ماجدة موريس تكتب : الإعلام والصراع السياسي شريط الفيديو الذي أوجع المصريين

16

علي شاشة CBC مساء الأحد.. عرض «شريط الفيديو» التعس الذي ترددت قنوات عديدة في عرضه علي مشاهديها في نفس المساء، وهو الشريط الذي أرسله الإرهابيون خاطفوا الجنود المصريين لهم – أي للمخطوفين السبعة – وعيونهم معصبة بشرائط وأيديهم مقيدة وآثار الإهانة أبلغ من أي تعذيب، وحيث تناوبت الكاميرا الوقوف أمام كل جندي سريعا ليذكر اسمه وسنه والكتيبة أو الوحدة التي يتبعها، كان جميعهم بين سن العشرين وما فوقه بعام أو اثنين، لم يمروا حتي بسنين التعليم كاملة فمن يذهب للجامعة يتخرج بعد هذا العمر في مصر، أي أنهم جندوا أو تطوعوا في الجيش والشرطة في سن صغيرة..

آخرهم – في الشريط – وجه رسائل موجعة للرئيس وللفريق السيسي وقال إننا أبناء هذا البلد يا ريس، وذكرهم بما حدث من إسرائيل تجاه جنديها المخطوف «جلعاد شاليط» والذي افتدته إسرائيل بألف فلسطيني كانت المقارنة موجعة، فشاليط ينتمي للدولة العدو والتي احتلت فلسطين واستولت ومازالت تستولي علي كل ما تبقي من أماكن فيها، لكن مصر ليست الدولة العدو، ولم تستول علي أي أراض لهؤلاء الخاطفين لجنودنا فكيف تجوز المقارنة؟ كان الشريط موجعا بما يكفي لملايين المصريين الذين تفادوه حين رفضت قناة «أون» عرضه علي برنامجها «مانشيت» كما أعلن مقدم البرنامج جابر القرموطي

كما حدث نفس الشيء مع قناة «النهار» حين أعلن ذلك الإعلامي عادل حمودة عقب لقائه مع اللواء أحمد رجائي عطية، رجل المخابرات السابق وقائد الفرقة 777 والذي قال الكثير من الكلام المهم حول هذا الموقف الصعب الذي وقفته مصركلها حين خطف أبناؤها السبعة من شوارع سيناء بواسطة سيارتين دفع رباعي تزهوان بأسلحة الخاطفين.. ما بين «مانشيت» الذي رفض عرض الفيديو مراعاة لمشاعر المشاهدين، و«آخر النهار» الذي أعلن مقدمه أن الشريط لديهم ولم يريدوا عرضه،

قالت لميس الحديدي نيابة عن إدارة CBC أنهم عقدوا اجتماعا وتباحثوا في أمر الشريط وقرروا أن يخبروا الناس – أي مشاهديهم – بكل شيء، وكان رأيهم أن الإخفاء ليس له جدوي، فكل شيء موجود علي الإنترنت، ولا يمكن هنا معاملة هذا الشريط لجنودنا المخطوفين معاملة الشرائط الخارجة أو الإباحية مثلا، ولكنه شريط ووثيقة علي ما وصلت إليه الأمور في مصر الدولة الكبري في هذه المنطقة من العالم، وليست «الدولة الكبري» نوع من الشوفينية، ولكنها نوع من وصف حال البلد الأطول تاريخا وحضارة، والأكثر استقرارا علي طول التاريخ، ولكن هذا شيء، وما حدث هذا الأسبوع شيء آخر.

ما بين التمرد.. والخطف

أزمة الجنود المخطوفين بدأت الأربعاء الماضي، واليوم تكمل أسبوعها، أكتب هذا صباح الاثنين أول أمس، ومازال النقاش دائرا، ومازال الإعلام حاضرا فيما أمتلك الانتباه كله طوال هذا الأسبوع وهو قضيتان، الأولي هي حملة «تمرد» التي أبدعها ويقودها جنود مجهولون من أبناء هذا البلد، استطاعوا من خلالها الوصول إلي فئات عديدة من أبناء الشعب قدمت برامج التليفزيون يوم الجمعة نماذج منهم ومنهن تراوحت بين كل الأطياف الاجتماعية والطبقية، تبرع الكثيرون منهم لطبع الاستمارات وتوزيعها، وكان هذا الفعل من أهم ملامح التعبير عن نضج الحركة الوطنية المصرية الآن والتي تجاوزت حركات الماضي، وبدأت تتعلم سريعا من كل ما يحدث من أخطاء وانقسامات وأيضا تجاوزات حكومة الإخوان وفرقهم السرية، ملأت «تمرد» أحداث الأسبوع حتي سطعت أزمة الجنود المخطوفين والتي لم تصل إلي عنفوانها إلا بتضامن زملائهم معهم.. فقط..

وهو تطور جديد في وعي الجندي المصري يضاف إلي حركة «تمرد» بدون اتفاق، أغلق الجنود المصريون، زملاء المخطوفين، معبر رفح رافضين فتحه حين أدركوا أنه لا أحد سيهتم بزملائهم، وأنهم جميعا في مركب واحد كأكباش فداء لحكم لا يعتبرهم أبناءه، تذكروا ما حدث في رمضان الماضي من قتل 16 منهم أثناء الإفطار، تذكروا الذين خطفوا ومازالوا موجودين عند حماس، والذين قدم الإعلام عنهم حلقات مطولة وقدمت زوجة أحدهم «وهو الضابط محمد الجوهري» السيدة دعاء الكثير من الأدلة علي وجودهم أحياء.. أهمية هذا هو أن هذا الإعلام المرئي قد يمر مثل غيره لكن تأثيره لا ينتهي بمرور الوقت، ولهذا جاءت حادثة الخطف الجديدة، لتضع المواطن المصري في حالة تفاعل فوري معها، وجاء سلوك الحكم وبيان الرئاسة الذي حرص علي حياة «الخاطفين» قبل «المخطوفين» ليؤكد للجميع، وأولهم هؤلاء الجنود الذين يقفون علي خط الحدود مع حماس، ومع إسرائيل، يؤكد لهم أنهم لا يفرقون عن زملائهم الشهداء والمخطوفين، وأن حكومة الرئيس مرسي حريصة علي حماية حياة الخاطفين لهم بلا تفرقة بين القاتل والمقتول، والخاطف والمخطوف!!

ولولا تحركهم لإغلاق المعبر والحدود لما تصاعدت الأزمة، ولما أرسل الخاطفون «الشريط المسجل» المذل للمخطوفين والذي يذكرنا بالشرائط التي كانت تعرضها قناة الجزيرة منذ سنوات لرجال القاعدة في أفغانستان وهم يخطفون رجال الجيش الأفغاني أو الأمريكي، هل أصبحت سيناء أفغانستان جديدة وأصبح جنود جيش مصر وشرطتها خارجين عن قانون لا نعرف هويته ولا من وضعوه؟ وهل حدث في تاريخنا مثل هذا الفعل في كل تاريخ الصراع مع إسرائيل؟.. وهل ننسي صفحات المجد التي سطرها الجندي المصري في أوقات عديدة ومنها بطولة «عبدالعاطي» صائد الدبابات الشهير في حرب أكتوبر، وبطولة «سليمان خاطر» جندي الحدود.. في نفس الموقع الذي يقف فيه الآن هؤلاء الذين أغلقوا الخط، والذي رفض الاستفزاز الإسرائيلي ورد عليه فقتلوه.

هناك فارق أن يتعامل الجندي المصري مع العدو الذي نعرفه جميعا لكن الجديد هنا هو هذا العدو الجديد، الذي يظهر ويختفي كالعفريت، ولا يجرؤ علي إعلان هويته أو حتي نشر صورته في الشريط.. لكنه – للعجب – يجد حرصا علي حياته من رئاسة الدولة التي يعاديها.. أنه حدث يصنع جزءا من تاريخنا القادم لن ينتهي اليوم أو غدا.. وعلينا أن نوجه الشكر للإعلام المحترم الذي لا يهرب من المسئولية في اللحظة الحاسمة.. فبقدر ما كان عرض الشريط مؤلما، بقدر ما كان حاسما في إضاءة وعي المشاهد.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق