عن المؤتمر القومي للمسرح المصري.. لحظة فارقة في الحياة الثقافية أن تكون أو لا تكون

14

بقلم| نبيل فرج

تمر الحركة الثقافية في بلادنا، في هذه الآونة، بمرحلة حرجة من تاريخها، بسبب الهجمة الشرسة علي قيادات وزارة الثقافة، وإعادة تكفير طه حسين، ووصف فن الباليه الرفيع بأنه عري وفجور، وهو ما دفع المثقفين إلي دحض هذه الآراء المتخلفة، ومقاومة هذه القرارات الإدارية العشوائية لوزير الثقافة التي ترمي – كما هو واضح بجلاء – إلي إطفاء أنوار الثقافة والإبداع.

ويضاعف من سوء الأوضاع بالنسبة للمسرح تعطل كثير من مسارح الدولة عن الإنتاج الفني.

ولأن المسرح كان أسرع استشعارا من غيره من الفنون بالأخطار التي تتهدده وتهدد الثقافة المصرية، عقدت لجنة المسرح بالمجلس الأعلي للثقافة علي مدي ثلاثة أيام، من 27 إلي 29 مايو الماضي، المؤتمر القومي الرابع للمسرح المصري، دفاعا عن الحركة المسرحية التي تعد المدفعية الثقيلة للثقافة المصرية، إن ضربت وتقوضت سهل معها تقويض سائر المؤسسات الثقافية.

وأعتقد بلا مبالغة أن كل الفنون الأدبية والتعبيرية مدعوة – تحت تأثير الظروف الصعبة الراهنة – لعقد مؤتمرات مماثلة، إلي جانب الوقفات والمسيرات والاعتصامات الاحتجاجية، لكي تعبر من خلالها عن وجودها، وعن حوارها مع العالم والآخر والذات، وعن عدم خضوعها لمن يملك التمويل، لأن مال التمويل في البداية والنهاية مال الشعب، وليس مال الحكومة أو وزارة الثقافة، ومال الشعب ينفق فيما يفيده ويتقدم به، بالأعمال الفنية ذات الصيغ الجديدة، وليس فقط بمجرد استمرار ما هي عليه، وذلك استكمالا لأهداف ثورة 25 يناير 2011 التي نادت، بأصوات الشباب العفية، بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، التي يرف بها الإبداع المصري في أنضج تجاربه، وفي مقدمته أدب المسرح وفن المسرح.

وربما كانت كلمة الكاتب المسرحي محمد أبوالعلا السلاموني، مقرر المؤتمر، في افتتاحه، الأكثر تعبيرا عن مضمون هذا المؤتمر العلمي، حين رأي في ثورة يناير عملا مسرحيا فذا من أعلي طراز، شاركت فيه جموع كبيرة من الشعب، واستغرق عرضه ثمانية عشر يوما، بهر العالم بأصالته وجدته.

ومع هذا فإن الآداب والفنون معرضان بفعل هذه الهجمة المعادية للإبداع للانحسار أو الغياب، ولأن الإبداع الأدبي والفني يرتبط بالعمران والتحديث، فإن المدنية والهوية الوطنية والبهجة والحقيقة هي المهددة ضمنا في هذه الأيام.

والمسرح الذي تحدث عنه المؤتمر وألح في دراسته، وحذر من المساس به، هو المسرح الفني الرفيع، ممثلا في مسرح الدولة، لا المسرح التجاري أو الترفيهي، ويعني به المسرح الذي يحمل أفكار النهضة والقيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتقدمة التي تعبر عن الحياة المعاصرة، بلا طمس أو تحريف، ويتطلع إلي مستقبل زاهر بالمعرفة والجمال، لا يقتصر فيه المسرح علي الأبنية المغلقة والتي تحتاج إلي تحديث وتطوير معمارها وأدواتها وأجهزتها، وإنما يتسع ليصل إلي الشعب في الميادين والحدائق والساحات المفتوحة، خالقا بهذا الخروج، وبهذا اللقاء مع الجمهور الغفير، أشكالا جديدة لهذا الفن، تثري التراث الإنساني، وتضيف إلي المسرح الحي في تراثنا ولهذا ترددت في جلسات المؤتمر أسماء كتاب وأعمال من المسرح العالمي من كل الجنسيات وكل العصور.

كما ترددت أسماء وأعمال الكتاب الذين صنعوا مجد هذا الفن: توفيق الحكيم، سعدالدين وهبة، يوسف إدريس، ألفريد فرج، عبدالرحمن الشرقاوي، صلاح عبدالصبور، نجيب سرور، ميخائيل رومان، شوقي عبدالحكيم، أبوالعلا السلاموني، يسري الجندي وكثير غيرهم من كل الأجيال، تنوعت مصادر إلهامهم، ومستوي إبداعهم، وآفاق تجاربهم.

ومن أجل حضور هذا المسرح العلماني – علي حد تعبير الناقدة فريدة النقاش في مداخلتها وطرح الأسئلة الجديدة عنه وعن الثقافة، عقد المؤتمر في المجلس الأعلي للثقافة، بيت المسرحيين والمثقفين، بعد أن كان مقررا عقده في مسرح الهناجر، واحتشد من يومه الأول بالمسرحيين والدارسين الذين يؤمنون ويعلنون بأن المسرح وسائر الفنون خط أحمر، والخطوط الحمراء تعني أنها لا تقبل المساس بها، كما لا يقبل في الأعراف المساس بالدين والقانون والحضارة، مهما كانت قوة دعاوي التطرف والتحريم، التي تتحرك عكس التاريخ، ولا تعترف به.

ويلفت النظر في هذا المؤتمر أنه قدم لجمهور الندوات والمؤتمرات جيلا جديدا من الباحثين علي وعي كبير بفن أو تقنيات المسرح ورسالته الديمقراطية التي لا يكاد يخلو منها بحث أو مناقشة.

ويذكر أيضا للمؤتمر تنويهه بضرورة العناية بالمسرح غير البشري، مسرح الدمي وخيال الظل والأقنعة، لأنه لا يقل عن المسرح البشري في التعبير والتأثير، إن لم يزد عليه في بعض الأحيان.

ومع التفاف المؤتمر إلي أهمية ربط المسرح المصري بالتيارات العالمية في التأليف والإخراج، إلا أنه لم يتطرق إلي دور الترجمة التي تشكل ركنا أساسيا في كل ثقافة، أو في كل نشاط ثقافي.

والحق أن الترجمة قضية تستحق أن يفرد لها مؤتمر، خاصة أننا نملك مركزا قوميا للترجمة يعد من معالم حياتنا الثقافية.

كما لم يفرد المؤتمر جلسة خاصة للنقد المسرحي، الذي لا ينفصل عن التأليف والعروض المسرحية.

وهناك أيضا بعض القضايا الحرفية الخاصة بالعروض، أظن أن الوقت لم يسعف لمناقشتها، لأنها قد تبدو من قبيل الترف في وقت تتعرض فيه الثقافة لما يمكن أن نقول عنه «أن تكون أو لا تكون».

وليس من العقل، حين تشتعل الحرائق، أن نفكر في أي شيء سوي إطفاء هذه الحرائق.

وفي ختام المؤتمر أعلنت التوصيات العامة، وأهمها رفض التطبيع مع العدو الإسرائيلي، والتأكيد علي مسئولية الدولة عن الثقافة بكل فروعها، واستنكار الاتجاهات الرجعية المعادية للفن والعقل، التي تفتقد القدرة علي تذوق الإبداع، وتشكيل مجلس أمناء شعبي من رموز الثقافة، حتي لا تتنكب طريقها تحت أي مزاعم باطلة، والالتزام بخطة أو استراتيجية محكمة للتنمية الثقافية، باعتبارها عصب كل تنمية أخري، تعرف قيمة التراث وتوثقه في ارتباط مع حاجات الساعة، وتخصيص جائزة سنوية للمسرح لا تقل قيمتها عن جوائز الشعر والرواية، وعقد المؤتمر القومي للمسرح المصري كل عام.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق