عودة الدولة للقيام بدورها شرط للعدالة الاجتماعية

22

 متابعة : أمل خليفة

مفهوم العدالة الاجتماعية يجمع أبعادا مثل أن نهاية الظلم والإستغلال والقهر والحرمان من الثروة او من السلطة أو من كليهما ، والتي يغيب فيها الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي وتنعدم الفروق غير المقبولة اجتماعيا بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة ، والتي يتمتع فيها الجميع بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية متساوية وحريات متكافئة ، والتي يعم فيها الشعور بالانصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية ، والتي يتاح فيها لأعضاء المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم وإطلاق طاقتهم من مكامنها ، والتي يتمكن فيها الأفراد من حسن توظيف قدراتهم لصالح انفسهم وبما يكفل لهم إمكانية الحراك الاجتماعي الصاعد ولصالح المجتمع في الوقت نفسه والتي لا يتعرض فيها المجتمع للاستغلال الأقتصادي وغيره من مظاهر التبعية من جانب مجتمع أو مجتمعات أخري .فالبعد الخارجي للعدالة الاجتماعية هو نوعية العلاقات التي تربط الدولة بالخارج حيث يمكن أن يزج جزء من الدخل القومي للخارج. بهذه الكلمات أستهل دكتور إبراهيم العيسوي أستاذ الاقتصاد بالمعهد القومي للتخطيط حديثه حول العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة وذلك في الندوة التي عقدها المعهد بعنوان ” حوار الأمل في المستقبل من أجل الوطن .

يقول العيسوي ليس من المقبول منطقيا في بلد نام مثل مصر أن نتحدث عن التنمية المستدامة دون الأخذ في الاعتبار العدالة الاجتماعية والمساواة كما ينبغي التعامل بحذر مع السياسات التي تطرح في الدول المتقدمة وهذا لا يعني الرفض المطلق لها.

فهناك أدلة علي أن عدالة التوزيع تساعد علي إطلاق قوي النمو في المجتمع ، وهناك أدلة متزايدة علي أن النمو يتعرض لأخطار كثيرة إذا غابت عنه العدالة الاجتماعية.لذلك لم يكن غريبا أن ترفع ثورة 25 يناير شعارات مركبة مثل ” عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية .كرامة إنسانية ” لتضع المفهوم الشامل للرفاة الإنساني.وتصاعدت المطالبة بالعدالة الاجتماعية مصريا ، وقطريا ، وعالميا.فبعد قيام الثورة رفعت كل الأحزاب والقوي السياسية شعار العدالة الاجتماعية سواء عن فهم ووعي وإدراك لمفهوم العدالة الاجتماعية أو مجرد رفع شعار .بالتأكيد هناك أحزاب كانت ترفع هذا الشعار قبل الثورة وكانت تعمل عليه بشكل دائم .

ويستطرد العيسوي أما علي المستوي الإقليمي فالثورات الأخري كلها رفعت شعار العدالة الاجتماعية ” حتي البحرين ” دعما لعدم التمييز ، أما عالميا فهناك قلق متزايد من تفاوت توزيع الدخول والثروات.

فنسبة الفقراء ارتفعت خلال 5 سنوات من 40% إلي 48% وفق الخط الأعلي للفقر وذلك بسبب إنتشار نمط الليبرالية الاقتصادية فأغني 20 % يملكون 40% من الثروات في بلد مثل الولايات المتحدة هناك قلق شديد من الرأسمالية .

ويؤكد العيسوي أنه لا مجال للتواضع أو الرضا بالقليل في مفهوم العدالة الاجتماعية ويري العيسوي إن مصطلح ” G ” الذي يتحدث عن حصول 10% من السكان علي 10% من الدخل هو مصطلح ميكانيكي بحت.فالمساواة ركن من أركان العدالة الاجتماعية ولكن لا تعني المساواة المطلقة أو المحاسبتية فهناك فوارق الجهد والإمكانيات وهذا ركن أصيل.وهذا ما أكد عليه استاذ الفلسفة الاقتصادية ” جون رولز “

اللامساواة المقبولة

ويضيف العيسوي مبدأ اللامساواة يكون مقبولا إذا كانت تتجه لتحسين حالة الأفراد الأسواء حالا في المجتمع ، فالمساواة الاجتماعية تعني الإنصاف والمساواة في الحقوق والواجبات.والمساواة في الحقوق مفهومة ولكن المساواة في الواجبات ترتبط بالقدرة مناط التكليف مثل ” الضرائب ” أهم شيء المساواة في الفرص وأن تستهدف العلاقة مع حقوق الإنسان وإحترام آدميته وهذا يضع علي عاتق الدولة أدوارا مهمة مثل توفير ما يكفي لأشباع إحتياجات الإنسان.

ويضيف العيسوي المساواة في الفرص ضرورة ولكنها ليست كافية ولابد أن يكتمل ببعض الشروط مثل ازالة أسباب التمييز ، توفير فرص كافية والتمكين بمعني الإستفادة من الفرص والتنافس علي أرض متساوية والتمكين بمعني خلق الظروف التي تهييء للناس فرص حقيقية للحكم علي الحياة التي يريدون أن يعيشوها أي رفع سقف التطلعات .

ويستطرد العيسوي المساواة في الفرص لا تعني المساواة في النتائج فلايوجد مساواة في النتائج حتي وإن كان هناك مساواة في الفرص .لذلك لابد من تقريب الفروق في توزيع الدخل وهذا دور الدولة .

العدالة الاقتصادية

يؤكد العيسوي وجود علاقة وطيدة بين العدالة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.فالجانب المختص بالإنتاج من حيث مدخلاته ومخرجاته يرتكز علي منع الإحتكار ، و التمييز وأرساء مبدأ المشاركة والتوزيع و التصحيح.وهذا يعود بنا مرة أخري للعدالة الاجتماعية مثل مراعاة حاجات غير المشاركين في الأنتاج بتوفير فرص لهم.كذلك الذين لا يكفي الأجر الاقتصادي لأشباع حاجاتهم.كما يجب ايضا ضمان عدالة التوزيع بين الأقاليم لو تركناها للعدالة الاقتصادية الآليات لن تحلها.وكذلك ضمان عدالة التوزيع بين الآجيال .

ويؤكد العيسوي أن اللامساواة والفقر صنوان لا يفترقان قد لا يوجد فقر مطلق و تصبح اللامساواة مشكلة مركبة حتي عندما يكون معدل النمو الاقتصادي سريع مثل الصين فتزايد اللامساواة يشكل تهديدا كبيرا. واللامساواة في الدخل تميل إلي التزايد في أوقات الأزمات.لا يمكن فصل العدالة الاجتماعية عن النظام الأقتصادي والاجتماعي .

اللامساواة في الرأسمالية

يؤكد العيسوي أن اللامساواة في الرأسمالية مصادرها الاستغلال وما ينتجه من تركز في الثروة ، وإنعدام تكافؤ فرص الوصول إلي المواقع الطبقية المتميزة.لذلك فالتناقض جوهري بين الرأسمالية وخصائص المجتمع العادل.و فيما يتعلق بالحرية والعدالة الاجتماعية وفق نظرية رولز ” الفروق الفردية يجب أن تكون لصالح الطبقات الأسوأ حالا.والحرية ضمن حقوق الإنسان لكل فرد حقا متساويا في اوسع حرية أساسية ممكنة ومتناظرة مع الآخرين.

ووفق نظرية (SEN ) فالتنمية حرية والحرية = قدرات ، فالحرية ضرورية للعدالة الاجتماعية ففرص الفقراء في المطالبة بحقوقهم مرتبطة بالحرية الموجودة في المجتمع .والديمقراطية التمثيلية دائما تخدم مصالح الأغنياء .

العدالة الاجتماعية بين الأجيال ليس من حق الأجيال الحاضرة أن تستأثر وحدها بالموارد الطبيعية وأن تلقي بكلفة مكافحة التلوث علي عاتق الأجيال القادمة وترهقهم بأعباء ثقيلة لخدمة الدين العام.لذلك يجب الاعتماد علي الذات وأن يراعي المجتمع فتح فرص أمام الشباب للمشاركة في إتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية وإلا تصبح إهدار لحقوقهم.

العولمة الظالمة

يتحدد البعد الدولي للعدالة الاجتماعية وفق العلاقات الخارجية التي يتأثر بها الدخل القومي حسب ما يتولد في الداخل وما يخرج للخارج ” وهو ما يؤثر في حجم الكحكة ” فإذا كانت العمالة في الخارج أغلبها عمالة فقيرة فسيتحسن توزيع الدخل ، أما إذا كانت معظمها من الطبقة المتميزة فسيسوء توزيع الدخل ، فالعولمة ظالمة.حيث أضعفت قدرة الطبقة العاملة علي إنتزاع مكاسب مثلما كان يحدث في الماضي لذلك لابد من التحدث عن العدالة الاجتماعية علي المستوي الدولي.

ويضيف العيسوي أن العدالة الاجتماعية مفهوم واسع ومتعدد الأبعاد.بعد اقتصادي واجتماعي وثقافي ، وبشري وطبقي فهناك نظم أكثر تأهلا لتحقيق العدالة الاجتماعية أكثر من نظم أخري.وكذلك البعد الإقليمي ” الجهوي” والبعد الجيلي والسياسي والمؤسسي المتصل بقضية الحريات وقضية التمكين وأخيرا البعد الخارجي المتصل بعلاقات الدولة الخارجية من حيث التبعية والإستقلال.

ويتناول العيسوي العلاقة بين العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي وفق نظرية جونار ميردال ” إن النتيجة التي توصلت إليها إن اللامساواة وإتجاهها العام إلي التزايد يشكلان مركبا من العوائق والعقبات أمام التنمية ” فلابد من النمو أولا ثم إعادة التوزيع فيما بعد.

أما نظرية عالم الاقتصاد الباكستاني محبوب الحق فتقول ” إن التعارض بين النمو والمساواة ليس ضروريا ولا هو حتمي في كل الظروف ” فلايوجد قانون حديدي يحكم العلاقة بين المساواة والنمو المهم هو طبيعة النمو ونوعية إنحيازه الاجتماعي فالمطلوب هو تحسين نوعية النمو بحيث يكون نموا عمومي النفع وحتي ينتفع به الأسوأ حالا بدرجة أكبر من غيره .فلا يوجد مبرر لتأجيل مكافحة الفقر وتخفيض اللامساواة لحين تحقيق مستوي متقدم من النمو الاقتصادي.

مفاهيم غريبة

ويؤكد الكاتب سمير مرقس أنه بعد الأزمة المالية العالمية أصبح هناك تعاطي مختلف مع السياسات الاقتصادية في جميع دول العالم ماعدا نحن هناك إصرار علي أخذ قروض ” واستمرار من أجل الاستثمار ” فهذه مفاهيم غريبة لمجتمع معقد تزايدت مشاكله في الفترة الأخيرة ،فلابد من وجود رؤية وسياسات جذرية جديدة.

ويستطرد مرقص لابد أن نتفهم لماذا حدثت 25 يناير التي هي حركة الطبقة الوسطي في مصر بشرائحها المتنوعة ، فالطبقة الوسطي ميلادها الحقيقي كان في عصر محمد علي.حيث أقام محمد علي الدولة الحديثة التي تقوم علي المؤسسات والحداثة والعلم والترجمة والصناعة وغيرها مع وجود جهاز إداري للدولة ، وبدأت الطبقة الوسطي تتملك أراضي بعدما كانت مهمشة ومستبعدة فالطبقة الوسطي خرجت من رحم محمد علي .ثم توالت الأحداث وجاءت ثورة يوليو ” كحركة الطبقة الوسطي في مصر ” قبل وبعد ثورة 52 كان هناك تهميش للطبقة الوسطي في البعد السياسي والمدني ولكنها ركزت علي البعد الاجتماعي والاقتصادي ، كما أن مصالح الطبقة الوسطي لم تتهدد في العهدين قبل وبعد الثورة.

ويستطرد مرقس قائلا ثم جاءت النقلة الجذرية في مطلع السبعينات ” دولة يوليو المضادة الطبقة الوسطي أترمت في الشارع معظمها اتجه للعمل في ” دول الخليج ” والدولة خلعت.فعودة العدالة ترتبط بعودة الدولة للقيام بأدوارها.ومع السياسات الليبرالية الجديدة والإنفتاح الاقتصادي سرنا عكس الإتجاه.فكانت النتجة أن انقسم المواطنون إلي قلة الأثرياء والطبقة الوسطي بشرائحها والطبقة الفقيرة ” الطبقة الخطرة “.

استفادت الطبقة العليا الوسطي نسبيا من الليبرالية الاقتصادية حيث إن غالبية من ينتمون لهذه الشريحة هم من المهنيين الذين كانوا يرفعون أسعار ما يقدمون من خدمات الأمر الذي أتاح لهم بعضا من الفائض كانوا يعيدون توظيفه سواء من خلال ودائع بنكية يستفيدون من ريعها أو الدخول في مشروعات استثمارية معقولة توفر لهم بعض الفائض وبدأوا يسعون نحو السياسة .أما الشريحة الوسطي من طبقة الوسطي فهذه الشريحة هوت ولم تعد ” مستورة ” ذلك لإنها تعتمد علي دخول ثابتة.وبسبب عوامل التضخم والإرتفاع الدائم في للأسعار وعدم توفر فرص التوظيف ، أما الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطي ” الشريحة الخطرة ” فهوت بهم سياسات الليبرالية الجديدة إلي الحضيض .

وبذلك تاهت الدولة الوطنية في مكان ما بين دولة منهارة ، دولة سوق ، تحلل قومي ، مقاولين ومستهلكين، مؤسسات اقتصادية وهيئات تنموية ومعونات ، جماعات حقوقية وحركات داعمة وقوانين عابرة للحدود وتدخلات متنوعة وروابط عابرة للحدود وعقود.مما أدي إلي تقاسم مصر وليس تعاظمها الذي قد يؤدي إلي الإستغناء عن حلايب وشلاتين ، مما أوصلنا إلي مجتمع الخمس مع ترسيخ امتلاك” شبكة الإمتيازات المغلقة رأسمالية المحاسيب 70% من ثروات مصر.فالمصالح السياسية والاقتصادية للسلطة القديمة لا تختلف عن مصالح السلطة الجديدة فالنظام الجديد يتمتع برأسمالية تجارية وليست رأس مالية كلاسيكية.

ويستطرد مرقس قائلا بعد أزمة 1929 ظهرت العلاقة الطردية بين مفهوم الرأسمالية وقضية المساواة والعدالة كما ظهرت مفاهيم المطالبة والبحث عن المساواة ، ومن 1945 إلي 1979 ” توافق واشنطن ” الذي يطالب بالمساواة للجميع ، ومن 1979 إلي أزمة 2009 الليبرالية الجديدة والمساواة ومابعد 2009 ظهرت مراجعات كثيرة جدا.لذلك كانت ثورة 25يناير التي قامت بتحولات كبري وهي التحرك القاعدي للمواطنين.مواجهة النظام الأبوي ، إسقاط القداسة والعصمة عن السلطة وعن الحاكم ،وكذلك اسقاط الشمولية .ولكن هذه التحولات تواجهها مجموعة من المعوقات الخطرة مثل التأسيس الديني للدولة المصرية ،الإقصاء السياسي ،سياسة القبضة الحديدية أو المسار الإجباري اللاثوري والحلف المقدس المتمثل في الأستئثار والاحتكار. وأخيرا العدالة ليست احساناً ولا يجب أن نخرج عن النموذج الذي وضعه شباب الثورة فالعدالة الخيرية يمكنها حل مشاكل فردية ولا يمكن أن تكون بديلاً للتنمية مثلما يلمح الدستور الجديد الذي يري العدالة بمفهوم ” الخيرية والإحسان “.

ويعقب دكتور علي سليمان الاستاذ بمعهد التخطيط القومي إن العدالة الاجتماعية لن تتحقق بدون المطالبة بها من قبل القوي السياسية ونحن نحتاج لبرنامج اقتصادي واجتماعي .لمواجهة ما لدينا من رأسمالية شرسة متحالفة مع السلطة وهذا يؤدي لزيادة الفقر.

ويقول مهندس علي نجيب مصر مستعمرة لأمريكا منذ الموافقة علي الإنفتاح الاقتصادي وإختيار السلطة الانضمام للمعسكر الغربي ، ولن يكون هناك تنمية ذات أبعاد ترتبط بعدالة اجتماعية إلا إذا فهمنا مضمون المشكلة الوطنية.فنحن نريد استقلال أقتصادي غير تابع لليبرالية الرأسمالية.كما أن مشكلة شروط صندوق النقد ليست في الفائدة ولكن الإصرار علي اتباع نمط الليبرالية الجديدة.

ويضيف دكتور خضر أبو قورة الأستاذ بالمعهد القومي للتخطيط لو إن المشكلة مشكلة الخمس لهانت ولكنها دون العشر بكثير ، والعدالة الاجتماعية أرتبطت في مصر منذ محمد علي حتي الآن بضمير المجتمع المصري الذي أستمر سليما مقاوما حتي منتصف السبعينيات حدث له تشوه ثم مع بداية الثمانينات ازداد التلوث وطال الشريحة العليا من الطبقة الوسطي. وحاليا زيفت المفاهيم وشوهت ولامانع من ذلك ولكن المتاجرة بها فهذه الكارثة الكبري .

وتقول دكتورة فادية عبد السلام المديرة السابقة للمعهد إن التحول للتنمية المستدامة يحتاج إلي آليات ومتطلبات وتدخل من الدولة لحل مشكلة البطالة وتري فادية أنه لا مانع من الإستعانة بالقروض في التنمية علي عدة مراحل مثلما فعلت كل من كوريا الجنوبية والصين. وتؤكد أنه لا يوجد دولة في العالم تستطيع أن تعتمد علي نفسها 100 %.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق