ماجدة موريس تكتب : من أضواء المدينة إلي آراب آيدول

22

صباح الأحد، انطلق صوت عفاف راضي يغني «طير يا حمام الدوح» بكل روعتها ومعها إبداع الأبنودي وبليغ حمدي، قالت مذيعة الأغاني إن اليوم هو عيد ميلاد عفاف راضي والذي تحتفل به هذه الإذاعة وسردت بعضا من الأغنيات التي أعادتنا إلي زمن شديد الجمال، إنسانيا قبل أن يكون فنيا، تعانقت فيه إبداعات أجيال مختلفة فتوالي ظهور المبدعين في حديقة الفن المصري، وبالتالي العربي، فقد صعدت عفاف راضي ومعها علي الحجار من خلال اكتشافات بليغ حمدي لهما، والذي كان هو نفسه أحد أهم الاكتشافات الفنية في عالم الموسيقي المعبرة عن الروح الشعبية لمصر ولن ينسي الكثيرون أول أغنيات بليغ لعفاف راضي «ردوا السلام» ولعلي الحجار «علي قد ما حبينا» والتي أحدثت طفرة مؤثرة في نوعية الألحان السائدة وقتها، ولكن الأيام كرت ورحل بليغ المبدع واستمرت إبداعاته، ولاتزال عفاف راضي بيننا ولكنها غير موجودة علي مستوي الجديد بينما تتقاعس الإذاعات عن إذاعة أغنياتها الرائعة ومنها «مصر هي أمي» و«يهديك يرضيك» وغيرهما، بينما المساحات ممتدة للغناء الجديد، وبعضه قديم أو منتهي الصلاحية

وللصدفة،فقد أهدتنا إذاعة الأغاني نفسها صباح الاثنين، بعد يوم من الاحتفاء بعفاف راضي، أغنية وصوتا لهما تاريخ آخر ضمن سلسلة تاريخ الغناء المصري، وهو صوت المطرب عبداللطيف التلباني وأغنيته الأولي القذيفة «اللي روحي معاك» التي غناها لأول مرة من منصة إطلاق القذائف الفنية في ذلك الوقت، وهي حفلات الإذاعة المصرية الممتدة طوال العام، سواء من المحافظات أو من خلال «أضواء المدينة»، غني التلباني أغنيته وهو قادم جديد علي فن الغناء ليحقق نجاحا كبيرا أمام جمهور عريض في زمن أعتقد أنه بين نهاية الخمسينيات إلي بداية الستينيات، لم يستمر النجاح بهذا القدر ولكن التلباني تبادل الظهور في الصورة مع مطرب آخر ظهر في نفس الوقت هو ماهر العطار الذي حقق نجاحا مدويا بأغنيته الأولي أيضا «بلغوه» وظهرت فيها ملامح صوته القوي والشجن، وأيا كانت أسباب خفوت بقية الرحلة التي عاشها المغنيان السابقان، فإن ما أريد أن أصل إليه هنا هو أن الإذاعة المصرية، وأجيالا من المبدعين في الكلمة واللحن كانوا وراء إطلاق العديد من المواهب في عالم الغناء والطرب علي مدي 4 عقود أو أكثر، قبل أن ينتهي هذا الزمن، وينتهي دور الإذاعة المصرية في البحث عن الأصوات الجميلة والأشعار والكلمات المبدعة، وتقديمها للناس من خلال الإذاعة، ثم التليفزيون المصري الذي التزم لسنوات طويلة بنقل حفلات الإذاعة وأضواء المدينة قبل أن ينفض يديه من هذه المسئولية.. والسؤال الآن.. هل ما نراه الآن من برامج لاكتشاف نجوم للغناء هو الصيغة الأمثل؟

من الإذاعات القومية للفضائيات الخاصة

في إطار ما يعرض الآن علي الشاشات الفضائية العربية، تختلف الصورة، ويختلف الهدف، وتختلف حتي الرسالة، فعلي شاشتي «الحياة» المصرية و«إم بي سي مصر» السعودية يعرض برنامج آراب ايدول أو «محبوب العرب» مساءي الجمعة والسبت، وعلي شاشة (CBC) يعرض إكس فاكتور «إضافة لقنوات خليجية أخري»، والبرنامجان هما نموذج للبرامج التي استولت علي مهام الإذاعات القومية، ليس في مصر وحدها، وإنما في لبنان أيضا حيث كانت إذاعتها تقوم باكتشاف المواهب سابقا، والحقيقة أن «الاستيلاء» هنا يعني القيام بنفس الدور في حالة تقاعس الداعم الأول عن أداء دوره، أي قانون ملء الفراغ الذي أحدثته الإذاعات القومية العربية حين تراجعت عن القيام بدورها فجاء من يقوم به، ولكن بشكل وأسلوب مختلف ينتمي إلي زمن الفضائيات والبث الكوكبي الذي يقتضي من مقدم الخدمة أو صانعها تقديمها وفق آخر ما وصلت إليه فنون الصورة وصياغة المحتوي لدي الآخرين، ولأن المواطن العربي لم يعد فقط ذلك المستمع القديم الذي يرضي بجمال الصوت والكلمة واللحن، وإنما صعدت من خلاله أجيال أخري مؤمنة بثقافة الصورة وسحرها، فقد أصبح الأسهل لدي أصحاب الفضائيات الخاصة التي انطلقت بعد عصر الفضاء، شراء فورمات البرامج الأمريكية والأوروبية الشهيرة بدلا من ابتكار وإبداع فورمات جديدة، تعبر عن ثقافة محلية وتسمح للمشاهد بالتواصل بأسلوب أكثر حميمية مع هذه البرامج، ولهذا مثلا لم يتعاطف المشاهدون كثيرا مع برنامج «ستار ميكر» الذي قدمه التليفزيون المصري عام 2004، ورفض الكثيرون صياغة برنامج «ستار أكاديمي» برغم نجاحه، كما أغضب برنامج «صوت الحياة» جمهورا كبيرا بسبب إلقاء الصوت، غير المرضي عنه، في حفرة!

وبقي أمامنا الآن «إكس فاكتور» و«آراب ايدول» الذي يتعلم صناعها من تجربة برنامج آخر هو الصوت

(the voice) الذي انحاز أكثر لصياغة إنسانية في التعامل بين نجومه المحكمين وبين القادمين الباحثين عن الفرصة والشهرة، ولكن «اراب ايدول» تعلم أكثر من تجارب الآخرين، وهو ما نراه الآن عبر لجنة تحكيم التي تضم نجوما يعبرون عن خبرات مختلفة ومدارس غنائية قومية متعددة بين راغب علامة بخبراته ونانسي عجرم بحداثتها وأحلام مطربة الخليج بخبراتها المغايرة وحسن الشافعي الموزع الموسيقي المصري بثقافته وقدرته علي التقييم.. لكن المحكمين – مع أهمية وجودهم – لا يكفون لملء فراغ برنامج مسابقات يدور حول الإبداع الإنساني، ولهذا جاءت الإضافات إليه ضمن العروض لتشكل ملمحا مهما في تطوير هذه النوعية من البرامج من خلال إضافة الفن الكردي من خلال صوت متسابقة من كردستان العراق وما أضافه هذا من أضواء علي جزء مهم من جغرافية المكان العربي وشعب لا نسمع عنه إلا أخبار المعارك والقتال فإذا بصوت «بروس حسين» يسجل فتحا لملايين المشاهدين العرب علي صورة أخري للثقافة في كردستان.. صورة توسع دائرة التعرف علي الآخر في العالم العربي وتقبله وتأكيد التنوع الثقافي والعرقي في إطار الوطن الكبير، أيضا تلك الفقرة الفريدة مساء السبت الماضي للمتسابق زياد خوري والذي غني هو ووالده طنوس وشقيقه عماد في ثلاثية فنية مبهرة سمح بها كيان البرنامج الذي أصبح مرنا بما يكفي لاستيعاب الاختلاف الإنساني والثقافي والذاتي للمتسابقين وهو ما رأيناه مرارا وأتاح لنا فرصا للحكم بأنفسنا علي الشخصية والموهبة.. وليصبح واضحا لدينا الآن.. أنه ليس بالصوت الجميل وحده ينجح القادم الجديد.. ولكنها أشياء أخري لا تقل عن إبداع الصوت وبحث وراء «الصورة الجميلة» لتقديم «صورة أخري» أكثر تأثيرا وقيمة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق