د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة.. في مواجهة التأسلم (6)

36

وإذ نواصل دراستنا لبناء مصر الحديثة علي يد محمد علي باشا فإننا لا نلبث أن نعثر علي كنوز وثائقية عدة سنحاول أن نستعرضها لنفسح لنا القدرة علي تتبع عملية النهوض بالمرأة في ذلك الزمان.

وأول هذه الكنوز تقرير باتريك كامبل Patrik Camplell القنصل الانجليزي العام في مصر والذي رفعه في 6 يوليو 1840 إلي اللورد بلمرستون بعنوان «تقرير عن مصر» (محفوظات الخارجية البريطانية – لندن- نمرة 78 المجلد 408 (ب).) ونقرأ فيه «والباشا متسامح جدا في كل مسائل الدين حتي لقد تزوج بعض موظفيه الأتراك من انجليزيات فكبير مهندسي السفن في الترسانة وهو تركي يدعي محمد بك من سيدة بريطانية أنجبت له أربعة أطفال ومنذ حوالي ثلاث سنوات قام القنصل البريطاني في الإسكندرية بإجراء مراسيم زواج سيدة انجليزية بأحد أبناء العرب وهو متعلم في انجلترا وملحق بخدمة الباشا وأمثال هؤلاء الرجال يسيرون في الشوارع علنا وهم متأبطون أذرع زوجاتهم ويعاملون زوجاتهم معاملة حسنة. كذلك يلتحق الصبيان المسلمون من أبناء العرب بمدرسة الإرسالية الانجليزية في القاهرة ويرتلون الأناشيد الإنجليزية وقت الصلاة، ولا يحدث ذلك في الخفاء بل يعلمه آباؤهم». ونمضي مع باتريك كامبل لنقرأ « وإذا رغب أحد الأوربيين في اعتناق الإسلام فإن الباشا لا يعتبره مسلما إلا بعد أن يرسله إلي قنصل دولته حتي يناقشه في هذه الرغبة ويثنيه عن عزمه إذا استطاع. ويشغل كثير من الأقباط مناصب رفيعة في خدمة الباشا ويؤدي لهم رجال الحرس والديدبانات ومن إليهم نفس ما يؤدونه من تحية وتبجيل لرصفائهم الأتراك».

ثم نأتي إلي وثيقة أخري عن حكيكيان بك «وهو أول من تعلم في انجلترا ويشغل مدير المهندسخانة وكان ذا أثر بارز يلفت أنظار الباشا إلي موضوع تعليم البنات، وهو موضوع له أهمية كبري، ولوقدر للجهود التي تبذل في الأوساط الراقية من المجتمع أن تنزل إلي مستوي الطبقات الدنيا، وهو أمر محتمل حدوثه فإن ما قد تتمخض عنه هذه الخطوة المهمة من خير في نهاية الأمر أكثر من أن يقدر» ويأتي الحديث عن دور حكيكيان في مسألة تعليم البنات في الوثيقة البالغة الأهمية والتي تمثل كنزا حقيقيا لمعرفة أوضاع مصر في زمن محمد علي وهي وثيقة بوريخ. وبوريخ دبلوماسي بريطاني شهير وتولي مناصب دبلوماسية عدة وعندما أحيل إلي المعاش لجأت وزارة الخارجية البريطانية إليه لدراسة الأوضاع في مصر في ظل حكم محمد علي. ومنحته صلاحية الاتصال بكل من يشاء من موظفين وقناصل انجليز والحصول منهم علي كل ما لديهم من معلومات وبيانات وأرقام. ووصل بوريخ إلي مصر عام 1837 واستغرقت مهمته في مصر عاما كاملا ثم عاد إلي انجلترا ليعكف علي كتابة تقريره الذي استغرق عدة كراسات تبلغ صفحاتها حوالي اربعمائة صفحة وتطلب منه عاما كاملا وقدمه إلي الحكومة البريطانية في مارس 1839 وقامت الحكومة البريطانية بطبعه وتوزيعه علي أعضاء البرلمان في عام 1840. والتقرير بعنوان «تقرير عن مصر ومالطه» (Report on Egypt and Candia)- محفوظات وزارة الخارجية البريطانية رقم 78 مجلد 381- مجموعة وثائق تركيا F.O.78-381 وتطالع في التقرير معلومات مهمة عن مدرسة إرسالية الكنيسة الانجيليكانية. ويرتبط مدرسة للبنات تضم نحو مائة من البنات وتديرها الأنسة هوليداي Hiliday التي جاءت إلي مصر علي نفقة «جمعية النهوض بالمرأة في الشرق Society for Promoting Female Education sain the East .

وتضم المدرسة عددا كبيرا من البنات المسلمات وأن كانت الغالبية من البنات القبطيات وعندما زرت المدرسة كانت مشغولات بدرس من دروس المطالعة، وقد علمت أنهن يهتممن أكثر بتعليم أشغال الابرة والتطريز، وشق تأثير المدرسة طريقة إلي حريم الباشا وهي خطوة مهمة إذ من المستحيل أن تزدهر في الشرق اهتمام بالمرأة إلا إذا اهتمت حريم السلطان بذلك. فلو أمكن بدأ التعليم داخل الحريم لكن المضي في تعليم البنات أسهل (هل يمكن الربط بين هذه النظرة ودور كل من جيهان السادات وسوزان مبارك في شأن المرأة؟) وعدد طالبات السنة الأولي 80 فتاة والثانية 90، والثالثة مائة، وتبقي البنات في المدرسة تسع ساعات يوميا من الثامنة صباحا إلي الخامسة مساء» ثم ينقل بوريخ نسخة من تقرير رفعه كلوت بك إلي الباشا عام 1832 بعنوان «إنشاء مدرسة للولادة» جاء فيه «أن احساسا مرهفا بازاء عملية الولادة ويترك أمر التوليد إلي قابلات ليس هناك من هو أشد جهلا وإيمانا بالخرافات منهن، ومن ثم اقترح قيام مدرسة للقابلات ونفذ اقتراحه في نفس العام وضمت المدرسة عشرين فتاة نوبيات وحبشيات ومن بنات العرب وأشرفت علي المدرسة قابلة من دار الولادة بباريس وطبيب من أولاد العرب تخرج من فرنسا وأحد المشايخ لاعطاء دروس في الدين واللغة وتتعلم الفتيات القراءة والكتابة ويتعلمن التوليد علما وعملا وقد زاد عددها اليوم (1837) إلي خمسين فتاة وأوكل التعليم فيها إلي خمسة من الخريجات تحت إشراف معلم المدرسة» ثم ينقل بوريخ ما كتبه حكيكيان عن هذه المدرسة قائلا «وهن يعلمن مبادئ التشريح وكان بمقدور الطالبات الاجابة عن جميع الاسئلة الخاصة بالموضوع والاجابات تدل علي الذكاء حتي في موضوع الولادات العسرة. وفي نية الباشا أن يوزع الخريجات في انحاء البلاد ليقمن بتعليم غيرهن. وكانت البنات يجدن الفرصة للقراءة في المكتبة في موضوعات شتي إلي جانب دراسات الطب.

وتمضي ازهار رفاعة الطهطاوي لتثمر في حديقة حاكم مستنير.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق