فريدة النقاش تكتب : حرية عرفية.. ولكن

13

في اليوم العالمي لحرية الصحافة اتفقت نتائج عمل مؤسستين عالميتين معنيتين بحرية الصحافة علي تراجع هذه الحرية في مصر بعد الثورة، وبخاصة في ظل حكم الرئيس «محمد مرسي».

وربما تبدو الأمور من الخارج غير ذلك حيث تزايدت أعداد الصحف الخاصة المعارضة لحكم الإخوان، والتي يمولها رجال أعمال يشعرون بالقلق علي مصير استثماراتهم في ظل جشع رجال أعمال الإخوان وتلمظهم للاستيلاء علي المشروعات القائمة، ولنا في ما حدث مع أسرة ساويرس نموذج صارخ، كذلك هناك المواقع الإلكترونية التي تستعصي علي المراقبة.

ومع ذلك تبقي هذه المساحة من الحرية التي انتزعها الصحفيون حرية عرفية، لأن كل القوانين المقيدة للحريات العامة ولحرية الصحافة علي نحو خاص والموروثة من العهود السابقة لاتزال قائمة ولم تسقط كما طالبت الثورة، بل إن الدستور الجديد الإخواني – السلفي أضاف إلي هذه الترسانة من القوانين المقيدة للحريات نصا يسمح لجهات الإدارة بإغلاق الصحف وهو ما كان محظورا في السابق.

ويمارس الحكم القائم عمليات بلطجة ضد الصحف المعارضة من اقتحام مقر جريدة «الوفد» ومحاولة إحراقه، إلي العدوان علي مقر جريدة «الوطن» أكثر من مرة، ناهيك عن استهداف صحفيين بإطلاق الرصاص الحي كما حدث مع الزميل الشهيد «الحسيني أبوضيف»، مع إطلاق محامي السلطة لتحريك دعاوي الحسبة ضد صحفيين وتهديد آخرين بالتصفية، وكلها ممارسات فاشية واضحة تستهدف إسكات الأصوات المعارضة للإخوان علي قلتها.

هذا فيما يتعلق بالصحف الحزبية أو الخاصة المعارضة، أما الحملة علي مؤسسات الإعلام الخاصة فهي أشد وطأة إذ تكرر حصار مدينة الإنتاج الإعلامي وتهديد الإعلاميين حتي أصبح بعضهم غير قادر علي التحرك بدون حراسة.

ولا تشكل الصحف الحزبية والخاصة المعارضة والقنوات التليفزيونية التي تتبع نفس النهج سوي نسبة ضئيلة من مجمل الإنتاج الصحفي والإعلامي في البلاد.

وعلي الجانب الآخر تمتلك الدولة جميع الصحف المسماة قومية وهو اسم علي غير مسمي لأنها في واقع الأمر صحف حكومية ناطقة بلسان السلطة ولا تعبر بحال عن التنوع والتعدد السياسي والحزبي والاجتماعي الموجود في الواقع، ولطالما طالب الصحفيون المصريون عبر مؤتمراتهم النقابية وفي كتاباتهم بأن تتحول هذه المؤسسات الضخمة بصحفييها وتجهيزاتها إلي مؤسسات قومية فعلا لا قولا، فتفتح أبوابها لكل التيارات والأفكار والأحزاب والنقابات والقوي الاجتماعية من عمال وفلاحين وموظفين ورجال أعمال نساء ورجالا، وظلت مطالبات الصحفيين والأحزاب الديمقراطية والنقابات صرخات في البرية لأن الحكم الجديد سار بشكل حر في سيرة حكم «مبارك» ومن قبله السادات حين ألحق الصحف المملوكة – نظريا – للدولة بحكومة الإسلام السياسي، بل وأضاف جهدا منظما لأخونة هذه الصحف وفرض رجال الحكم عليها ككتاب بصرف النظر عن أنهم لا يمتلكون موهبة الكتابة أو حرفيتها، فانهار مستوي الأداء في بعض هذه الصحف أكثر حتي مما كان في زمن «مبارك» و«السادات» من قبله، وتحولت الصحف إلي أبواق بالمعني الحرفي تخدم السلطة الحاكمة والحاشية، وتسهم في تضليل جماهير القراء الذين انصرفت نسبة كبيرة منهم عنها وذهبت إلي القنوات التليفزيونية الخاصة ومواقع الإنترنت والصحف الحزبية والخاصة بحثا عن الحقيقة التي تطمس الصحف الحكومية معالمها.

ويشعر الصحفيون بقلق إضافي حول مستقبل فكرة المجلس الوطني للصحافة والإعلام والذي سبق أن دعا له الصحفيون والإعلاميون، وهم محقون في شعورهم بالقلق لأن التجربة القصيرة لحكم الإسلاميين في إنشاء المجالس واللجان القومية هي تجربة مخيبة للآمال، بدءا من تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور وصولا إلي تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس الأعلي للصحافة، وهي كلها مؤسسات إخوانية مع عدد من الشخصيات العامة القريبة من الإخوان لذر الرماد في العيون، وليس أدل علي اتجاه حكم الإخوان للاستيلاء علي هذه المؤسسات التي فقدت كل مصداقية من أن عددا من الذين جري تعيينهم فيها قد استقالوا احتجاجا علي الاتجاه العام للأخونة.

وإذا ما جري تشكيل المجلس الوطني للصحافة والإعلام علي هذا النسق – وهو الغالب الأعم – فسوف يجد الصحفيون والإعلاميون أنفسهم أمام مؤسسة رقابة جديدة عليهم أن يعدوا أنفسهم لمقاومتها شأنها شأن كل مؤسسات القمع الأخري، وسوف تتحمل نقابة الصحفيين أعباء جديدة إضافة للأعباء التي تتحملها الآن وهي تتعامل مع سلطة غير راضية عن نتائج الانتخابات فيها، أي في نقابة الصحفيين.

ومن المؤكد أن الصحفيين والإعلاميين المصريين سوف يبتكرون الطرائق لمواجهة عملية الأخونة وهي عملية قمعية باسم الدين، وتاريخ مقاومة الصحفيين والإعلاميين بما فيه من مواقف ووثائق خير دليل علي أن هذه الهجمة الجديدة لن تمر حتي لو حققت انتصارات مؤقتة، وفي يوم قادم ستصبح الحرية العرفية حرية حقيقية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق