الجيش المصري.. والسياسة والحكم متظاهرون يبعثون برسالة للجيش: اغيثونا من حكم الإخوان

16

بقلم | حسين عبدالرازق

تراهن قوي شعبية وأحزاب وقوي سياسية علي القوات المسلحة وقيامها بالتحرك لإسقاط حكم جماعة الإخوان بعد أن قادت الجماعة ورئيس جمهوريتها ” د . محمد مرسي ” البلاد إلي حافة الهاوية ، وأدت ممارساتها إلي انهيار الدولة وفقدان الأمن وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وأحوال الناس المعيشية وسقوط دولة القانون .

البعض يدعو إلي ذلك صراحة ويحرض عليه ، وآخرون يتوقعون ذلك ويتمنونه دون إعلان أو تصريح . بينما يعارض سياسيون وأحزاب ديمقراطية عودة القوات المسلحة للمشهد السياسي وتولي المسئولية .

في يوم الجمعة 16 مارس 2013 طالب آلاف من المتظاهرين المنتمين لـ ” إئتلاف الأغلبية الصامتة ” و “ثوار المنصة ” و” إئتلاف مصر فوق الجميع ” و” شباب ماسبيرو ” وأحزاب تيار الاستقلال والعسكريين المتقاعدين ، المشاركين في ” جمعة الفرصة الأخيرة ” أمام النصب التذكاري في مدينة نصر لدعم الجيش وقيادة القوات المسلحة ضد محاولات الرئيس د. محمد مرسي ” أخونة ” القوات المسلحة .. طالبوا القوات المسلحة بالتدخل لإنقاذ مصر من حكم الإخوان المسلمين .. ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها .. ” الشعب يريد إسقاط النظام ” و” رسالة إلي الجيش .. أغيثونا من الإخوان ” ورددوا هتافات تقول ” واحد اتنين .. الجيش المصري فين ” و” ياسيسي قول الحق إنت معانا وإلا لأ ” و” ياسيسي خد قرارك شعب مصر في انتظارك “. ووزع المتظاهرون نماذج لتوكيلات للفريق عبد الفتاح السيسي لإدارة البلاد .

وكانت ظاهرة تسجيل توكيلات لتفويض القائد العام للقوات المسلحة لإدارة شئون البلاد قد انطلقت من بورسعيد لتنتشر بعد ذلك في عدد من المحافظات . ورغم أن هذه التوكيلات لا قيمة دستورية أو قانونية لها لكن دلالتها الرمزية السياسية مهمة للغاية . فهي تذكرنا بتحرير التوكيلات للوفد المصري برئاسة سعد زغلول للمشاركة في مؤتمر الصلح بباريس . وكما يقول د.إبراهيم درويش أحد الفقهاء الدستوريين المعدودين في مصر والعالم .. ” مظاهرة جمع التوكيلات للسيسي نوع من التعبير عن الغضب وليس دعوة إلي انقلاب عسكري .. الغضب بسبب سياسات حمقاء أدخلت البلاد في نفق مظلم “.

وقام مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية بإجراء استطلاع للرأي حول مدي تقبل المواطنين لفكرة عودة الجيش للعب دور سياسي في المرحلة الراهنة ، وجاءت نتيجة الاستطلاع كاشفة ، فقد أيد 82% من المشاركين في الاستفتاء في القاهرة الكبري والدلتا ومدن القناة وشرق مصر والصعيد والمدن الساحلية ( الحضر والريف ) عودة الجيش لتولي القيادة السياسية للبلاد لفترة مؤقتة انتقالية .

ونشرت صحيفة الدستور علي صفحتها الأولي يوم الخميس 21 مارس 2013 ضمن عناوينها الرئيسية باللون الأحمر ( المانشيت ) ما يشبه النداء للقوات المسلحة قائلة : ” انهض يا جيش ولا تنتظر أحدا فإذا قامت ثورة الجياع فسوف يكتمل المخطط الإجرامي الذي بدأ تنفيذه بالفعل .. حينئذ لن يسعفنا الوقت ..”

” انهض يا جيش ولا تنتظر ولا تلتفت إلي من أساء إليك من قبل . فالشعب يؤيدك وسيساندك وسيهتف لك . لتعود دولة القانون ودولة الأمن والبسمة لشعب مصر “.

الدفاع عن الحدود

وفي حوار مع السياسي ورجل القانون البارز ” عصام الإسلامبولي ” لصحيفة الوفد ، قال ” الدستور الحالي يفتح الباب علي مصراعيه للقوات المسلحة للتدخل لحماية المواطن المصري من ميليشيات الإخوان المسلمين طبقاً للمادة 194 التي تنص علي أن ” القوات المسلحة ملك للشعب المصري مهمتها حماية البلاد والحفاظ علي أمنها وسلامة أراضيها ، والدولة وحدها هي التي تنشئ هذه القوات ويحظر علي أي فرد أو جماعة أو جهة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية . ومعني ذلك أن القوات المسلحة لابد أن تحمي البلاد من هذه الميليشيات ، ولذا أعتقد أن الدعوة إلي تدخل القوات المسلحة ليست دعوة لحكم البلاد وإنما دعوة لحماية المواطن المصري من الميليشيات العسكرية التي يحميها ويرعاها رئيس الجمهورية ..”

وفي تقرير صحفي للزميل ” عبد الرازق توفيق ” في صحيفة الجمهورية حدد ثلاث حالات تتحرك خلالها القوات المسلحة وهي :

– خطر يهدد سلامة وأمن البلاد واستقرارها ، مثل وصول حالة الأمن إلي أدني مستوياتها بحيث تصل إلي حد اقتتال المواطنين في الشوارع وتهديد الأمن والسلام الاجتماعي وأرواح المواطنين ..

– وصول الاقتصاد الوطني إلي حد الانهيار والسقوط بحيث يهدد وينذر بضياع وسقوط البلاد ..

– استمرار حالة التمزق والانقسام وعدم مضي البلاد إلي الأمام واستمرار هبوط المنحني إلي الأسفل.

بالمقابل فهناك رفض لعودة القوات المسلحة للحكم وإدارة البلاد من جانب أحزاب وقوي ديمقراطية .يقول د. محمد أبو الغار في حوار مع صحيفة الشروق ” في رأيي – وأعتقد أنه رأي جبهة الإنقاذ أيضا – أن دور الجيش المصري هو الدفاع عن الحدود وليس حكم مصر إن ابتعاد الجيش عن الخلافات السياسية وبعده عن السلطة أعاد له كل الاحترام . أرفض عودة الجيش للسياسة واشتراكه في أي أزمات داخلية إلا في حالة حماية المنشآت واندلاع حرب أهلية تؤدي لسيل دماء في الشوارع ، فيجب في هذه الحالة أن يتدخل ليفض الاشتباك ثم يعود لثكناته مرة أخري ” .

القوات المسلحة .. تحكم

والقوات المسلحة التي يدور حولها هذا الجدل تحتل المركز العاشر بين جيوش العالم من حيث العدد ، فالأفراد الموجودين في الخدمة يصل عددهم إلي 468500 ، بينما هناك 479 ألفا في الاحتياطي ، وتضم أربعة أفرع رئيسية هي القوات البرية وقوات الدفاع الجوي والقوات الجوية والقوات البحرية ، وهناك أيضا الحرس الجمهوري وحرس الحدود ، إضافة إلي قوة شبه عسكرية تتبع وزارة الداخلية وهي قوات الأمن المركزي وتبلغ 300 ألف فرد .

وتلعب القوات المسلحة دوراً سياسياً في إدارة البلاد منذ قام تنظيم الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 بإسقاط النظام القائم في البلاد تم عزل الملك في 26 يوليو وإلغاء النظام الملكي في 18 يونيو 1953 ، سواء كان هذا الدور مباشرا أو غير مباشر .

كان تنظيم الضباط الأحرار بزعامة ” البكباشي ” جمال عبد الناصر تنظيما سرياً داخل القوات المسلحة تأسس بعد حرب فلسطين عام 1948 ، نجح في ليلة الأربعاء 23 يوليو 1952 في الاستيلاء علي قيادة القوات المسلحة بكوبري القبة واعتقال عدد كبير من القيادات العسكرية من رتبة قائم مقام ( مقدم ) فما فوق ، كما استولوا علي الإذاعة والمفاصل الرئيسية في الدولة ، وأذاعوا بياناً ” من اللواء محمد نجيب إلي الشعب المصري ” يبشرهم بتطهير الجيش ، وتلي ذلك إجبار الملك فاروق علي التنازل عن العرش لولي عهده ” أحمد فؤاد ” في 26 يوليو وتولي قيادة تنظيم الضباط الأحرار الذي تحول إلي مجلس قيادة الثورة المشكل من 13 من الضباط هم ” اللواء محمد نجيب – وهو الوحيد الذي لم يكن ضمن تنظيم الضباط الأحرار – والبكباشي جمال عبد الناصر وأنور السادات وعبد الحكيم عامر ويوسف صديق وحسين الشافعي وصلاح سالم وجمال سالم وخالد محيي الدين وزكريا محيي الدين وكمال الدين حسين وعبد اللطيف بغدادي وعبد المنعم أمين وحسن إبراهيم ” سلطة الحكم .

وفي 18 يونيو 1953 أصدر مجلس قيادة الثورة إعلانا دستوريا ينص علي إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي ، وإعلان الجمهورية وتولي اللواء أركان حرب محمد نجيب ” قائد الثورة ” رئاسة الجمهورية مع احتفاظه بسلطاته الحالية في ظل الدستور المؤقت . ووقع علي الإعلان الدستوري جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة الأحد عشر بعد أن خرج من المجلس ” عبد المنعم أمين ويوسف صديق ” لأسباب مختلفة . وكان مجلس قيادة الثورة قد حدد ستة مبادئ يعمل علي تحقيقها وهي : ” القضاء علي الإقطاع – القضاء علي الاستعمار – القضاء علي سيطرة رأس المال علي الحكم – بناء حياة ديمقراطية سليمة – بناء جيش وطني ” وفي مارس 1954 انفجر الصراع بين مجلس قيادة الثورة واللواء محمد نجيب فيما عرف بأزمة مارس 1954 أو معركة الديمقراطية وانتهت باعفاء نجيب من مناصبه وتحديد إقامته بدءاً من 18 نوفمبر 1954 وتولي مجلس قيادة الثورة برئاسة جمال عبد الناصر السلطات كافة حتي انتخاب جمال رئيساً للجمهورية في استفتاء عام في 24 يونيو 1956 . واستمر عبد الناصر رئيساً للجمهورية حتي وفاته في 28 سبتمبر 1970 وخلفه الرئيس محمد أنور السادات حتي اغتياله في 6 أكتوبر 1981 وتلاه حسني مبارك من 14 أكتوبر 1980 حتي 11 فبراير 2011.

الحكم المطلق

وتخلي المجلس الأعلي للقوات المسلحة عن مسئولية الحكم وحل هذا المجلس مع صدور دستور 23 يونيو 1956 لا يعني انتهاء دور القوات المسلحة في السياسة وحكم مصر باعتبارها المؤسسة الرئيسية ضمن مؤسسات الحكم .

فرؤساء الجمهورية منذ عام 1952 ينتمون جميعاً للقوات المسلحة بدءاً باللواء محمد نجيب مروراً بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وصولاً إلي المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة والقائم بعمل رئيس الجمهورية من 11 فبراير 2011 حتي 30 يونيو 2012 . وكما يقول د. معتز سلامه ” لا يمكن اعتبار الرئيس العسكري منفصلا عن المؤسسة بمجرد ارتدائه اللباس المدني ، ومن ثم هناك قدر من الاستمرارية في ادراكات وقناعات الرئيس وهو في الخدمة العسكرية تنعكس بالتأكيد علي أدائه في الرئاسة .. وفي نظام الرئيس فيه الحاكم المطلق الذي يستند إلي الأجهزة العسكرية والأمنية يصعب القول بعدم وجود تأثير سياسي عليه من مؤسستي الجيش والأمن ، لأنه لا يمكن التغاضي عن تأثير مؤسسة تتحكم في أعصاب وعقل الرئيس “.

وتولي ضباط من مجلس قيادة الثورة ومن الضباط الأحرار وغيرهم مناصب وزارية رئيسية ، بداية بتولي محمد نجيب رئاسة مجلس الوزراء في 7 سبتمبر 1952 وتولي جمال عبد الناصر منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزيرا للداخلية ثم ترك وزارة الداخلية ليتولاه زكريا محيي الدين . ولسنوات طويلة ظلت مناصب ثلاث وزارات سيادية هي الدفاع والداخلية والإعلام حكرا علي ضباط القوات المسلحة ، إضافة إلي تولي عسكريين مناصب وزراء التربية والتعليم والمواصلات والحكم المحلي . وامتدت العسكرة إلي سفراء مصر في الخارج ورؤساء شركات القطاع العام والمحافظين وسكرتيري المحافظات ورؤساء المدن .. إلخ . وفي إحصائية حول سيطرة ضباط القوات المسلحة – وضباط الشرطة – علي الإدارة المحلية نشرت عام 1997 ، تبين أن 65 حركة تعيينات منذ بدء الإدارة المحلية في 11 سبتمبر 1960 تعاقب خلالها علي مصر 218 محافظ ، كان من بينهم 71 ضابطاً من القوات المسلحة و15 ضابط شرطة بنسبة 56% .

والقوات المسلحة هي المؤسسة الرئيسية الضامنة والحامية للحكم . فانقلاب القصر الذي قاده الرئيس السادات في 13 مايو 1971 وأسماه ثورة 15 مايو ، اعتمد في تنفيذه علي الحرس الجمهوري ورئيس أركان حرب القوات المسلحة ومعاونيه . والذي أنقذ نظام الحكم من السقوط عقب انتفاضة الشعب المصري في 18 و 19 يناير 1977 هي القوات المسلحة . وتكرر تدخلها لإنقاذ الحكم في عهد مبارك عقب تمرد قوات الأمن المركزي عام 1986 . وأدخل مبارك القوات المسلحة طرفاً في صراعه مع الجماعات الإسلامية المسلحة بتقديم المتهمين من قياداتها وأعضائها بارتكاب جرائم إرهابية للمحاكمة العسكرية والحكم علي أكثر من 80 منهم خلال تسعينات القرن الماضي بالإعدام . كما قدم قيادات جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوسط للمحاكمة أمام القضاء العسكري .

الجيش .. والثورة

وقد عادت القوات المسلحة لتولي مسئولية الحكم وإدارة البلاد مباشرة عقب ثورة 25 يناير 2011 وتنحية رئيس الجمهورية ” محمد حسني مبارك ” الذي استمر في منصبه ثلاثين عاماً متصلة ! .

لقد نزل الجيش في القاهرة والإسكندرية والسويس يوم الجمعة 28 يناير 2011 بعد اختفاء الشرطة . وبدأت الأحداث في ساعة مبكرة فجر الجمعة باقتحام الشرطة لميدان التحرير واعتقال لعشرات من النشطاء السياسيين سواء من أطلق عليهم شباب الثورة أو أعضاء الأحزاب والحركات الاحتجاجية المتواجدين بميدان التحرير . وفي نفس الوقت أصدرت وزارة الاتصالات أمراً بوقف خدمة الانترنت والرسائل القصيرة (sms) والاتصال عبر الهواتف المحمولة في جميع أنحاء الجمهورية وفي كل الشبكات .وجاء رد الفعل الشعبي قوياً ومباشراً ، فبعد صلاة الجمعة انطلقت مظاهرات شعبية واسعة وغير مسبوقة في عديد من المدن المصرية ، شارك فيها أعضاء الأحزاب السياسية والعمال والموظفون ومواطنون عاديون ، رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً لتتحول انتفاضة 25 يناير إلي ثورة شعبية . ولجأت الشرطة في القاهرة والإسكندرية والسويس لإطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي ، ورد المتظاهرون بتصعيد هتافاتهم ضد النظام والمطالبة بسقوطه وسقوط الرئيس محمد حسني مبارك . وتحول ميدان التحرير إلي كتلة صلبة من مئات الألوف من المتظاهرين ، وتم إحراق معظم مراكز الشرطة في الإسكندرية وانسحبت قوات الأمن من المدينة ، وسيطر المتظاهرون في السويس علي قسم شرطة الأربعين ، وتم حرق مقر الحزب الوطني الرئيسي في القاهرة ودمرت مقرات الحزب في عدة مدن وحرقت صور مبارك . وفي حدود السادسة مساء انسحبت الشرطة بصورة مفاجئة ومريبة من جميع أنحاء مصر وتم فتح السجون وهروب عديد من المسجونين الجنائيين والمعتقلين السياسيين ، وسادت حالة من الفوضي والقلق والسلب والنهب في الشوارع . وفي السادسة والنصف تم إعلان حظر التجول في القاهرة والإسكندرية والسويس ، ونزول القوات المسلحة إلي الشارع .

منذ اللحظة الأولي لنزول القوات المسلحة حددت موقفها عبر تصريحات رئيس الأركان الفريق سامي عنان الذي أعلن من خلالها أن الجيش يري مطالب المتظاهرين شرعية وأنه لم ولن يلجأ إلي استخدام القوة ضد الشعب. وأكد المجلس الأعلي للقوات المسلحة هذا الموقف في البيان الأول الذي أصدره في 10 فبراير 2011 وقال فيه ” انطلاقا من مسئولية القوات المسلحة والتزاماً بحماية الشعب ورعاية مصالحه وأمنه وحرصاً علي سلامة الوطن والمواطنين ومكتسبات شعب مصر العظيم وممتلكاته وتأكيدا وتأييداً لمطالب الشعب المشروعة .. انعقد اليوم الخميس الموافق العاشر من فبراير المجلس الأعلي للقوات المسلحة لبحث تطورات الموقف حتي تاريخه ” وأصدر المجلس بيانين يوم 11 فبراير ، الأول قبل تنحي مبارك تعهد فيه بإنهاء حالة الطوارئ فور انتهاء الظروف الحالية ، والفصل في الطعون الانتخابية وما يلي بشأنها من إجراءات ( انتخابات 2010 ) وإجراء التعديلات التشريعية اللازمة وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة في ضوء ما تقرر من تعديلات دستورية ، ورعاية مطالب الشعب المشروعة والسعي لتحقيقها من خلال متابعة تنفيذ هذه الإجراءات في التوقيتات المحددة بكل دقة وحزم ، وعدم الملاحقة الأمنية للشرفاء ، الذين رفضوا الفساد وطالبوا بالإصلاح وتحذر من المساس بأمن وسلامة الوطن والمواطنين .

وجاء في البيان الثاني بعد إزاحة مبارك عن السلطة وإعلان تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وتكليف المجلس الأعلي للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد .. “.. ونحن نعلم جميعاً مدي جسامة هذا الأمر وخطورته أمام مطالب شعبنا العظيم في كل مكان لإحداث تغييرات جذرية فإن المجلس الأعلي للقوات المسلحة يتطلع مستعيناً بالله سبحانه وتعالي للوصول الي تحقيق أمال شعبنا العظيم وسيصدر المجلس الأعلي بيانات تحدد الخطوات والإجراءات والتدابير التي ستتبع . إن المجلس في نفس الوقت ليس بديلاً عن الشرعية التي يرتضيها الشعب ..” .

وتوالت البيانات في هذا الاتجاه الي أن أصدر المجلس الأعلي للقوات المسلحة الإعلان الدستوري الأول في 13 فبراير 2011 والذي تضمن :

1- تعطيل العمل بأحكام الدستور(دستور 1971) . 2- يتولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو انتهاء انتخابات مجلسي الشعب والشوري ورئيس جمهوريته .

3- يتولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة تمثيله أمام كل الجهات في الداخل والخارج .

4- حل مجلسي الشعب والشوري .

5- للمجلس الأعلي للقوات المسلحة إصدار مراسيم بقوانين خلال الفترة الانتقالية .

6- تشكيل لجنة لتعديل بعض مواد الدستور وتحديد الاستفتاء عليها من الشعب .

7- تكليف وزارة د. أحمد محمد شفيق الاستمرار في أعمالها لحين تشكيل حكومة جديدة .

8- إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشوري والانتخابات الرئاسية .

9- تلتزم الدولة بتنفيذ المعاهدات والمواثيق الدولية التي هي طرف فيها .

وبإصدار هذا الإعلان الدستوري تولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة حكم البلاد والسلطتين التنفيذية والتشريعية .

الجيش .. يحمي النظام

ورحب كثيرون بتولي القوات المسلحة للسلطة بعد خلع رئيس الجمهورية ، واعتبروا نزول القوات المسلحة للشارع في 28 يناير وما تلاها من أحداث حتي خلع الرئيس في 11 فبراير 2011 انحيازاً من جانب المجلس الأعلي للقوات المسلحة .

بينما القراءة الدقيقة لما حدث تقول إن المجلس الأعلي للقوات المسلحة جزء من النظام السياسي القائم في مصر في ظل دستور 1971 ، وأن قيامه بالضغط علي حسني مبارك بعد أن طالبت القوي المشاركة في ثورة 25 يناير بإسقاط النظام ورحيل الرئيس ، كان بمثابة تضحية برأس النظام وبعض معاونيه للحفاظ علي النظام . وهذا لا ينفي أن القوات المسلحة حمت المتظاهرين بعد نزولها للشارع ولم تستخدم القوة ضد ملايين المتظاهرين في ميدان التحرير وميادين مصر الأخري ، وكما قالت صحف أجنبية “إن الجيش المصري برهن علي أنه يعرف حدود القوة ، وأن أصبعه ليست خفيفة علي الزناد مثل جيوش أخري . وقد أثبت هذا الجيش الحكمة والتصميم والحساسية” .

ومن الضروري عند أي تناول لدور القوات المسلحة بعد ثورة 25 يناير وتوليه مسئولية إدارة البلاد منذ 11 فبراير 2011 ، أن نضع في الاعتبار طبيعة تشكيل المجلس الأعلي للقوات المسلحة .

فالمجلس يتكون من مجموعة من كبار ضباط القوات المسلحة – إذا استثنينا رئيسه الذي هو رئيس الجمهورية – لا علاقة لهم بالسياسة أو الحكم وليس لديهم انتماءات حزبية أو سياسية ، وإنما هم عسكريون محترفون وخلال هذه الفترة الحرجة كان المجلس يجتمع بعيداً عن رئيسه وتولي رئاسة كل الاجتماعات نائب رئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة “المشير محمد حسين طنطاوي” القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع . وكان المجلس يضم في عضويته رئيس الأركان “الفريق سامي عنان” وقائد القوات البحرية “الفريق مهاب مميش” وقائد القوات الجوية “الفريق رضا محمود حافظ” وقائد قوات الدفاع الجوي “الفريق عبد العزيز سيف الدين” وقائد المنطقة المركزية العسكرية “اللواء حسن الرويني” وقائد الجيش الثاني الميداني “اللواء أركان حرب محمد حجازي” وقائد الجيش الثالث الميداني “اللواء أركان حرب صدقي صبحي” وقائد المنطقة الشمالية “اللواء أركان حرب حسن محمد أحمد” وقائد المنطقة الجنوبية “اللواء أركان حرب محمود إبراهيم حجازي” وقائد قوات حرس الحدود “اللواء أركان حرب محمد عبد النبي” ومساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية “اللواء ممدوح شاهين” ومساعد وزير الدفاع ورئيس هيئة التنظيم والإدارة “اللواء محسن الفنجري” ومدير إدارة الشئون المعنوية “اللواء أركان حرب إسماعيل عتمان” ومساعد وزير الدفاع لشئون التسليح “اللواء محمد العصار” ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة “اللواء محمد صابر عطية” ورئيس الهيئة الهندسية “اللواء طاهر عبد الله” ومساعد وزير الدفاع لشئون التسليح ” اللواء محمد العصار ” ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ” اللواء محمد صابر عطيه ” ورئيس الهيئة الهندسية ” اللواء طاهر عبد الله ” ومساعد وزير الدفاع للشئون السياسية ” اللواء مختار الملا ” ومساعد وزير الدفاع ” اللواء عادل عمارة ” ومساعد وزير الدفاع ” اللواء طارق المهدي ” وعضو المجلس العسكري ” اللواء ممدوح عبد الحق ” ومدير جهاز المخابرات الحربية ” اللواء عبد الفتاح السيسي” .. وعلي خلاف تنظيم الضباط الأحرار بقيادة الرئيس ” البكباشي جمال عبد الناصر ” والمكون من مجموعة من الضباط من رتب مختلفة تراوحت في مجلس قيادة الثورة بين صاغ وبكباشي وقائمقام ( باستثناء اللواء محمد نجيب) ، وكان تنظيما سرياً انقلب علي قيادة القوات المسلحة ، وارتبط أعضاؤه بمن فيهم جمال عبد الناصر بالأحزاب السياسية في فترة من حياتهم خاصة الحركة الشيوعية والإخوان المسلمين والوفد .. فأعضاء المجلس الأعلي للقوات المسلحة لم يكن لهم أي ارتباطات أو ميول سياسية أو حزبية . يقول د.معتز سلامة أن أعضاء المجلس تميزوا بـ ” الضعف الشديد فيما يتعلق بالثقافة السياسية ، فالاحترافية والمهنية للقوات المسلحة وإبعاد الجيش عن السياسة أديا إلي عزل المؤسسة كثيراً عن الأوضاع المدنية الداخلية ، وهو أمر أفقد القيادات العسكرية الخيال السياسي للتعامل مع أوضاع طارئة أو أزمات سياسية حادة”.

إن حقبة الرئيس مبارك قضت علي القادة والجنرالات أصحاب الرؤي ، فبالنظر للمخاوف من المؤسسة فقد قام الرئيس السابق بتصفية مختلف القادة ممن يمتلكون رؤي وخيالا سياسيا ” أمثال الفريق سعد الدين الشاذلي والمشير عبد الحليم أبو غزالة والفريق يوسف صبري أبو طالب ” .

وعلي خلاف ضباط ثورة 23 يوليو والذين كانوا جميعاً في سن الشباب ، فأغلبية ضباط المجلس الأعلي للقوات المسلحة في 11 فبراير 2011 كانوا من كبار السن . فالمشير محمد حسين طنطاوي كان في السابعة والسبعين (ولد في 31 أكتوبر 1935 ) ، والفريق سامي عنان كان في الرابعة والستين وكذلك الفريق مهاب مميش ، وبصفة عامة فقد جاوز أعضاء المجلس العام الستين بعام أو أكثر .

وشغل المشير طنطاوي منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع لمدة 20 عاماً متصلة ، وهو الذي اختار أعضاء المجلس واحداً واحداً ويدينون بالولاء الشخصي له ، فبعضهم كان برتبة رائد أو مقدم أو عقيد عندما كان طنطاوي برتبة فريق وقائد عام للقوات المسلحة .. ورغم نجاح المجلس الأعلي للقوات المسلحة في الأيام الأولي بعد نزوله للشارع وتوليه إدارة البلاد في 11 فبراير 2011 في التعامل مع الموقف ومواجهة حالة الانفلات الأمني وحماية مؤسسات مهمة مثل مطبعة البنك المركزي والمتحف المصري ، وتأمين المظاهرات والمحافظة علي سلميتها و” تأييد مطالب المحتجين والتعامل معهم سلمياً وبود شديد ” ، وهو الأمر الذي كان مثار ملاحظات ايجابية من أجهزة الإعلام العالمية .. ومن الإدارة الأمريكية حيث قال باراك أوباما إن المؤسسة العسكرية ” خدمت بلادها بوطنية وبمسئولية كهيئة تصريف لأعمال الدولة ..” وأضاف فيليب كراولي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية قائلاً ” نحترم الدور الذي اضطلع به الجيش المصري ونشجعه علي مواصلة التحلي بضبط النفس الذي أظهره خلال الأيام الماضية ” .. إلا أن إدارة المجلس الأعلي للقوات المسلحة للفترة الانتقالية حفلت بعديد من الأخطاء والسلبيات ، التي أدت في النهاية إلي الأزمة الشاملة التي تواجهها هذه الأيام .

رهان الأغلبية

لقد تخوف البعض من تكرار تجربة 1952 عندما استمرت الفترة الانتقالية بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة الضباط الأحرار ومجلس قياد الثورة لمدة 4 سنوات حتي صدور الدستور المؤقت عام 1956 وما تلاه من دساتير لا تحقق ما وعدت به ضمن المبادئ الستة المشهورة من إقامة الديمقراطية وحياة نيابية سليمة وصولا إلي دستور 1971 الذي قنن الاستبداد وأغلق الباب أمام التحول الديمقراطي .. إلا أن الغالبية راهنت علي اختلاف الظروف والأوضاع . بدءاً باختلاف طبيعة القوات المسلحة بعد حرب أكتوبر 1973 ، والتباين بين الأوضاع التي تولت فيها القوات المسلحة السلطة عام 1952 وعام 2011 ، ففي عام 52 كانت القوي الشعبية الساعية للتغيير قد وصلت إلي طريق مسدود وبدا حلم الثورة والتغيير مجهضاً رغم انتفاضة العمال والطلبة عام 1946 وإضراب البوليس عام 1947 وحريق القاهرة في 26 يناير 1952 وإعلان الأحكام العرفية وإزاحة حزب الوفد عن الحكم ، وتحرك تنظيم الضابط الأحرار ليقوم بالانقلاب علي الحكم في 23 يوليو 1952 ويسقط النظام الملكي ويعلن الإصلاح الزراعي والمبادئ الستة ” تصفية الإقطاع وسيطرة رأس المال علي الحكم والجلاء والقضاء علي الاستعمار وإقامة الديمقراطية وحياة نيابية سليمة “.

بينما كانت الصورة مختلفة عام 2011 كانت الحركة الشعبية في صعود ، ووصلت قمتها في انتفاضة شباب التحرير يوم 25 يناير التي تحولت إلي ثورة شعبية بانضمام كل القوي والفئات والطبقات إليها . وساهم في الوصول إلي هذه اللحظة والمشاركة فيها الأحزاب والقوي السياسية التي صاغت بما طرحته من برامج ووثائق للتغيير والمعارك السياسية والجماهيرية التي خاضتها ونزولها للشارع في الفترة من 2003 إلي 2007 والمظاهرة الكبري التي نظمها حزب التجمع في 10 سبتمبر 2005 عقب انتخاب مبارك لفترة رئاسية خامسة رافعاً شعار ” انتخاب مبارك .. باطل باطل باطل ” والهتاف بـ ” يسقط يسقط حسني مبارك ” وحركة كفاية عام 2004 التي رفعت شعار ” لا للتمديد .. لا للتوريث ” والدور الذي لعبته الصحف الحزبية ثم الصحف الخاصة والقنوات الفضائية الخاصة المصرية والعربية في إشاعة الوعي ، والإضرابات العمالية الكبري عام 2006 وحتي 2008 التي تجاوزت المؤسسات النقابية الرسمية المخترقة من الأمن والإدارة وطرحت بقوة الحقوق العمالية ، ثم حركة 6 ابريل وثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية ودورها في الحشد والتنظيم من خلال الفيس بوك وتويتر ، وإعتياد الفئات المختلفة ممارسة الاحتجاج دفاعاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتي بلغت ذروتها بإضراب موظفي الضرائب العقارية وهو أول إضراب للموظفين منذ ثورة 1919 ، وجاء تحرك القوات المسلحة استجابة لهذه الثورة الشعبية التي ماتزال في عنفوانها ، وقادرة دوماً علي ممارسة الفعل الثوري والتصدي لأي محاولة لسرقة الثورة والانقضاض عليها .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق