د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة في مواجهة التأسلم «4»

33

ويلاحظ الباحثون في تاريخ مصر، إن مؤرخي العصر العثماني علي كثرتهم كتبوا عشرات المجلدات عن تاريخ وأحداث هذا العصر، لكن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية للشعب كانت مهمشة أما أحوال المرأة فكانت كما وصفها أحد الباحثين «كانت الفئات الأكثر تهميشا فإن ورد ذكر امرأة فهي واحدة من الصفوة» (د. محمد عفيفي – بحث بعنوان: المرأة المصرية في عيون مؤرخي العصر العثماني.. دراسة ضمن كتاب تذكاري مهدي إلي الأستاذة الدكتورة لطيفة سالم بعنوان رؤي في التاريخ الحديث والمعاصر)..

وقد أجهد الأستاذ الدكتور محمد عفيفي نفسه بحثا عن نون النسوة في كتب المؤرخين فلم يجد إلا فتاتا فالمرأة في كتاب ابن إياس الحنفي «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لا ترد إلا في حوادث قهر الزوج أو قتله ومصادرة ثروته فتكون الزوجة والجواري هن الضحية كمثال ما مر به «خوذر» ابنه الأمير اقبردي الدودار وهي زوجة السلطان طومان باي الذي أعدمه السلطان سليم علي باب زويلة إذ هربت جاريتها بعد ذلك إلي رجال السلطان سليم وأقضت إليهم بالأماكن السرية التي أخفت فيها سيدتها خوذر مجوهراتها وأشياءها الثمينة فقبض علي خوذر وأمها وفرضت عليهما غرامة قدرها عشرون ألف ريال، وتعسف العثمانيون معهما أو كما يقول ابن إياس «فحصل لهما الضرر الشامل،

وقاسوا شدائد عظيمة ومحنا وبهدلة وتهديدا بالقتل وما جري عليهما خير، وهناك أيضا ابنة الأمير يشبك بن مهدي أمير دوادار زوجة الأمير قاني باي والتي تعرضت للمصادرة علي زمن السلطان الغوري، كما قام السلطان سليم بمصادرة معظم أموالها ففرت هاربة وظلت مختفية حتي ماتت وعندما هزم العثمانيون جيوش المماليك وقتلوا الكثير منهم سارع القادة العثمانيون بالزواج من زوجاتهم طمعا في ثرواتهن ووصل الأمر بأن تزوج أحدهم من زوجة مملوك قبل أن تقضي العدة ويحكي ابن إياس القصة «ومن الحوادث أن شخصا من النواب الشافعية قيل عنه إنه زوج امرأة من نساء الأتراك لشخص من العثمانية فظهر أنها لم تكمل انقضاء عدة زوجها، فلما رفع أمرها إلي قاضي العثمانية أحضر القاضي الشافعي ولم يقبل له عذرا وضربه ضربا مبرحا وكشف رأسه وألبسه عليها كرشا من كروش البقر بروثه، وأركبه علي حمار مقلوب وأشهره في القاهرة» (ص102).

وعندما جاء نابليون ووضع علماؤها المرجع العظيم «وصف مصر» أسهم بعض العلماء في وصف الحياة الاجتماعية للمصريين وركز «شابرول» وهو مهندس شهير في الحديث عن المرأة المصرية.. فقدم الصورة التقليدية لامرأة الطبقة العليا في المجتمع وقال إن الثراء يؤدي إلي رخاوتها فتقضي حياتها بالكامل داخل الحرملك الذي يعج بمباهج ومسرات الحياة، وبقول شابرول «إن حياة امرأة الطبقة العليا فارغة ورتيبة وتقضي الواحدة منهن يومها راقدة علي فراشها أو علي وسائد ناعمة تحيط العديد من جواريها فتصاب وهي صغيرة بالسمنة التي ينظر إليها في مصر علي أنها من أهم مظاهر الجمال والنساء في هذه الطبقة أغلبهن من غير المصريات «عقلهن خال من أي معرفة،

أما المرأة الفقيرة فيقول شابرول إنها تهتم بشئون المنزل كما تقوم الفلاحة باقتسام العمل مع زوجها في الحقل فلا تتمتع بمباهج البطالة وينعكس ذلك علي البنية الجسدية للفقيرات «فأجسامهن قوية خالية من الشحوم وحركاتهن سهلة وخطواتهن ميسورة في حين أن خطوات السيدات الميسورات ثقيلة متعثرة» ويتحدث «وصف مصر» عن تعليم البنات فيقول إنهن تقريبا لا يتلقين أي تعليم إلا ما ندر حيث يقوم رجل مسن أو كفيف بتعليم الفتاة بعض آيات القرآن، لكن المرأة المصرية وخاصة الثرية لها ولع بالغناء وهن حريصات علي حفظ المواويل، لكن الكتاب يفاجئنا بأن الختان للذكور عادة نقلت عن الفراعنة ويقرر الكتاب وهذا مثير للدهشة ويستحق الاهتمام أن ختان الإناث عادة بغيضة عند سكان المدن المصريين وأن هذه العادة لا تمارس إلا في أوساط الفلاحين والعربان» أما الزنا فيقرر كتاب وصف مصر أن علماء الحملة لم يسجلوا سوي حالة زنا واحدة طوال فترة الحملة الفرنسية علي مصر وقد اعترفت المرأة علي نفسها أمام القاضي،

أما عن الزواج فيقول وصف مصر إن الفتاة تزوج في سن صغيرة والتي تصل إلي سن السابعة عشر دون زواج تعتبر عانسا وإذا حدث الزواج في سن صغيرة فإن الزوج يمتنع من الاقتراب منها حتي سن البلوغ فتبقي في منزل أبيها رغم زواجها حتي تصل سن البلوغ، ويقول «وصف مصر» رغم أن الشريعة الإسلامية للمتقدم للزواج أن يري وجه فتاته، لكنه نادرا ما يحدث ذلك، أما تعدد الزوجات فيقول كتاب وصف مصر إنه ظاهرة نادرة ولا تنتشر إلا في الطبقات الشعبية ويترافق معها زيادة ظاهرة الطلاق.. ويقول وصف مصر إن الرجل يعامل زوجته معاملة طيبة رغم خضوعها له ولأوامره وهو لا يستطيع مطلقا الإساءة إلي زوجته وإلا أسرعت إلي بيت أبيها مطالبة الانفصال (د. محمد عفيفي – المرجع السابق – ص109)

وينتقل بنا د. عفيفي إلي كتابات عبدالرحمن الجبرتي ولا يجد الكثير كالعادة، لكنه ينقل فقرة مهمة تقول عن التحولات الاجتماعية في ظل الحملة الفرنسية «ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء، فإنه لما حضر الفرنسيس إلي مصر ومع البعض منهم نساؤهم، كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الملونة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقا عنيفا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكاريه وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن» (ص113)..

وتماما كما قال د. محمد عفيفي.. كان الناس مهمشين في كتب التاريخ أما النساء فكن الأكثر تهميشا.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق