بهيجة حسين تكتب : محمود مرسي حافظ كتاب الوطن

29

كنا معه في بيته منذ أيام، كنا مع استاذنا ورفيقنا محمود مرسي عاشق الوطن المناضل منذ أربعينيات القرن الماضي من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

كنا مع عمنا العامل المناضل الذي سار بقوة في الطريق الصعب، الطريق الذي سار فيه ومهده للأجيال المتعاقبة هو ورفاق دربه وجيله. قضي أجمل سنوات عمره في السجون، متهما بعشق الوطن، وبانحيازه للفقراء والكادحين والعمال والفلاحين. انضم للحركة الشيوعية في اربعينيات القرن الماضي، ولم يبرح انتماءه لليسار دافعا الاثمان الباهظة التي كان إن استعدنا معه ذكراها يبتسم قائلا : «كان لازم ندفع ثمن الحرية اللي بنحلم بيها و لازم نعرف أن اليسار هو العدو الوحيد والأساسي للأنظمة المستبدة والفاشية الرأسمالية».

كنت معه منذ أيام في بيته ومعنا صلاح عدلي والزميل والصديق العزيز حسن أحمد الذي اتوجه له بعزاء خاص لمعرفتي بخصوصية العلاقة بينهما ولإدراكي لحجم قسوة أن يفقد من كان له أبا ومعلما ورفيق درب الكفاح في صفوف حزب التجمع.

ومن مقر حزب التجمع بالفيوم اطلق طاقته وايمانه بأن الفكر والانحياز لابد أن يتجسدا عملا فكانت فصول محو الأمية التي اغلقتها مباحث أمن الدولة وقبل إغلاقها تخرج فيها العشرات خاصة من النساء اللواتي وصلن إلي الجامعة، في حجرة ضيقة اتسعت بحجم الكون وبنور واتساع العقل والمعرفة أضاءت المكتبة وندوات الشعر والأدب والاقتصاد والسياسة والفلسفة.

وفي لقائنا الأخير معه في بيته البسيط الدافئ ابديت اندهاشي المتكرر : «كل دي كتب يا استاذ محمود عمال تزود في الكتب البيت معدش فيه مكان».

فيرد نفس الرد وكأننا معا نستعيد رحلة عمره: «ده اللي تبقي من الكتب اللي أنا قرأتها وكانت عندي ، ياما الأمن أخذ كتب بالمئات في كل مرة يهاجم البيت ويعتقلني».

كان الأمن يأخذ كتبه لكن الكتاب الوحيد الذي لا يقدر أحد علي الاقتراب منه والذي بقي مع محمود مرسي وهو ميراثنا الشرعي هو كتاب عشق الوطن.

لن أقول لرفاقة وزملائه من كتيبة مناضلي اليسار المصري، ولن أقول لرفاقه من أبناء جيله، ولرفاقه من الاجيال التي تسير علي طريقه، والتي تواصل النضال من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ولن أقول لابنته المهندسة «أمل» «البقية في حياتكم» سوف أقول لنا جميعا «البركة فيكم».

الطريق شاق وطويل وقوي الظلام والاستبداد والاستغلال تخوض المعركة بضراوة ضد كل نقطة ضوء في هذا البلد، الطريق طويل وشاق وعهد علينا أن نواصل السير علي دروب معلمينا ورفاقنا الذين تعلمنا منهم وشاركناهم كتابة حروف الوطن كما نحلم به ونستحقه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق