د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة في مواجهة التأسلم (3)

24

ويعود رفاعة الطهطاوي إلي مصر، وهو كما قال تلميذه صالح بك مجدي «ممسكا بمصباح الغرب بإحدي يديه ومفتاح الشرق باليد الأخري»(ص6). عاد ووالي مصر هو ذاته عزيز مصر بجبروته وعنفوانه وحرصه الشديد من أي قول ثوري أو تنويري. فبدأ معركته بما قد يعجب محمد علي وهو التعليم وضرورته وضرورة تحديثه فيكتب «التعليم يجب أن يكون عاما لجميع الناس يتمتع به الأغنياء والفقراء علي السواء، فهو ضروري لسائر الناس يحتاج إليه كل إنسان كاحتياجه إلي الخبز والماء». وإذ نتأمل هذه العبارة نتذكر أن د. طه حسين أحد رموز حركة التنوير قد رددها بالحرف تقريبا في عام 1950.

وينتقل رفاعة في طريق التنوير خطوة حاسمة مدافعا عن حق المرأة في التعليم فيقول «إن القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة وانها مكروهة في حقهن استنادا علي النهي عن ذلك في بعض الاثار فينبغي ألا يكون ذلك علي عمومه ولا نظر لمن علل ذلك. وقد اقتضت التجربة في كثير من البلدان أن نفع تعليم البنات أكثر من ضرره، بل لا ضرر فيه أصلا»، ثم «ودخول المدارس للبنات والغلمان واجب قانونا في جرمانيا بل إن أوروبا كلها تعلم البنات والبنين علي قدم المساواة، وأن لم يكن ذلك بقانون، وهذا هو السر في أن بلادهم هي أقوي البلدان. (رفاعة- المرشد الأمين للبنات والبنين، فصل في تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم وكسب العرفان» ص66). ولعله من المثير للدهشة القول بأن قاسم أمين هو محرر المرأة في مصر الحديثة مع الاعتراف بفضله في الدفاع الشجاع والمستنير عن المرأة، لكنه من الضروري من وجهة نظر علم التاريخ أن تعترف لرفاعة بالفضل في الريادة في زمن أكثر صعوبة، ولنقرأ حديث رفاعة في موضوع الحجاب «أن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل ينشأ ذلك من التربية الجيدة أو الخسيسة والتعود علي محبة واحد دون غيره وعدم التشريك في المحبة والالتآم بين الزوجين» (تخليص الابريز – ص305).

وحق العمل للمرأة مكفول بل وضروري عند رفاعة وفقا لتكوينها الاجتماعي فيقول «فكل ما تطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ ايديهن من العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعمل يصون المرأة عما لا يليق بها ويقربها، ذلك أن اليد الفارغة تسارع إلي الشر والقلب الفارغ يسارع الي الاثم» (تخليص الابريز- ص201) وهو عندما يطالب بحقوق المرأة لا يطالب بها علي أساس أخلاقي أو عاطفي فقط وإنما علي أسس علمية فيقول «فإذا أمعن القائل بعدم جدارة المرأة نظره الدقيق في هيئة المرأة والرجل في أي وجه من الوجوه، لم يجد إلا فرقا يسيرا يظهر فيما يتعلق بالذكورة والانوثة وما يتعلق بهما، فالذكورة والانوثة هما موضوع التباين والقضاء فقط، ثم إن للمرأة بقطع النظر عن تباين الجنس صفات أخري تتميز بها عن الرجل»(المرشد الأمين -ص201).

وهكذا يجهز رفاعة فكريا علي فكرة التمييز ضد المرأة فلها حق التعليم وحق العمل والسفور بل وأحيانا لديها ما يميزها عن الرجل. لكن رفاعة تميز عن كثير من الدعاة الشرقيين للدفاع عن حقوق المرأة فكثير منهم يدافع عن حقوقها بالكلمات ثم إذا أتي مجال الفعل انتحل المبررات للجور علي حقوقها.. ولعل هذا يتضح في التصرفات الأسرية وحتي السياسية لكثير من دعاة الحرية فوزجة قاسم أمين ظلت محجبة بل ومحجوبة عن المجتمع. وسعد زغلول رغم دعوته لحرية الوطن والمواطنين واعجابه بمشاركة المرأة في معركة التحرير في ثورة 1919 إلا أنه رفض وباصرار علي منح المرأة أي وجود في ترشيحات الوفد للبرلمان بل ورفض منحها أي وجود في تشكيلات حزب الوفد، الأمر أثار أقاويلا عن غضبه لزوجته صفية زغلول. أما رفاعة فقد التزم عمليا ومتطوعا بما لم يلزمه به أحد فخط بيده وثيقة لم تزل حتي الآن محفوظه في دار الوثائق المصرية. كتبها بخطه وختمها بختمه تأكيدا لتوثيقها قال فيها «التزم كاتب هذه الأحرف رفاعة بدوي رافع لبنت خاله المصونة الحاجة كريمة بنت العلامة الشيخ محمد الفرغلي الانصاري، أنه يبق معها وحدها علي الزوجية دون غيرها من زوجة أخري ولا جارية أيا كانت، وعلق عصمتها علي أخذ غيرها من نساء، أو تمتع بجارية أخري، فإن تزوج بزوجة أيا ما كانت، كان من حق بنت خاله أن تطلق نفسها بالثلاثة، وكذلك إذ تمتع بجارية ملك يمين، ولكنه اودعها وعدا صحيحا لا ينتقض ولا يحمل انها مادامت معه علي المحبة المعهودة مقيمة علي الامانة والعهد لبيتها ولأولادها ولخدمها وجوارها، وساكنة معه في محل سكناه لا يتزوج بغيرها اصلا، ولا يتمتع بجوار اصلا، ولا يخرجها من عصمته حتي قضي الله لأحدهما بقضاه»

فقط تأملوا هذه الوثيقة ولنسأل انفسنا كم من القائلين بأنهم انصار المرأة كتب متطوعا وثيقة كهذه. قد يلتزم اخلاقيا بما جاء فيها، ولكن كم منهم كتب وختم وصدق علي مثل هذا التعهد؟

الاجابة واضحة وأكاد اقول: لا أحد.

وهكذا يمكننا أن نؤكد دون أي قدر من التحيز.. أن الشيخ رفاعة الطهطاوي هو أول من وضع فكريا ونظريا وعمليا أسس احترام حقوق المرأة وأسس تحريرها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق