ثقافة التنوير في مواجهة المحتسبين الجدد

15

كتب: عيد عبد الحليم

ما بين الحين والآخر يطل علينا «المحتسبون الجدد» ليصادروا المبدعين والمفكرين وأصحاب الرأي. معتمدين علي مواد قانونية تقف بالمرصاد ضد حرية التعبير، وقد بات من الضروري- بعد ثورة 25 يناير – تغييرها حفاظا علي العقل المصري، ومراعاة للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وقد كانت الثقافة – ولاتزال- أحد حوائط الصد القوية في مواجهة القوي الظلامية التي تتربص بالأمة، وكان المثقفون بفكرهم التنويري أشرعة لاجتياز لجة التخلف إلي شواطئ العدل والحرية والقيم الإنسانية الرفيعة.

وقد عمد الرقيب – دائما- في مصادرة الأعمال الأدبية والفنية والفكرية إلي ثلاثة أسباب أسماها «مجاوزة الخط الأحمر» وربطها بالمحرمات الثلاثة علي حد تعبير من يصادرون وهي: «الدين والسياسة والجنس». والرقابة – بصفتها أداة للمنع والحجب- لا تلجأ في كثير من الأحيان إلي صيغ تأويلية تبرهن علي صدق دعواها، نظرا لأنها – عادة- ما تأخذ بظواهر الأمور دون تمعن أو إعمال نظر.

والرقيب عادة- لا يدقق في العمل الذي يريد مصادرته، بل يتعامل مع النص «بشكل انتقائي» لا يعتمد علي رؤية منهجية بحثية كلية تعتمد علي بعد منطقي يملك حق تأويل وتفجير البنية المجازية التخيلية لذلك النص الإبداعي.

وهنا تولد ما يمكن أن أسميه بـ «الرقابة العمياء» التي لا تستطيع أن تميز بين الغث والسمين، ولا بين الإبداع الزائف والإبداع الحقيقي.

وتدعي تلك الرقابة أنها تدافع عن الإبداع وحرية الفكر مستغلة الوعي المغيب للجماهير بفعل القهر الاجتماعي السياسي وتخلخل البناء الطبقي لتهميش الأغلبية. وقد أصبحت الحسبة في الفترة الأخيرة مهنة من لا مهنة له، لدرجة أنه أصبح من حق أي مواطن عادي لو قرأ كتابا أو رأي برنامجا تليفزيونيا وإذاعيا أن يرسل خطابا إلي مجمع البحوث الإسلامية أو يرفع قضية يطالب فيها بضرورة محاكمة الكاتب أو صاحب الرأي، ويرص في دعواه سيلا من الأحكام التشكيكية في عقيدته، وللأسف يجد أرضا براحا لمطلبه القائم في الأساس علي نظرة أحادية مشطورة الرؤية، تتوافق مع ثقافة الشارع المبنية علي التغييب بفعل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية طاحنة عاني منها المجتمع خلال الثلاثين عاما الماضية وما زال يعاني أكثر في ظل حكومة الإخوان بعد الثورة.

وهنا تصبح مسألة إعادة النظر في القوانين المقيدة للحريات ضرورية للغاية، حتي لا يتذرع «فقهاء العوام» الذين وصفهم الرسول محمد صلي الله عليه وسلم «بأنهم أحد علامات الساعة» بتلك المواد التي تضرب حرية الفكر والإبداع في مقتل.

كان القصد- قديما- من الحسبة في قرون الإسلام الأولي- هو مواجهة الفساد الاقتصادي والإداري، لكن للأسف المحتسبون الجدد حولوا هذا المفهوم إلي مصادرة حرية الكتاب والمبدعين.

وهنا يصبح علي المثقفين ضرورة التوحد لمواجهة هؤلاء، في وقت لا مجال فيه للفردية والذاتية، فالعقل المصري- بحق – في خطر شديد.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق