د. سيد البحرواي يكتب: عبدالمؤمن النقاش مثقف عضوي من الكلاسيكية إلي الواقعية

18

أكتب مقالي هذا معتذرا لروح الشاعر عبدالمؤمن النقاش الذي صدر ديوانه أخيرا عن الهيئة المصرية للكتاب، مع أربع مقدمات لأمينة النقاش وفكري النقاش ورجاء النقاش وحلمي سالم.

ويأتي اعتذاري لأن هذا الشاعر الذي لا يقل أهمية «من الناحية الفنية» عن معظم شعراء جماعة أبوللو التي كانت موضوعا لرسالتي التي حصلت بها علي درجة الماجستير «موسيقي الشعر عند شعراء أبوللو» لم ينل مني – ولو حتي إشارة – إلي اسم هذا الشاعر، ومبرري الوحيد في هذا الإهمال أن شعره لم يكن متاحا لي لا في الدواوين ولا في مجلة أبوللو التي اعتمدت عليها، بل إنني حتي قراءتي للديوان، لم أكن أعرف أن هذا الرجل الذي عرفت معظم أبنائه وأحفاده، كان شاعرا.

تكشف قصائد الديوان ومقدماته عن رجل مكافح جاد متدين مستنير، غير أني لن أتوقف عند هذه الملامح بقدر ما يهمني أنه – كشاعر – كل مقومات الشاعر التي كان ينبغي عليها الشاعر في عصره (1912 – 1975) كذلك تتحقق في شفرة كل خصائص المرحلة – بامتياز – بإيجابياتها وسلبياتها، بل إنه تجاوز بعض أئمة المرحلة المشاهير، بدرجة أغلي من الصدق وعدم التكلف، وقدرة أكبر علي التجديد في اتجاه الرومانسية الحقيقية.

لقد كان الصراع الاجتماعي السياسي الجمالي في النصف الأول من القرن العشرين حادا بين فئة من أبناء البرجوازية الصغيرة والمتوسطة المنادين بالتجديد والإقطاع والبرجوازية الكبيرة «إن جازت هذه التسميات» والتقاليد الاجتماعية المتجذرة في وجدان الطبقات الشعبية «التي لم تنل أي شيء من ثمار ما يسمي بالدولة الحديثة» بالإضافة إلي القصر والاحتلال الإنجليزي.

علي المستوي الجمالي بدأت الدعوة إلي التجديد بيت حافظ إبراهيم:

آن يا شعر أن نفك قيودا… كبلتنا بها دعاة المحال.. متوافقة مع كتابة الشعر المرسل «رزق لله حسون» وجاء كتاب الديوان «للعقاد والمازني» ليعلن ثورة علي القديم، وتبعها جماعة أبوللو ومتجلتها غير أن ما توصلت إليه دراستي المشار إليها أن دعوات التجديد والثورة لم تحقق أهدافها، للأسباب السابقة الإشارة إليها، كما أن أصحاب الدعوات هم أنفسهم لم يكونوا قد تخلصوا جذريا من القديم بداخلهم، فجاءت شعاراتهم النظرية متناقضة «راجع كتابنا.. البحث عن المنهج في النقد العربي القديم» كما أن أشعارهم تناقضت مع شعاراتهم النظرية بحيث أن تجديدهم في جماليات القصيدة لم يزد علي ربع أو ثلث أشعارهم.

في هذا الإطار يتجاوز عبدالمؤمن النقاش أقرانه سواء من حيث التجارب الشعرية أو الأدوات الفنية فعدد قصائد الديوان «التي لا تحوي كل أشعاره» التي تهتم بالمناسبات لا تتجاوز ربع الديوان، في حين أن التجارب الإنسانية التي تجسد شعار المرحلة المعلن «التعبير عن الذات والوجدان» تحتل معظم الديوان، سواء كانت تجارب حب مأمول أو مفتقد أو رثاء لأحباء أو أصدقاء أو لجوء إلي الطبيعة كصديقة أو عدوة، والأمل واليأس والتأمل الفلسفي الخاص وليس التقديري «كما عند العقاد أو أبوشادي مثلا».

وفي هذه القصائد الغالية «بل وحتي في قصائد» المناسبات يحتل الخيال «القيمة العليا لدي الرومانسيين» مقاما عاليا يعبر عن نفسه، ليس فقط بالاستعارات والكنايات والتشبيهات، بل بالصورة الكلية التي أدت إلي أن كثيرا من القصائد حققت مبد أ إحكام البناء، وليس مجرد الأبيات المفردة التي يستقل كل منها بنفسه «وزنيا ونحويا وقافية»، ومن هنا تجد الشاعر لا يأبه «حتي في القصائد التقليدية» بقيود العروضيين في عدة أمور..

– فهو يستخدم التضمين ليربط بين أبيات القصيدة.

– ويكثر من استخدام المقطوعات القصيرة القادرة علي صياغة دفقة شعورية واحدة مكتملة.

– ويكثر من استخدام مجزوءات الأوزان.

– والأهم أنه يخرج – كثيرا علي تقليد الكافية الواحدة، فلديه من الأشكال الإيقاعية المربع والموشح والمقطوعات “strophicس، بل إنه في قصيدة «خطوات عمياء ص125» يصل إلي تخوم الشعر الحر لو أنه كتبها بطريقة السطور وليس الأبيات، وكم كنت أتمني معرفة تاريخ كتابتها لأضمه إلي رواد الشعر الحر.

هكذا حقق الشاعر المغمور عبدالمؤمن النقاش «لأنه عاش بعيدا عن القاهرة مثله مثل صالح الشرنوبي وعبدالمعطي الهمشري» من خصائص الثورة الرومانسية أكثر مما حققها بعض مشاهيرها في القاهرة.

غير أن المفاجأة تأتي في نهاية «الديوان» حيث يجد القارئ تسعين صفحة هي «جزء من سيرة.. رحلة عمر، صفحات من مذكرات معلم إلزامي» وهي سيرة ذاتية لم تكتمل للأسف الشديد تجد فيها تجسيدا دقيقا ورقيقا لطفولته وشبابه في قريته وفي دمياط.

المفاجأة أنه في نوع السيرة الذاتية الذي هو أقرب بطبيعته إلي الذاتية، نجد تحققا واضحا للواقعية فالرجل يقدم رؤية جدلية تدرك أنه من بين الصباح والمساء تتبدل ملايين الأشياء بلا توقف» ص201 ومن ثم يقدم حياته ومشاعره من خلال حياة قريته وناسه بعمق نادر وصدق عال لا يتأبي علي رصد التناقضات والصراعات صغيرها وكبيرها كما تتناول حالات الفرح والانتشاء بلغة صافية راقية لا ترهل فيها ولا استطراد رغم أن النوع الأدبي يغري بذلك.

لقد عاش الرجل حتي العام 1975 وشهد كل التحولات وشارك فيها كما تشير المقدمات، لكنه في نهاياته كان يشير شعره إلي نوع من العزلة عن الأحياء.. غير أن حدسه الفني كان يدرك التحول الجمالي لذائقة المجتمع المصري نحو الواقعية، فحققها في كتابته النثرية – ربما دون أن يعي.

لم يكن النقاش معروفا أو مشهورا، ولا أظن أنه كان يسعي لذلك، ولذلك فإن واجب الناقد ومؤرخ الأدب إزاء أمثاله هو في الحقيقة أهم من واجبهما إزاء المعروفين.

فإذا كان النقاش أبا وجدا لأجيال من المثقفين والنقاد، وظل هذا حظه من الذيوع والدراسة، فما بالنا بمئات أو ربما بآلاف غيرهم ماكثين بعيدا عن القاهرة؟

هامش:

> هذه هي القصيدة وقد أعدت كتابة بعض أبياتها سطورا، علما بأنها تخلو من أي نسق ثابت للقافية، وأغلب الظن أنها كتبت في الأربعينيات حيث كانت حالة «الاغتراب الوجودي» كما أسماها حلمي سالم قد ازدادت لدي شعراء جماعة أبوللو فهاجر من هاجر ومات شابا من مات وانتحر من انتحر.

خطوات عمياء

وطويت النفس علي المأساة (4 تفعيلات)

وعصرت دموعاً من قلبي كالينبوع (5 تفعيلات)

وظللت أتابع مأساتي (4 تفعيلات)

وتطن بقلبي آهاتي (3 تفعيلات)

آهٍ من نفسي الأمارة (3 تفعيلات)

آهٍ من ضعفي.. آه من لهفي (4 تفعيلات)

آهٍ من جبروت الطغيان (4 تفعيلات)

آهٍ من زحف الطوفان (4 تفعيلات)

آهٍ من آهات نارية (4 تفعيلات)

نار تحرق (تفعيلتان)

سيل يغرق (تفعيلتان)

يزحف هدّار الموج

يجرف لا يبقي شيئا

حتي ألباب البشرية

يا ويلي من زحف التيار

وصراخ النار

خطوات عمياء بلهاء

ترمي بي في وهج العوسج

وتحط علي حمأ مسنون

وتغلغل في الليل الدامي

يا ويحي قد صارت عمياء

يا ويحي قد صارت بلهاء

من ينقذني

من يحميني من خطواتي البلهاء

خطوتي العمياء

من يأخذني للنور الوضاح

يا ربي

أنا إنسان

أنا إنسان

أنا إنسان

والواضح أن القصيدة قد نوعت في عدد التفعيلات في الأسطر المختلفة، ومع أنها اعتمدت أساسا علي تفعيلة «فعلن» لكنها لم تربأ بنفسها عن إدخال تفعيلات متناغمة معها مثل «متفاعلة وفاعلاتن ومستفعلن».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق