة الولاية بفضل الزعماء الذين قادوا مقاومة الفرنسيين قرر أن يتخلص منهم ليحقق مشروعه الذي قام أساسا علي نقل أو الاستفادة علي الأقل من الحضارة الأوروبية، إن هؤلاء الزعماء «الوطنيين» لم يكونوا مجرد أفراد، بل كانوا يمثلون فئات اجتماعية مثل العلماء أو مشايخ الأزهر أو التجار والحرفيين والطوائف والطرق الصوفية التي كانت موجودة قبل الحملة الفرنسية، وكانت – كما يقول – بيترجران – مرشحة لتكوين طبقة رأسمالية أو برجوازية أصيلة مستنيرة في إنتاجها الفني والعلمي (2) ولذلك فإن القضاء علي هؤلاء كان قضاء علي إمكانية التطور الطبيعي للمجتمع المصري، وبداية لفرض تطور غير طبيعي «أو غير متكافئ» علي المجتمع المصري واتباعه للسوق العالمي.

الطبقة الوسطي

في سبيل تحقيق هذا الهدف أخذ في إنشاء نظام تعليمي «حديث؟» وبعثات إلي أوروبا «فرنسا وإيطاليا» أديا إلي نشأة ما يسمي بـ «الطبقة الوسطي» أو النخبة الجديدة التي قادت السياسة والثقافة في مصر منذ ذلك الحين وحتي الآن، هذه النخبة التابعة لولي النعم لم يكن أمامها سوي الانبهار بالنموذج الغربي «وخاصة المنتجات التكنولوجية وليس العلم أو الفلسفة أو الفن» مع الحفاظ علي القيم والأخلاق والتقاليد الإسلامية، ويمثل رفاعة رافع الطهطاوي هذا النموذج بامتياز، نموذج يقوم علي ثنائية غير علمية وغير ممكنة الممارسة أدت إلي مرضين خطيرين في النخبة المصرية حتي الآن وهما انفصام الشخصية والتبعية الذهنية (3).

طرفا الثنائية المتناقضان علميا وعمليا قائما وجاهزان، فلا حاجة بي إذن للاجتهاد أو الإبداع، كلما احتجت شيئا وجدته هناك أو هنا «في الماضي».

ومع انهيار مشروع محمد علي «التكنولوجي» عسكريا وتعليما وإيغال إسماعيل في التبعية و«الديون» ثم الاحتلال الإنجليزي، تكرست التبعية والثنائية، وإن أخذت في الانشقاق مع بدايات القرن العشرين ليميل البعض إلي الغرب، والآخر إلي الماضي، كل هذا – بالطبع – علي مستوي النخب، دون أن يكون الشعب المطحون محل اهتمام إلا للاستغلال من كل السلطات.

لا ينكر أحد الدور «التنويري» الذي قام به الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده، هؤلاء الذين يتباهي بهم «التنويريون» المعاصرون، كذلك لا ينكر أحد أنهم ظلوا إسلاميين أصوليين مع تأثرهم ببعض الأفكار والتنظيمات الأوروبية، معني ذلك أن التناقض السابق شرحه ظل كامنا بداخلهم وفي أعمالهم، من هنا لا يصبح غريبا أن ينشق تلاميذهم إلي تيارين، أحدهما يبدأ «ليبراليا» أمثال الزغلوليين ولطفي السيد وطه حسين.. إلخ «وينتمي أقرب إلي الإسلاميين»، والآخر إسلامي محافظ «رشيد رضا» ثم حسن البنا الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928، وهما تياران – ظاهريا – متناقضان، لكن كليهما واقع في نفس الأزمة: التبعية الذهنية والثنائية.

الأول تابع للغرب «نموذج المستقبل» والثاني تابع للماضي «نموذج الخلفاء الراشدين، كما أني لا أظن أن الإخوان يرفضون التكنولوجيا الغربية كما أن الليبراليين ظلوا إسلاميين عقيدة إلا أفراد قلائل ومع هذا التباين شهدت المرحلة ما قبل 52 صراعات واتفاقات وتحالفات مع الإنجليز أو القصر أو الأحزاب الحاكمة، وإذا كانت ثورة 19 قد مدت الليبراليين ببعض الزاد، فسرعان ما ذاب بفضل ديكتاتورية «الليبراليين» وتحالفهم مع الإنجليز، كل هذا أدي إلي فشل الثورة وأخلي الساحة لانتشار الإسلاميين في تنظيمات متعددة، وكذلك لليساريين فيما بعد، وإن ظل تأثير هؤلاء في الحياة الشعبية أضعف دائما لأسباب معروفة لا مجال لها هنا، وإن كان لابد من التأكيد علي أن أحدها يتعلق بالتبعية الذهنية (4).

من بين كل التنظيمات التي انتشرت علي الساحة المصرية في الثلاثينيات والأربعينيات – رغم شعبية حزب الوفد الكاسحة – كان تنظيم الإخوان المسلمين هو الأكثر إحكاما وقدرة علي الاستمرار رغم أن أي قيود أو اضطهاد وذلك لأسباب متعددة منها مبدأ السمع والطاعة، واستخدام شعار الدين الإسلامي الذي هو دين أغلبية الشعب المصري، ومن ثم إمكانية استخدام المساجد بيسر، ومنها مبدأ التكافل بين الأعضاء الذي حقق تمويلا دائما «بالإضافة إلي أي تمويلات قد تأتي من جهات أخري، يقال إن بعضها جاء من الإنجليز» (5) ومنها أيضا التحلي بمنهج سياسي براجماتي يسمح بالتحول التكتيكي والقدرة علي التسلل إلي كل القوي السياسية، وهو منهج لا يمارس إلا من يرغب في الوصول إلي السلطة «وهذا ما لم يكن هدفا عند التنظيمات اليسارية مثلا».

حركة التحرير الوطني

عبر هذا المنهج الأخير وصل الإخوان إلي داخل تنظيم الضباط الأحرار وضم عددا منهم كأعضاء أو متعاطفين، ومع انقلاب 52 الذي لقي تأييدا شعبيا واسعا، باعتبار أن الضباط الأحرار رفعوا الشعارات ذاتها التي كانت حركة التحرر الوطني، بكل اتجاهاتها ترفعها من قبل، بدأت مرحلة جديدة من التوافق والتنافر والتناحر والصراع بين الإخوان وعبدالناصر، انتهت باعتقالهم عدة مرات ثم القطيعة الكاملة بعد حادثة المنشية سنة 1965.

بعد هذه اللحظة حدث تحولان مهمان في فكر وكيان الإخوان المسلمين، علي المستوي الفكري أعلن سيد قطب مبدأ العنف مبدءا أساسيا، فرغم أن الجماعة قد مارست هذا العنف طوال تاريخها، إلي حد الاغتيالات المعروفة «النقراشي باشا والخازندار» ولكن في عام 1965 أعلن ناصر عن مؤامرة لقلب نظام الحكم، ووفق شهادة أحمد عبدالمجيد تم عقد اجتماع لقادة التنظيم وتم فيه الموافقة المبدئية علي الاعتداء والدفاع عن النفس لحماية الدعوة وبدء عمليات التدريب علي السلاح والمتفجرات» (6).

أما التحول الثاني فقد كان تحولا طبقيا، لقد بدأت جماعة الإخوان كمجموعة من أبناء البرجوازية الصغيرة يقودها مدرس بمدرسة بالإسماعيلية، وربما كانت التمويلات المتتالية قد رفعت المستوي الطبقي تدريجيا خلال هذه السنوات، غير أن القفزة الكبري، حدثت بعد 65، فقد هرب الكثيرون من الإخوان من تهديد الاعتقال، إلي بلدان الخليج وخاصة السعودية التي احتضنهم نظامها، وهناك كونوا ثروات طائلة، رفعت من مستوي العديد منهم طبقيا، ومن ثم تنظيميا، غير أن هذا لا يعني أن أعداد المنتظمين في الجماعة كلهم قد أصبحوا أثرياء «حوالي نصف مليون»، وهذا ما يجعلنا نصر علي أننا ينبغي أن نميز دائما بين قادة الجماعة وقواعدها «طبقيا» رغم مبدأ السمع والطاعة، هذا بالطبع بالإضافة إلي التمييز الجيلي الذي طالما هدد وحدة الجماعة.

وتقديري أن هذا التحول الطبقي، ذا الأصول الريعية، بجانب التأثر الطبيعي بالفكر الوهابي الذي عاشوا في ظله وفي نعيمه، قد زاد من خاصيتي التبعية الذهنية، وثنائية التكنولوجيا والأخلاق.

أما الذين عاشوا تعذيب المعتقلات فقد تكونت لديهم أمراض أخري يستطيع علماء النفس رصدها وأثرها في سلوكهم بعد الخروج (7).

حاول النظام الناصري ومثقفوه الذين ورثهم أو الذين أنشأهم علي عينه، الخروج من المأزق التاريخي: التبعية والثنائية، بخليط من الإسلام والعروبية والماركسية «ولا أستبعد الليبرالية» فيما سمي بالاشتراكية العربية والتي كانت في الحقيقة رأسمالية دولة، لكنها – فيما أري – لم تكن رأسمالية حقيقية، لأنها لم تحقق شرط الرأسمالي المنتج المستقل، ظل الإنتاج الضخم في المصانع الحربية وغيرها مرهونا بالسوق العالمي، ولا أظن أن الناصرية كانت ملحدة ولا كانت ضد استيراد التكنولوجيا، ومع ذلك كانت هذه المحاولة مهددة لإسرائيل وللهيمنة الأمريكية ومن هنا جاءت ضربة 67 لتقضي عليه ولندخل في أربعين سنة من التبعية المطلقة اقتصاديا وسياسيا و«ذهنيا» لأمريكا، وفي نفس الوقت السماح أو عدم القدرة علي المنع أو الاستغلال للإخوان المسلمين، فانتشروا وتعاونوا وتلونوا وحاولوا الإعلان عن أنهم معارضون.. وحين انفلت عيار الجهاديين المنشقين عن الإخوان ولجأوا إلي العنف المسلح «قتل السادات والسائحون ومن يسمونهم الملحدين»، واجهتهم الدولة بالعنف من ناحية وبما أسمته بـ «التنوير التابع» الذي قامت به وزارة الثقافة والمجلس الأعلي للثقافة، والإعلام عبر كتيبة من الكتبة ومدعي الثقافة أو حتي المثقفين الذين استكانوا في «حظيرة» فاروق حسني، مما أدي إلي انهيار الثقافة المصرية التي كانت مزدهرة في العهدين الليبرالي والناصري «رغم أنها لم تخل أبدا من مأزق التبعية والثنائية»، وأبعد الناس عن الثقافة الحقيقية، وجعلهم أرضا خصبة لمزيد من الانتشار السياسي «الخدمي الإسلامي»، يضاف إلي هذا تزايد كل مشكلات الحياة الاقتصادية «الفقر والبطالة» والسياسية «غياب الديمقراطية».. إلخ كل هذا أدي إلي أن تصل «روح الشعب المصري إلي الحلقوم» فانفجر في 25 يناير 2011.

التفاعل الداخلي

إن هذا التفاعل الداخلي، لم يكن وحده الدافع إلي الانفجار، ففي ظل علاقات التبعية والمصالح المشتركة، فإن معظم القوي التي شاركت في «قيادة» الثورة نسقت وتعاونت وتنافرت وتناحرت مع الولايات المتحدة الأمريكية وقطر «وخاصة قناة الجزيرة» والسعودية والقوات المسلحة المصرية وربما المخابرات الدولية «بما فيها الإسرائيلية؟» وحماس ومنظمات «دعم الديمقراطية» العالمية.. إلخ.

وأيا كانت الترتيبات والمؤامرات، فقد كانت الثورة المصرية بعددها وقيمها، ثورة عظيمة بكل المقاييس (8)، ومع ذلك فإن هذه الترتيبات التي تتضمن مواعيد مناسبة للانتخابات وألاعيب الإخوان وأكاذيبهم وعنف المجلس العسكري واحتمالات التزوير في الانتخابات ومشاكل القوي المدنية.. إلخ أدت إلي فوز كاسح للإسلاميين في مجلس الشعب وفوز ضعيف جدا وفاتر في انتخابات الرئاسة.

منذ انعقاد أولي جلسات مجلس الشعب متزامنا مع بداية أحداث محمد محمود الأولي التي شارك فيها شباب الإخوان مع الشرطة في قتل المتظاهرين الذين كانوا رفاقهم منذ 28 يناير 2011، بدا واضحا أننا دخلنا توجها اجتماعيا جديدا يحتل الصراع فيه ملمحا بارزا سواء كان هذا الصراع سياسيا، أو عنيفا بين الجيش والإخوان والقوي الإسلامية الأخري، والقوي المدنية.

ومنذ ذلك التاريخ وحتي الآن، وصل حال المجتمع إلي أسوأ مما كان عليه بكثير قبل 25 يناير، فرغم كل المكتسبات العظيمة التي حققتها الثورة من كسر حاجز الخوف والقدرة علي المواجهة، فالأزمات التي وعد بها برنامج الرئيس: الأمن والغذاء والقمامة والمرور إلخ لم تحل بل بالعكس تفاقمت، ناهيك عن الأزمات الأعمق مثل الأجور والبطالة والصحة والتعليم.. إلخ.

ويرجع البعض ذلك إلي غياب الخبرة الإدارية والسياسية لدي الإخوان ولكني أري أن هذا واحد فقط من الأسباب، أضيف إليها أن الإخوان لم يمتلكوا سوي شعارات وليس خططا وسياسات تفصيلية عملية في مجالات المجتمع المعقدة والمركبة، كما أنهم «مثل بقية القوي السياسية» لا يملكون فهما حقيقيا لمشاكل الشعب المصري ولا سيكولوجيته المركبة، وربما كان تفكير الإخوان يعتمد علي أنهم لكي يستطيعوا الإصلاح فلابد من أمرين إزالة الفساد الأخلاقي «مثل إصرار النساء علي المشاركة في المظاهرات والاعتصامات» والمفسدين القائمين علي رءوس المؤسسات والمصالح والمحليات، وهذا لن يتحقق إلا بقوانين جديدة وتمكين الإخوان والموالين لهم بدلا منهم، ولذلك – ربما من وجهة نظرهم – كان لهذا الأمر أولوية مطلقة، قبل كل شيء.

فقدان المصداقية

ولتحقيق هذا الأمر كان لابد من إقصاء لكل القوي التي يمكن أن تعارض هذا المشروع، ليس فقط القوي المدنية، بل حتي حلفاء الأمس مثل حزب النور وغيره من الإسلاميين، واستخدموا في ذلك أشكالا من الالتفاف والكذب، وهذا واضح في موقفهم في مسألة الحوارات الوهمية (9) والمستشارين الذين لم يستشاروا فاستقالوا والمساعدين الذين لا يعرفون شيئا عن القرارات والإعلانات الدستورية التي تصدر بليل ليثبت عدم قانونيتها في الصباح، فيضطر الرئيس إلي سحبها، تكرر هذا مرات عديدة مما أفقد الرئيس والدولة والجماعة أي مصداقية داخليا وخارجيا.

ازدادت أزمات السولار والبنزين والغاز والرغيف وحوادث القطارات والكهرباء.. وزادت حالات الحرائق والبلطجة والاختطاف والاعتداء علي بعض الكنائس، وزادت أزمة المرور، وانفلت عيار الأسلحة إلي أيدي الإخوان والبلطجية ثم – بالضرورة – إلي أيدي البشر العاديين الذين لم يجدوا حلا آخر – في غياب الأمن – لحماية أنفسهم وممتلكاتهم، وازداد مستوي العنف والقتل في مواجهة المتظاهرين والمحتجين أو حتي الذين كانوا يمرون بجوار المظاهرة بالمصادفة.

في مواجهة هذه الأزمات لم تجد الجماعة سوي حلين: الأمني بالتعاون مع حركة حماس الفلسطينية والاقتصادي بالإلحاح علي الحصول علي قرض صندوق النقد الدولي «رغم ربويته» ثم مشروع الصكوك بالإضافة إلي اللهاث خلف الاستثمارات القطرية التي تتأبي علي المجئ دون التأكد من أنها ستمتلك أجزاء من الوطن أو تستأجره علي الأقل «قناة السويس علي سبيل المثال».

والإخوان ليس لديهم مانع في ذلك فأرض المسلمين كلها واحدة وأن فكرة الأوطان المستقلة ليست إلا نتاجا للتقسيم الاستعماري للحدود كما قال المرشد العام السابق، ومن ثم فلا مشكلة علي الإطلاق بين مصر والسودان بشأن الحدود كما قال الرئيس مرسي علنا في خطابه في السودان في بداية أبريل الحالي، ولا مانع إذن من التنازل عن حلايب وشلاتين، كذلك لا مانع من تمليك الفلسطينيين أراضي واسعة في شمال سيناء.

ثنائية الأخلاق

هدف الإخوان ليس بناء دولة مصرية، بل خلافة إسلامية، ومن ثم – ربما – يكون الهدف هو تفكيك الدولة المصرية، ليساهم المسلمون في كل مكان بإمكاناتهم الاقتصادية والأمنية في بنائها فيما بعد في إطار الخلافة.

وإذا كنا حسني النية فسوف نعتبر ذلك غباء وسذاجة، أما إذا تخلينا عن حسن النية فلابد أن نربط هذه الممارسات مع ما يحدث حولنا في العالم وخاصة المخطط الإسرائيلي لطرد الغزاويين إلي سيناء والأمريكي في العولمة المتمثلة في تفكيك دول الشرق الأوسط «سوريا والعراق والأردن ودول الخليج وليبيا، لكي تصبح مؤهلة للخضوع الكامل لسياسة العولمة التي تهدف إلي تفكيك الدول كي تعيد عولمتها في إطار السياسة الأمريكية ونمط الحياة الأمريكي والقيم الأمريكية.

في هذه الحالة «المحتملة» ماذا سيفعل الإسلاميون؟

إذا كانوا – حتي الآن مازالوا يحملون ثنائية الأخلاق والتكنولوجيا «مثلهم مثل معظم القوي الأخري، سلفية أو مدنية»، فهل سيقبلون بعد ذلك أن تستلب منهم الأخلاق أيضا ليصبحوا تابعين تماما؟ أم أنهم آنذاك – طبقا للمخطط – لن يكونوا موجودين أصلا.

إن الخيبة الكبري التي يعيشها الإخوان والأزمة الذهنية والسياسية لقوي المعارضة والأزمة الاقتصادية والمجتمعية مرشحة لمزيد من التصاعد، كلها تقول إن ثورة أخري قادمة، وأنا أتعجب من مقولات بعض التقدميين التي تحذر من ثورة «جياع»، أليس هؤلاء الجياع هم أكثر من 90% من الشعب المصري؟ هي إذن ثورة شعبية قادمة بلا شك، وشرطها أن يشارك فيها العمال والفلاحون.

ولأن الإخوان مدركون لهذا، فإنهم يلجأون إلي استراتيجية خطيرة يبدو أنها خافية علي الكثيرين من النشطاء وهي أنهم يأتون بمسالك ويصدرون قرارات مستفزة تؤدي إلي المزيد من المظاهرات والاعتصامات، بهدف استنزاف جهد الثوار حتي إذا حانت الظروف الموضوعية للثورة الحقيقية، يكون هؤلاء قد انتهوا، ومعني ذلك أن الإخوان ليسوا أغبياء تماما.

ومع ذلك فإن تضاؤل شعبيتهم واضح كما حدث في كل الانتخابات الأخيرة طلابية كانت أو نقابية، وبداية دخول قطاعات من الفلاحين (10) في التظاهر بسبب أزمة ارتفاع سعر البوتاجاز.. إلخ ومن ثم فإنني شديد التفاؤل بالثورة القادمة، لأنها ستكون شعبية، ليس من حيث العدد، وإنما من حيث القيم، حيث ستزيل مبدأ التبعية الذهنية وثنائية الأخلاق والتكنولوجيا، فالشعب المصري لا يعيش تبعية ولا انفصالا ولا انفصاما وإنما يعيش بمجمل قيم التمثل لكل جديد دون أن يهدم بنيته الذهنية القائمة منذ قدماء المصريين، ويتبني التسامح والعمل الجاد ويحقق العدل والكرامة والحرية (11).

وعلي الثوار الآن أن يدركوا خطة الاستدراج الإخوانية، وأن ينتبهوا أن دورهم الآن هو العمل مع تلك الطبقات الشعبية وأن يفهموا سيكولوجيتها ويتفاعلوا معها، ليس من الضروري أن يكونوا قادة لها، بل ربما كان الأصح هو أن يساعدوا علي أن تبرز قيادات جديدة.. لا شك أنها موجودة، لكنها تحتاج إلي من ينبهها إلي قدراتها وطاقاتها الإبداعية، ومثل هذا العمل مع الطبقات الشعبية يحتاج أولا إلغاء الفصل بين السياسي والاقتصادي في الفهم والعمل والنضال.

هـــــــــــــوامش

(1) صحيفة التحرير المصرية عدد 31 مارس 2013 ص9.

(2) بيتر جران: الأصول الإسلامية للرأسمالية، ومراجع أيضا كتابات نيللي حنا ورءوف عباس.

(3) سيد البحراوي: الحداثة التابعة في الثقافة المصرية، دار ميريت القاهرة 1999 ولعل أدق صيغة لهذه الثنائية والتبعية هذه النصيحة القادمة من الحكيم الفرنسي، في نهاية كتاب محمد المديلمي.. حديث عيسي بن هشام كحل لأزمتنا:

«لهذه المدينة الغريبة» الكثير من المحاسن، كما أن لها الكثير من المساوئ، فلا تغمطوها حقها، ولا تبخسوها قدرها، وخذوا منها معشر الشرقيين ما ينفعكم، ويلتئم بكم، واتركوا ما يضركم، وينافي طباعكم، واعملوا علي الاستفادة من جليل صناعاتهم وعظيم آلاتها.. وتمسكوا بفضائل أخلاقكم وجميل عاداتكم، فأنتم بها في غني عن التخلق بأخلاق غيركم ص4، دار المعارف 1947 ص315.

وهذه الثنائية استمرت عند معظم كتابنا، وأبرزهم يحيي حقي في قنديل أم هاشم وحتي صلاح عبدالصبور، كما أنها هي نفس الثنائية التي حكمت نظمنا السياسية المتتابعة «بدرجات متفاوتة» حتي الآن، بل يمكن القول إنها تغلغلت في أبناء شرائح الطبقة المتوسطة والعليا.

(4) راجع كتابنا «البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث» الفصلين الخاصين بكتاب لويس عوض «برومثيوث طليقا» ومحمود العالم وعبدالعظيم أنيس وفي الثقافة المصرية، دار شرقيات – القاهرة.

(5) راجع مقال: طارق الخزيري: أصولية ومؤامرات علي ضفاف النيل التحرير 11/4/2013 ص16.

(6) سهير عبدالحميد: سيد قطب جان أم مجني عليه، الأهرام 22 مارس 2013 ص9.

(7) لي خالة أحبها كثيرا، كفلها الإخوان أثناء اعتقال زوجها الذي كنت أحبه هو الآخر، حينا خرج من المعتقل كنت شابا يافعا، وكان يري في مستقبلا زاهرا ومفيدا مع الإخوان، ولما لم أستطع القبول طردني من بيته حتي مات «إقصاء؟» وأثناء نضالنا ضد السادات ومبارك وإسرائيل وأمريكا منذ السبعينيات، كان الإخوان يتبادلون معنا الود، لكنهم يرفضون العمل المشترك، أذكر أنني والدكتورة رضوي عاشور قد ذهبنا إلي الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، قبل أن يخرج من الجماعة، وكان ذلك في نقابة الأطباء، وعبرنا له عن حاجة الشعب المصري لوحدة القوي السياسية من أجل إنقاذ مصر، فقال سوف أستشير، وكانت «الشوري» هي الرفض.

(8) راجع وثيقة العقد الثقافي الجديد الصادرة عن مؤتمر أدباء مصر الذي انعقد في شرم الشيخ في 17 يناير 2013.

(9) شاركت مع نحو مائة في لقاء الرئيس بالمثقفين والفنانين المشهور بعد انتخابه بشهرين تقريبا، في اللقاء كان ودودا ومرحبا بدور العلم والثقافة والفن في بناء «السفينة» الجديدة، رحب كل الحاضرين بالحديث لكنهم قالوا إن الحديث مفارق تماما لما يحدث في الواقع، فلم يرد وانتهي الحوار.

(10) تأمل صورة الفلاحات اللائي يقدن مظاهرة ضد زيادة سعر أنبوبة الغاز في صحيفة «الوطن» 6 أبريل 2013، الصفحة الأولي.

(11) راجع مقدمة كتابنا «الحداثة التابعة» المشار إليه سابقا.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق