جمع وتحقيق التراث الشعبي

22

بقلم | نبيـــل فــــرج

اهتم عدد كبير من المثقفين، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بجمع وتحقيق الأدب الشعبي.

وكان لهذا الاهتمام انعكاساته الواضحة في الإنتاج الأدبي والفني بمختلف أشكاله.

ويمكن أن نذكر في هذا المجال عبدالحميد يونس، وأحمد رشدي صالح، زكريا الحجاوي، أحمد مرسي، لويس عوض، بدر الديب، ألفريد فرج وغيرهم من الذين قاموا بأنفسهم بجمع التراث، وقدموا الدراسات عنه.

وهناك أيضا قبل هذا الجيل أسماء أخري التفتت إلي هذا الكنز، يعود بعضها إلي القرن التاسع عشر، ربما كان أهمهم محمود عمر الباجوري، الذي مثّل مصر في مؤتمر المستشرقين في استكهولم في 1893، ووضع ثلاثة كتب تعد من أوائل ما صدر في الثقافة العربية عن الأدب الشعبي، تتناول الأمثال، والأغاني والمواويل، ونوادر القصص الشعبية.

ومع هذا فإن ما جمع وحقق من الأدب الشعبي لا تعدو نسبته واحد في الألف.

ذلك أنه ليس بطوق أحد بمفرده، ولا بطوق المعاهد والمراكز الفنية وحدها، أن تغطي أقاليم مصر كلها، أو أن تحيط بتاريخها الطويل، وعصورها المختلفة.

وليس هناك من حل لهذا التحدي سوي أن يشترك كل أفراد الشعب، ورثة هذا التراث وأبناء صناعه، في هذه المهمة الجسيمة، قبل أن يضيع تحت تأثير المد الحضاري والمتغيرات التكنولوجية، ويغمره النسيان.

وذلك بأن يقوم كل فرد في المنطقة التي نشأ فيها وانتمي إليها بجمع ما يستطيع جمعه من الوسط المحيط به ومن الذاكرة، خاصة العجائز في القري والمدن الصغيرة، التي عاشوا الكثير من الأحداث والارتباطات الاجتماعية.

وعلي كل من يجمع مادة أن يسجل معها، بقدر ما يتيسر، كل ما يتصل بها من معلوماتت مرتبطة بتقاليد ومعتقدات وأخلاقيات بيئتها التي ليس من السهل علي الآخرين معرفتها، يوثِّق بها ما جمعه، ولو في حده الأدني، حتي يتاح للدارسين المتخصصين التعرف الأولي علي مضمون المادة التي تجمع.

وبمثل هذه المشاركة الشعبية العريضة لكل فئات المجتمع نستطيع أن نجمع الجزء الأكبر من تراثنا الشعبي، من شمال البلاد إلي جنوبها، ومن شرقها إلي غربها، أو علي الأقل نجمع أكبر قدر منه، لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

وتفرض الأمانة العلمية علي أن أذكر في هذا الصدد أن صاحب هذه الدعوة التي مضي عليها الآن أكثر من خمسين سنة، كان الكاتب والباحث والمترجم الراحل بدر الديب (1926 – 2005) الذي ناشد الشعب علي صفحات مجلة «كتابات مصرية» سنة 1956 أن يحمل هذه الرسالة، وأعلن في دعوته أن المجلة ستنشر كل ما يصلها من نصوص بأسماء مرسليها، حفظا علي ما يمكن أن نطلق عليه مجازا حق الملكية الفكرية، وبمعني أدق حق ملكية الجهد الذي يبذل في الجمع، وفي كتابة المعلومات المتصلة بها إذا توفرت.

ورغم أن بدر الديب لم يفصح في دعوته عن سببها، ففي تقديري، وفي ضوء ما ذكره عن حياته، أن السبب لن يكون سوي معرفة الهوية الوطنية من كل جوانبها معرفة حقيقية، وتأكيد السمات الإنسانية لهذه الهوية، مستودع القيم والأفكار والتجارب والخبرات المكتسبة، والشاهد العدل علي الزمان والمكان.

ولا شك أن الأجيال القادمة ستعود إلي ما جمع من نصوص، كما نعود نحن إليها.

وقد بدأ بدر الديب بنفسه هذا الجمع والتحقيق بنشر بعض المواويل المؤثرة التي يفخر المغني الشعبي في إحداها بموهبته، وبتعدد معاني فنه.

غير أن هذه الدعوة، ككثير غيرها، ذهبت أدراج الرياح، كما ذهبت دعوته لكتابة تاريخ الأسر المصرية، وتعميم المكتبات العامة في كل ربوع مصر كأساس لكل بناء ثقافي.. لم يلتفت إليها أحد، ولم يتحقق منها شيء.

ولكن إذا كانت هذه الدعوة لحفظ تراث الأمة قد صدرت في 1956 ومصر مقبلة علي مرحل تاريخية جديدة في حياتها وتقدمها، فإن هذه الدعوة تصبح في 2013 أكثر ضرورة، ومصر تواجه انتكاسة حضارة تهدد وجود الوطن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق