ماجدة موريس تكتب : الغناء للوطن ليس حراماً

34

علي شاشة (اون) في برنامجها الصباحي اعلنت ايمان عز الدين مقدمة البرنامج أنها تنهي الحلقة مبكرا لتترك مساحة لعرض غنائي مهم أقيم بالامس بمسرح الجلاء التابع للقوات المسلحة وأقامته جامعة المستقبل وتضمن اوبريت شارك فيه عدد كبير من الفنانين بعنوان (في حب مصر) ..

كان الموضوع جديدا بالنسبة لي ولمشاهدي برامج الصباح عامة، فالحفلات والاوبريتات الوطنية دائما ما نراها في الأمسيات وتسبقها تمهيدات ومقدمات عديدة، لكن هكذا وصلت الأمور في بلادنا العزيزة كما رأينا صباح الاثنين، وبدلا من أن تقيم وزارة الإعلام، أو الثقافة، احتفالا بعيد استرداد سيناء وبطولات جيش مصر، اذا إحدي الجامعات الخاصة تفعل هذا وتقوم بالمهمة، وتتفق مع عدد كبير من نجوم الغناء والتمثيل لم يجتمعوا معا من قبل، اسماء مثل هاني شاكر ومحمد فؤاد ولطيفة ومدحت صالح وحسين الجسمي وأمال ماهر وحكيم وغيرهم ممن لم استطع احصاءهم بسرعة،

وجيش من فناني التمثيل والاستعراض المحترمين والهواة قدموا وسط جمهور غفير عرضهم، وعلي نفس المسرح الذي كانت تقدم عليه هذه الاحتفالات وقت رعاية الدولة لها باعتبارها تحية شكر وتقدير لابطال مصر، الذين ماتوا، والذين يعيشون بيننا متقاعدين، والذين يقفون الآن لحمايتنا وتتعلق بهم آمالنا في الحفاظ علي مصر الدولة الموحدة ذات السيادة والعزة، بهذه المعاني كنا نستقبل الاحتفالات بأعياد تحرير سيناء، وقبلها كنا نستقبل احتفالات ثورة يوليو 1952، وحيث تصل هذه الاحتفالات السنوية هذا العام إلي عامها الستين لتواجهنا بمفارقة لم تكن في الحسبان، فبعد ستة عقود من الاعتزاز بثورة قاد رئيسها الثاني، جمال عبد الناصر، مصر إلي موجات من العدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية والتصنيع والتمسك بالهوية الوطنية في اطار مشروع قومي، وبرغم الخفوت والنكوص والانكماش لهذا المشروع في عهدي انور السادات وحسني مبارك، إلا أننا لا يمكننا تجاوز انتصار اكتوبر 1973، ولا استرداد طابا 2001، واستمرار دور الجيش المصري طوال هذه العقود في حماية الوطن وحمايتنا، مهما تغيرت السياسات وانكمشت الطموحات وعلا صوت الفساد، ولهذا كله اصبحت حفلات الغناء للوطن، ولجيشه، علي مدي ستين عاما هي سجل حقيقي لتاريخنا من خلال الفنان وفنه، سجل للمعاني والكلمات التي كتبها أحمد شفيق كامل وصلاح جاهين وكامل الشناوي وألحان عبد الوهاب والموجي والطويل إلي اجيال ونجوم اليوم الذين تفاعلوا مع دعوة جامعة المستقبل وذهبوا للغناء مشتاقين، ورأيناهم يبكون وهم يسمعون كلمة وزير الدفاع الفريق السيسي بعد الأوبريت، وهي كلمة قصيرة وموجزة ولكنها جاءت لتتوج هذا الاحتفال بما يستحقه من تقدير، وتضعه في اطاره، وتبرز من خلاله قيمة جديدة بزغت في حياتنا الآن بعد ثورة 25 يناير 2011، فهذا هو الاحتفال الأول بجيش مصر وبعيد استرداد وتحرير سيناء الذي يقام خارج حظيرة وزارة الإعلام وبعيدا عنها، وبالتالي، فإذا كان النظام الحالي يتغافل عن تقديم هذا الاحتفال، فإن مصر الشعب، والمجتمع المدني بكل طوائفه تصر علي تحية الجيش وتحية الأيام المجيدة في تاريخنا، الرؤساء والنظم تأتي وتذهب ولا يبق منها إلا ما قدمته للناس وكذلك تتبادل قيادات الجيش المسئولية ويبقي الجيش بجنوده وضباطه عمود الأساس لهذا الوطن..

ولهذا تفاجأت حين أدرت المؤشر من قناة (أون) إلي القناة الثانية لنفس الشبكة (أون لايف) لاجدها تعرض الاوبريت بالكامل، لأجد فيه محاولة لتقديم دراما استعراضية عن مصر امتزج فيها التاريخ بالسياسة بالاجتماع وشارك فيها كما بدا من الشاشة عدد كبير من طلبة وطالبات الجامعة المذكورة مع ممثلين كبار مثل الفنان احمد بدير الذي قام بدور الراوي للعرض والعم الذي يعرف كيف يقلب ويبحث في تاريخ مصر ليتوقف عند لحظات مهمة صعدت فيها روح الشعب لتدفع جيشها وارادة المقاومة فيها إلي الامام، ومن استعراضات تعبر عن كل اطياف المصريين واستعرض الراوي دور الجندي المصري عبر التاريخ الحديث، وبالطبع ليس هذا تقييما فنيا للعمل، ولكنه لقطات سريعة عن عمل جاء في وقته ليؤكد أن الغناء للوطن كالشمس والهواء نحتاجه في كل وقت، فما بالنا بأوقات الشدة ومحاولات انكار هذا الوطن وتهميشه وتجاوزه، وربما لهذا السبب تحديدا تجمع من تجمع من ابناء هذا الوطن ليعيدوا التأكيد علي قيمة الغناء للوطن بمعالمه وأعمدته وللتأكيد علي أهمية الجيش داخل نسيج الوطن، ولهذا حظت أغنية الفنان محمد فؤاد ضمن هذا الاوبريت (حبيبي يا وطن) بالكثير من التصفيق ربما لتأكيدها علي هذا المعني الذي استعاده الكثير منا بعد مفارقات عديدة حفلت بها حياتنا بعد انتخابات الرئاسة وصعود الاخوان إلي حكم مصر وظهور اسراب المنتمين إلي الفكر السلفي الجهادي والإسلام السياسي وسعيهم لتغيير ثوابتنا عبر كل وسائل الإعلام والتعبير بداية من اذدراء الفن والثقافة وصولا إلي الدعوة لهدم الاهرامات ومنجزات الحضارة الفرعونية ثم الهجوم علي كبار رموزنا الثقافية التنويرية من طه حسين إلي نجيب محفوظ وغيرهم ثم القضايا ضد عادل امام والهام شاهين، والدعوة لرفض الوطنية المصرية وتجاوزها إلي (دولة خلافة) واعتبار الوطن محطة عبور لأهداف لا تخص ابناءه المصريين،

لهذا كله قدم برنامج (مباشر مع العاصمة) علي القناة المذكورة سبقا حقيقيا لملايين المشاهدين بتقديمه هذا الاحتفال الشعبي /القومي كاملا، لكونه جاء نتيجة تعاون جامعة مصرية مستقلة مع القوات المسلحة المصرية التي استضافته علي مسرحها التاريخي، وعقب نهاية العمل وقف الفريق السيسي ليشكر صناع العمل الفني وكل من اسهم فيه، وليوجه التحية للجامعة وطلابها وهيئة التدريس بها، وليؤكد علي صلابة الجيش المصري، ويطالب المصريين جميعا بالاطمئنان علي بلدهم (فهم الذين غيروا الدنيا حينما ارادوا التغيير)، نحن جزء من المصريين، ومصر محروسة بكل المصريين.. المفاجأة أن جمهور الاحتفال رد علي السيسي بانشودة عبد الحليم (خللي السلاح صاحي.. صاحي) ربما تفاعلا مع بعض الذين صاحوا طالبين القصاص لقتلة شهداء الجيش وهو ما رد عليه قائد الجيش قائلا (نحن لا ننسي .. ولن ننسي) لينتهي الاحتفال بتحية السلام الوطني وكأنه اللمسة الأخيرة في لوحة.. لن تكتمل بدونه.. وهنا يعيد الإعلام الخاص التأكيد علي أهميته المتزايدة في حياتنا الآن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق