الشاعر العراقي عبدالكريم كاصد: الغربة صنعت تجربتي الشعرية

12

حوار: عيد عبدالحليم

عبدالكريم كاصد شاعر ومترجم عراقي من جيل السبعينيات يقيم في لندن منذ أكثر من عشرين عاما صدر له حتي الآن خمسة عشر ديوانا منها «الحقائب» و«ولائم الحداد»، بالإضافة إلي عدد من الكتب النثرية كان آخرها «باتجاه الجنوب شمالا»، كما له جهد واضح في ترجمة عدد من الشعراء الإنجليز المعاصرين إلي اللغة العربية، التقيته في القاهرة فكان هذا الحوار:

> علاقتك بالشعر علاقة حميمية تتمثله – دائما – في حياتك، وهو أيضا يمثل جزءا كبيرا من تلك الحياة.. كيف تري تلك العلاقة؟

>> السؤال يتضمن جوابا في الحقيقة، فأنت بالفعل وضعت يدك علي ما هو جوهري – علي الأقل بالنسبة لي – في علاقتي مع الحياة والشعر معا.

أري أن الشعر بعكس الشاعر الجاهلي الذي يقول «هل غادر الشعراء من متردم» أن الشعر لم يكتشف – بعد – مساحات كثيرة من الحياة، ومن هنا يأتي تجدده، ففي داخل كل شاعر حقيقي عالم واسع، لا يحتاج إلي انتباهة بسيطة منه.

أري أن غني الحياة وغني الواقع هو أعمق بكثير من أي شعر نكتبه رغم غني الشعر في تناوله لهذه الحياة، لأن الشعر لا يتوقف عند سطح هذه الحياة بل يذهب إلي ما هو أبعد فيها من مجاهيل تبدو أحيانا في مظاهر لا تدل عليها مباشرة، ولا نستطيع الوصول إليها إلا عبر الشعر.

إذا ما أخذنا بمفهوم الحياة الأوسع، فبقدر ما هنالك عمق في الحياة، هنالك اتساع من حسن حظي اتساع مكاني فقد شهدت منافي كثيرة وتنقلت في بلدان عديدة واختفيت في أماكن ضيقة جدا واجتزت صحراء ورافقت بدوا وجلست في كهوف المدن الكبري، كل هذا لم أتقصده ولم أذهب إليه، ولكن شاءت المصادفة أو القدر سمها ما شئت أن أعيش كل هذا.

هذا الغني الحياتي بقدر ما أدهشني، بقدر ما جعلني أحاول أن أجد الصلة بين كل هذه الأشياء المتناثرة لكي أجمعها وأحدق فيها لكي أري فيها مرآة نفسي.

بالإضافة إلي أن ذات الشاعر – في الحقيقة – أيضا هي عالم واسع في إزاء هذا العالم الواسع الخارجي، والرحيل بين هذين العالمين يجعل مهمة الشاعر شاقة وغير شاقة في آن واحد لأن فيها من الاكتشافات الشيء الكثير، هذا الاكتشاف هو الذي يفاجئ الشاعر قبل القارئ إزاء قصيدتي.

> يشكل الاغتراب إحدي التيمات الرئيسية في تجربتك الشعرية.. إلي أي مدي أخذ منك هذا الاغتراب وإلي أي مدي أعطاك؟

خسارات متعددة

>> في الحقيقة لقد أخذ مني الاغتراب – كثيرا – المكان الذي كنت فيه، الناس الذين كنت معهم، وخسارات كثيرة قد لا أجرؤ علي تعدادها، وربما يسهم شعري في اكتشافها أحيانا بالنسبة لي.

ولكن عالم الاغتراب الذي أفقدني الكثير والذي فاجأني بالكثير لم يكن غريبا علي – تماما – فلم تكن تصوراتي السابقة عن العالم الذي أغترب فيه مفارقة للواقع تماما، فلايزال مفهوم «الاغتراب» ولايزال الاغتراب والتشيؤ الذي قرأنا عنه في قراءتنا الأولي لم يكن محض وهم أو تصور مفارق، ولكن من جهة أخري هذه الخسارات هي ليست مقصورة علي المنفي أو الاغتراب ولو بقينا في أوطاننا لربما خسرنا الشيء الكثير، وربما فقدنا أنفسنا إزاء الواقع السياسي المثقل به الوطن بكامله.

ولأني لا أستطيع أن أمسك ميزانا لخساراتي وأرباحي، فأنا لا أستطيع أن أتحدث عنها ولكن ثمة أرباح وثمة خسارات، وإن كان ثمة أرباح، فهو امتداد هذه الحياة إلي بلدان أخري وثقافات أخري.

لغة الحنين

> ولكن في دواوينك الأخيرة مثل «الفصول ليست أربعة» هناك ذلك الحنين الطافر للوطن، كيف تقيم ذلك الحنين؟

>> الحقيقة حين عدت إلي العراق زرت الأماكن الأولي التي اختفت تماما، ولم أهتد إليها الإنجاز قديمة لا توجد الآن، ولم تسعفني الخارطة الجديدة علي الاهتداء إليها مرة أخري.

لذلك كلما أردت الذهاب إلي مكان أول لي استدعيت الخارطة الأولي التي في ذهني لكي أهتدي لهذا المكان، ولم أهتد لأن المكان اختفي تماما، لذلك وبخطوة ارتجاعية، لا واعية وجدت نفسي عائدا إلي أماكني الأولي ولكن من أين أبدأ من المكان من الزمان، لا أدري، مصادفة كنت أستمع إلي «الفصول ليست أربعة» موسيقي لفيفادي كان يعزفها ابني وكنا نسمعها بين فينة وأخري فقلت لماذا لا أبدأ بالزمن ولكن مكاني الأول لم تكن فيه فصول أربعة لم تكن فيه غير فصول ثلاثة هي الشتاء والصيف والخريف وليست ثمة ربيع علي الإطلاق، ثمة وردة تظهر في وقت محدد كل عام وتختفي مرة واحدة، في محلتنا الشعبية «المغبرة» وحتي خريفها يكون مائيا حين ينتقل الكثير من سكانها إلي مدينة «الأنهار» في جنوب البصرة للعمل في مكابس التمور حيث الأنهار والنخيل المكتظ والبواخر الخشبية الكبيرة، وحياة الماء، وعمال مكابس التمور الذين ما إن يحين الليل حتي يأتوا بصناديق التمر الفارغة ليبدأ السمر، ولا أنسي ذلك العامل الذي يرتدي «دشداشة سوداء» ويرقص بمهارة فائقة.

هذا المكان لم يأت حين كنت مغتربا عنه وإنما جاء بعد زيارتي له داخل القصيدة – لأكتشف أنه غير موجود علي الإطلاق أي أنني كنت مغتربا في داخله وما استعادتي له بمنأي عنه.

فهي في الحقيقة حنين لطفولتي، وكانت دهشتي كبيرة حين وجدت المكان الذي عدت إليه هو نفس المكان الفقير البائد بل الفردوس المفقود وهذه مغارة كبيرة.

> لك رؤية خاصة لتحولات النص الشعري في السنوات الأخيرة.. كيف تري تحولات القصيدة العربية؟

>> أنا في واقع ما أعيشه يبدو تفصيلات عابرة ولكن هذه التفصيلات كثيرا ما تستوقف الشاعر بمعني آخر أن الشعر ليس هناك، الشعر هنا قريبا من خطوة الشاعر ويده، إذا كان بعض الشعراء يرحلون بعيدا باحثين عن الشعر فأنا أجده قريبا جدا، ولكن هذا القرب لا يعني امتلاكي له علي الإطلاق ما لم يكن هذا التفصيل له ميسمه في الروح، وليس ثمة تفصيل يدخل ينطبع في لوحة روح الشاعر يبقي هو ذلك التفصيل في الواقع، ولعله يتخذ سمة مغايرة تماما حين يلتقي بتفصيلاته الواقع الأخري، أو لنقل بتفصيلات هذه التجربة بالذات.

فما يبدو تفصيلا واقعيا هو في الحقيقة أبعد عمقا وأكثر اتساعا مما نظن، ولكن هذا لن يتحقق إلا في القصيدة الجديدة.

وحتي في رحيل الشاعر البعيد إلي عوالم أخري لن تقترب هذه العوالم إلا بتفصيلاتها وانعكاسات هذه التفاصيل في روح الشاعر بل إنني أزيد مبالغا أن الفكرة ذاتها لن تتجسد حتي لو كان الشاعر اتجاهه الميتافيزيقي إلا إن لم تكن واقعا.

والشاعر بقدر ما يعكس الواقع بقدر ما يحيل الأفكار إلي الواقع، ويجسدها في تفصيلات.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق