ماجدة موريس تكتب : دليل التليفزيون الذكي لجذب المشاهد

31

ربما لأول مرة يتعرض برنامج تليفزيوني مصري، في قناة عامة إلي ما يخص إعداد الشباب المسيحي ليخدم في الكنيسة ويصبح «شماسا» يؤدي كل ما تحتاجه الكنيسة من ألحان وتراتيل في كل المناسبات طوال العام، خاصة قبل عيدي الميلاد والقيامة، ففي برنامج (نهارك سعيد) علي قناة لايف استضاف مقدم البرنامج (فادي غالي) أثنين من شباب (الشمامسة) في الكنيسة، البير وجوزيف، اللذين قالا للمشاهد المصري ماذا يعني أن تكون شماسا.

وكيف يتطلب هذا اعدادا خاصا وأيضا قواعد أخلاقية وسلوكية سابقة علي الانضمام لسلك الشمامسة الذين يؤدون الألحان أثناء الصلوات طوال العام، خاصة أن موقع هؤلاء الشمامسة مميز جدا ومنظور جد داخل الكنيسة حيث يراهم المصلون يقفون علي شمال الراعي أو القسيس يؤدي الألحان والتراتيل وفقا لسير القداس، وبعضهم يستخدم صوته فقط والبعض يستخدم آلات موسيقية اشبه بالدف ولها رنين مميز في اطار الصلوات.

ومن الخارج، فإن من يري نقل الاحتفالات في الاعياد المسيحية علي شاشات التليفزيون، فإن الشمامسة جزء أساسي من المشهد بزيهم المميز، الجلباب الأبيض والوشاح الأحمر المائل والصوت الجميل المؤثر ، أنهم جزء مهم من «الصورة» التي تصل للملايين من المشاهدين من الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، ولهذا كان جميلا أن يتوقف البرنامج عند هؤلاء الذين نراهم ولا نعرفهم، حتي الكثيرون من المسيحيين أنفسهم وليس المسلمون فقط، ففي حياتنا العادية في مصر، تتجاهل وسائل الإعلام التأصيل الثقافي والمعلوماتي للكثير من الأحداث والعادات والتقاليد التي نعيشها ونستعيدها وكأن علينا أن ندور في فلكها كالمكن وليس البشر، في مصر لا نحتفي بالمعلومات ولا نعطيها حقها فنظل طوال عمرنا نعيد ونكرر ما نفعله بدون حتي معرفة أصوله أو تطويره وفقا لوجهة نظر جديدة،

والإعلام هنا ليس مسئولا وحده وإنما هو تسلم الراية من التعليم الذي تغتال مناهجه الكثير من الحقائق والأحقاب والقصص عن تاريخنا الطويل، والذي يتعرض للحذف والإضافة وفقا لأهواء الساسة، وهذا ما يحدث الآن حين حذف تاريخ المرأة المصرية الحديثة ومساهمتها في النضال الوطني وقد احتج من احتج وتظاهر من تظاهر ولكن السياسيين يفعلونها بلا أي درجة من الندم علي مستقبل مجتمع تضيع معالمه من أبنائه بسبب الأهواء..

لهذا كانت الدهشة وأنا أتابع هذه الفقرة من هذا البرنامج الصباحي المميز علي قناة النايل لايف، وأتابع الحوار مع الشابين الشماسين ألبير محروس وجوزيف كامل، وحيث تطرق الموضوع إلي السؤال عن المسكوت عنه.. وهو هنا اللغة القبطية والتي لابد أن يتعلمها من يردد الألحان والصلوات في الكنيسة وكيف يتم هذا، ونعرف أن هناك كتابة قبطية بالعربية بالإضافة للغة الخالصة، وكيف يفهم المصلون الصلوات القبطية «وهذا سؤال سألته لنفسي مرارا» وحيث اتضح أن الكنائس الآن تستخدم شاشات عرض بداخلها تترجم الجزء القبطي من الصلوات إلي العربية حتي يفهمها المصلون «وهذا تطور بالغ الأهمية»، ثم الألحان نفسها من أين تأتي وكيف تصاغ؟ وما هي معانيها، والفارق بين الألحان الحزينة والألحان المفرحة..

الحقيقة أنني كمواطنة مصرية قبل أن أكون صحفية أو ناقدة، استفدت كثيرا من هذه الفقرة الجديدة بعد سنوات طويلة كان التليفزيون فيها في مصر ينكر التنوع الديني والثقافي معتقدا أن الأعياد والمناسبات الوطنية هي الجديرة وحدها بالاهتمام والتقديم وحتي حين بدأ التليفزيون المصري الرسمي نقل صلاتي عيدي الميلاد والقيامة علي الهواء مباشرة «من إذاعة الشعب أولا ثم القناة الثانية» فإنه لم يتطرق إلي التفاصيل التي لا تضيف جديدا إلي ثقافة الناس وتشعرهم أن هذا الوعاء العظيم الذي يمتلكونه.. مصر،

ملئ بالقوة والجمال والثراء، فالموسيقي والثقافة القبطية جزء من الثقافة المصرية بالعريقة مثل الثقافة الإسلامية والفرعونية وكل أنواع الثقافة التي نعيشها لكننا نجهلها، لهذا كانت إضافة رائعة لهذا البرنامج الذي أخرجه أحمد طارق في فقرة تالية قدمتها «دينا نصير» مع د. خالد أبوالليل أستاذ التراث الشعبي حيث تحدث عن عمومية التراث الشعبي لمصر، وكيف أنه لا يفرق إطلاقا بين الناس وفقا لدياناتهم ولهذا أبدع المصريون في التعامل مع تراثهم وفي تقبله وهو ما يبدو واضحا من الأعداد الغفيرة التي تذهب إلي الموالد بلا تفرقة، فيكتشف المرء أحيانا العدد المهول من المسيحيين في مولد السيدة والعدد الضخم من المسلمين في مولد العذراء وهنا يطور الأستاذ الدارس الموقف من خلال مقارنته للتراث العالمي فيؤكد للبرنامج أن الثقافات تأخذ من بعضها البعض فيما يخص القيم الإنسانية العامة، وأن قصة «فرط الرمان» في الأدب المصري مثلا هي نفسها «سنو وايت» في الأدب الغربي، كما أن «سندريللا» أصلها ألماني، وأن الإنسان في كل مكان قادر علي تذوق ثقافة الحياة والتمسك بها ليقاوم كل ما يقابله من محن، ومنها صعود دعوات التطرف كل فترة لتطالبه بقتل البهجة والاحتفال بالحياة مؤكدا علي أن عيد الربيع أو «شم النسيم» يستحق أن يكون عيدا قوميا لمصر لأنه العيد الوحيد الذي يمارس فيه المصريون مسراتهم الإنسانية بلا ضغوط أيديولوجية من أية نوع، فيلبسون الملابس الزاهية ويأكلون ما يشتهون ويخرجون للحدائق والفسح ويتجمعون،

وهذا النوع من الأعياد هو المسمي بالعيد القومي، لأنه تعبير عن إرادة شعبية خالصة، والحقيقة أن هذه الحلقة من «نهارك سعيد» أعادت إلينا الثقة أو جزءا منها فيما تقدمه قنوات التليفزيون المصري الرسمي للناس، فإذا كان البعض منا يأخذ من نشرات الأخبار وبرامجها الإخبارية والسياسية دليلا علي أن التليفزيون تحول إلي جهاز إعلامي إخواني، فإن المتابعة الدءوبة – وهي صعبة للغاية – لما يقدمه عبر كل القنوات في كل الشبكات الثلاثة التي يمتلكها، تكشف عن أن مشاهدي النشرات ليسوا هم كل المشاهدين،

كما أن مشاهدي برامج الصباح أيضا ليسوا الكل ولكنهم قطاع مهم من المصريين، وبينهم مشاهدون لفترات أخري، ومن المؤكد أن هذا الجهاز الإعلامي الكبير قادر علي الإضافة للمشاهد المصري إذا وضع في اعتباره «دليل الإعداد» الذي قدمته هذه الحلقة، وهي أن نعرف ما لا نعرفه عن أنفسنا وعن أهلنا، وأن نأتي بالمتخصصين والعلماء الذين يملكون معرفة ووجهات نظر تضيف إلينا الكثير والمهم.. أن يتم هذا بأسلوب راق وحوار جذاب وبلا تعقيد.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق