حسين عبدالرازق يكتب : «تطهير» القضاء.. أم استقلاله؟!

59

تنعقد الجمعية العمومية الطارئة لنادي قضاة مصر في الخامسة مساء اليوم بمقر دار القضاء العالي لمناقشة «الحملات التي تدبر لمحاولة هدم السلطة القضائية والتطاول عليها وعلي أعضائها.. ومواجهة العدوان الهمجي الذي وقع علي القضاة من جماعة الإخوان وأتباعهم» في إشارة للأحداث الخطيرة التي وقعت خلال المظاهرات التي دعت إليها جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة وحصارهم لدار القضاء العالي ولجمعية الشبان المسلمين التي كانت تستضيف مؤتمرا لتيار الاستقلال واعتدائهم بالضرب علي الكاتب والسياسي البارز «نبيل زكي» المتحدث الرسمي باسم حزب التجمع وممثله في تيار الاستقلال، كما تناقش الجمعية العمومية غير العادية لقضاة مصر مشروع القانون الذي تقدم به حزب الوسط لمجلس الشوري لتعديل قانون السلطة القضائية «والذي يمثل اعتداء علي استقلال القضاء وانتقاصا لسلطاته»، وكذلك بحث «السبل الكفيلة لتنفيذ الحكم القضائي واجب النفاذ الصادر من دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة استئناف القاهرة ببطلان تعيين المستشار طلعت عبدالله في منصب النائب العام».

وبصرف النظر عن شذوذ دعوة جماعة الإخوان التي تتولي الحكم في مصر الآن وتسيطر علي السلطتين التنفيذية والتشريعية لتنظيم مظاهرات تحت عنوان «جمعة تطهير القضاء» لتأييد مشروع القانون – غير الدستوري – الذي تقدم به حزب الوسط لمجلس الشوري والذي سيؤدي إقراره لفصل ما يقرب من 3500 من شيوخ القضاء، فلم يحدث في حدود علمي أن لجأ حزب حاكم لتنظيم مظاهرات أو مسيرات لتأييد مشروع قانون يعتزم إصداره.. فمشروع القانون ذاته والشعارات والمطالبات التي رفعت في مظاهرة الجمعة المسلحة «جمعة تطهير القضاء» تؤكد أن جماعة الإخوان تهدف لتفكيك وهدم الدولة المصرية المدنية الديمقراطية الحديثة التي ناضل الشعب المصري – ولايزال – من أجل تأسيسها منذ أيام محمد علي، لإقامة دولة المرشد كخطوة مهمة لتنفيذ «مخططاتها العابرة للأوطان» وإقامة دولة «الخلافة».

في يوم الجمعة الماضي أغلق الإخوان وحلفاؤهم «الوسط – الجماعة الإسلامية – الأصالة – الجبهة السلفية» الباب الرئيسي لدار القضاء العالي بلافتة كبيرة كتب عليها «الشعب يريد تطهير الإعلام والقضاء».. وحددوا مطالبهم بـ «البدء فورا في تغيير قانون السلطة القضائية» و«إقالة وزير العدل» و«محاكمة رئيس نادي قضاة مصر المستشار أحمد الزند والنائب العام السابق عبدالمجيد محمود» و«عمل محاكمات ثورية».

ومع الاعتداء الإجرامي علي «نبيل زكي» قامت ميليشيات جماعة الإخوان بسحل متظاهر في شارع رمسيس بعدما جردوه من ملابسه وضربه وهو ملقي علي الأرض بوحشية سواء بعصي غليظة يحملونها أو بالركل بالأقدام، وأظهرت قوات الشرطة المتواجدة في شارع رمسيس أمام جمعية الشبان المسلمين «تعاونا مع الإخوان في مطاردة المتظاهرين الرافضين للعدوان علي السلطة القضائية».

ووجه المهندس عاصم عبدالماجد «الجماعة الإسلامية» نداء ودعوة للتيارات الإسلامية لمحاصرة منازل القضاة والمحاكم ودار القضاء العالي ونادي القضاة حتي يتم «تطهير» القضاء، وهدد حزب الأصالة السلفي بتنظيم مليونيات وفعاليات إذا لم يبادر مجلس الشوري بمناقشة قانون السلطة القضائية تمهيدا لإصداره.

والقانون الذي أعده حزب الوسط ينزل بسن التقاعد للقضاة من 70 عاما إلي 60 عاما بما يؤدي إلي عزل أكثر من 3 آلاف من شيوخ القضاء «عددهم أكثر من 11 ألف قاض» وحوالي 300 قاض في مجلس الدولة من 1200 قاض حاليا، وما يقرب من 400 من هيئة قضايا الدولة و9 من أعضاء المحكمة الدستورية وعددهم حاليا 11 بعد أن خفض دستور الإخوان العدد، وبالطبع سيحل محل هؤلاء جميعا عناصر من المحامين وخريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون والشرطة أغلبهم أو كلهم من الموالين للجماعة وحلفائهم.

وهذا المشروع بقانون الذي أعده حزب الوسط لم يتم أخذ رأي الهيئات القضائية فيه بالمخالفة للمادة 169 من الدستور الحالي!

بل وتم تجاهل مشروع القانون الذي أعده القضاة أنفسهم من خلال ناديهم بهدف تحقيق «استقلال القضاء» وتقدموا به منذ عام 2005 إلي وزارة العدل، وتضمن المشروع تعديل 35 مادة من القانون القائم وإضافة 7 مواد جديدة منها مادتان لتنظيم شئون نادي القضاة، وإلغاء 5 مواد وإضافة 4 مواد انتقالية وتخصيص موازنة مستقلة تدرج كرقم في الموازنة العامة للدولة ويكون مجلس القضاء الأعلي هو المتحكم في الموازنة، ورفع يد وزارة العدل والسلطة التنفيذية عن القضاء «فممثل السلطة التنفيذية، وهو وزيرالعدل، خوله القانون القائم اختصاصات سلبت من مجلس القضاء الأعلي وصلت إلي 58 اختصاصا أصيلا»، ونقل تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلي، وأن يتولي المجلس التنسيق القضائي ويكون زمام القاضي في يد المجلس، وتحديد قاعدة عامة للندب ويتم بموافقة المجلس، وألا يكون مجلس القضاء الأعلي كله بالتعيين.

إن معركة القضاة وكل القوي الديمقراطية طيلة العقود الماضية – قبل الثورة وبعدها – هي معركة استقلال القضاء، أما الدعوة لتطهير القضاء فهي دعوة لمزيد من انتهاك استقلال القضاء، والقول بوجود فاسدين في سلك القضاء أمر عادي وطبيعي، فهناك دائما أقلية فاسدة في كل المهن والسلطات، وقانون السلطة القضائية القائم يواجه هذا الفساد من خلال التفتيش القضائي والمحاكمات التأديبية والجنائية إذا لزم الأمر، وفي سجون مصر عنبر للقضاة المحكوم عليهم في قضايا رشوة أو غيرها، وهناك عشرات القضاة تم إبعادهم عن سلك القضاء لعدم الصلاحية، وكلها أمور عادية لا تمس القضاء المصري ونزاهته، بل تؤكدها.

باختصار.. نعم لاستقلال القضاء.. ولا للعدوان علي القضاء تحت عنوان «تطهير القضاء».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق