د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة في مواجهة التأسلم (2)

29

د. رفاعة الطهطاوي هو كما أسماه واحد من تلاميذه «أوحد زمانه، ونادرة عصره وأوانه، المجد في نفع وطنه ينشر المنافع، الأمير المعظم رفاعة بك رافع» (صالح بك مجدي – بمناقب خادم الوطن رفاعة بك رافع – تحقيق د. جمال الدين الشياك – ص5)، وفي باريس أسماه أساتذته وأصدقاؤه «مسيوه شيخ رفاعه» أما هو فقد ظل دوما متمسكا بفخر شديد بأنه من «الأشراف» واعتاد كثيرا أن يذكر وبالتفصيل نسبه الممتد عبر أخواله الأنصار إلي علي بن أبي طالب، وقد أتي رفاعه من طهطا علي مركب بعد أن باعت أمه مصاغها بجنيهين كانا كل زاد رحلته، والأزهر جامعة تموج بالمشايخ، ولكل شيخ رؤيته ورأيه ولأن لكل إنسان اختياراته فقد مال المفتي رفاعة ناحية واحد من أكثر المشايخ تفتحا واستنارة هو الشيخ حسن العطار وهو أديب ورحالة زار تركيا وفلسطين ودمشق داعيا لرؤية تجديدية للدين، وخالط ضباط الحملة الفرنسية دون كمعلم للغة العربية دون أن يميل إليهم وإنما استشف من خلال علاقاته بهم رؤية ذات أفق متسع ومعرفة بالعلوم العصرية.

ولزم رفاعة منزل أستاذه في كل أوقات فراغه هو وزميل له في رحلة العلم هو الشيخ عياد الطنطاوي وقد رحل الطنطاوي إلي بطرسبورج معلما للغة العربية وألف كتابا يشبه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» أسماه «تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا»، ولكن معركة الأزهر ضد التجديد كانت عنيفة فالمشايخ الكبار كانوا يلقنون تلاميذهم..

وكل خير في اتباع من سلف

وكل شرف في اتباع من خلف

فتعلم الحذر وكأنه يحاول أن يحرر رؤيته للتنوير عبر ثقب إبرة، وكقطعة من قماش خام سافر رفاعة واعظا لبعثة من الطلبة إلي باريس وكان المطلوب منه المواظبة علي التربية الدينية للطلاب، لكنه تفوق علي الجميع فكان الأسرع لإتقان اللغة الفرنسية والأكثر قدرة علي الترجمة فانبهر به أستاذان من كبار المستشرقين الفرنسيين كان محمد علي قد أوكل إليهما أمر البعثة الطلابية وهما فرانسواز جومار وكان واحدا من أكبر علماء الحملة الفرنسية علي مصر والمشرف علي وضع كتاب «وصف مصر» وكوسان دي برسفال المستشرق الأكثر شهرة، وعلي يديهما قرأ رفاعة وتفهم ودرس وترجم واعتاد يوميا علي قراءة «التذاكر اليومية المسماه بالجرنالات والتي لسائر أهل فرنسا أن تقول فيها ما يخطر لها وأن تستحسن أو تستقبح ما تشاء» (تخليص الإبريز في تلخيص باريز.. تحقيق وتعليق د. مهدي علام وآخرين ص97)،

وهكذا جري تحويل القماش الخام إلي رؤية مستنيرة واسعة الاطلاع فقد لاحقه أستاذاه بالعصف الفكري الذي يحتاجه أزهري يعيش في باريس ففي مدونته الأولي لتلخيص الإبريز كتب واصفا مغادرته لمصر «وقد حدث لي الغم الشديد بعدم تيسر زيارتي لسيدي إبراهيم الدسوقي بالقرب من دسوق» ويقنعه كوسان دي برسفال بشطب هذه العبارة، وفي مسودات الكتاب ورد في الكراسات الأولي عبارات عدة تصف النصاري بالكفرة فيقول «إن بلاد أوروبا نصاري أو كفرة» وهو يقدم الدستور الفرنسي والذي أسماه «الشرطة» الفرنساوية من كلمة chart قائلا «لتعرف كيف حكمت عقول الكفرة بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد» ويجتمع الأستاذان جومار وكوسان دي برسفال في مناقشة حميمة وعميقة مع الفتي الأزهري ليقنعاه بشطب كلمة كفرة واستبدلها رفاعة بكلمات «الإفرنج» أو «الفرنساوية» أو النصاري لكن أروع ما في رفاعة أنه ناقش وفتح صدره للمعارف الجديدة بما يراه صائبا ورفض وبإصرار ما وجده غير صائب أو غير متسق مع إحساسه الوطني أو غير صالح لمصر، فرفاعة الذي عاش في الأزهر متطلعا بل ومشتاقا للمعارف الحديثة مؤكدا «أن مدار سلوك جادة الرشاد والإصابة منوط بأولي الأمر بهذه العصابة “يقصد شيوخ الأزهر” التي ينبغي أن تضيف إلي ما يجب عليها من نشر السنة الشريفة ورفع أعلام الشريعة المتينة معرفة سائر المعارف البشرية المدنية التي لها مدخل في تقدم الوطن، لاسيما وأن هذه العلوم العلمية التي يظهر الآن أنها أجنبية هي علوم إسلامية نقلها الأجانب إلي لغاتهم من الكتب العربية» هذا الطموح لفتي أزهري ربما تنفسه هامسا في البداية لكنه ضمنه بعد عودته في كتابه الرائع «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» (ص273) وهكذا رفاعة في باريس متمسكا بمصريته ودينه وزيه مؤكدا «أن التمدن ليس في زينة الملابس يعرف مجهول متخيل استحسانه لاسيما إذا كان لا يمكن لمن تزيا به إحسانه فحاجة الوطن إلي المتعة الحقيقية أشد من حاجته إلي تقليد العرف الذي هو منفعة ظاهرية» (المرجع السابق – ص22)..

وظل رفاعة طموحا لتقدم وطنه ورفعة شأنه «فالبركة في هذه الدنيا قسمت إلي عشرة أقسام اختصت مصر بتسع منها» (المرجع السابق)، ويتململ رفاعة رافضا وبحزم محاولات أستاذيه بإيهامه «أن منافع مصر تقع موضع التحقيق لو دامت هذه المملكة في قبضة الفرنساوية، فهذا القول مبني علي شبهة داهية وهي أن مصر يسوغ أن تصلحها فرنسا أو أية مملكة تكون لها مضاهية فاعتقاد ذلك من الإيغال المدهي أو من باب التشبيهات الفاسدة، وإنما يقتل النفوس التشهي».

ولعل هذه العبارة قد أغضبت أستاذيه، لكنها أرضت مصريته.. وهكذا ذهب رفاعة مصريا وعاد أكثر مصرية، ومن مصر بدأ معركة دفاعه عن المرأة وحقوقها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق