ماجدة موريس تكتب : كيف احترقت سينمات غزة؟

14

الفيلم المفاجأة في مهرجان الإسماعيلية الدولي

 أحب الناس السينما فبنوا دور العرض.. وكره المتطرفون الحياة والناس فأحرقوا السينمات.. هذا ما حدث في غزة.. وما يلخص، ببلاغة، علاقة التطرف بالفن كما قدمها الفيلم الفلسطيني (غزة – 36 ملليمتر) للمخرج خليل المزين والمنتج إبراهيم ياغي والذي عرض صباح الجمعة الماضي ضمن أفلام مهرجان الإسماعيلية السينمائي في دورته السادسة عشرة، ويبدأ الفيلم باعتراف مخرجه أمام الكاميرا بأنه يحب السنيما مثل كثيرين غيره من أهالي وشباب غزة، وأنه صنع الفيلم من أجل تقديم صورة ربما تساهم في البحث عن حل لاختفاء ذلك الفن العظيم من بلده بعد أن أحرقت دور السينما العشرة في القطاع بيد من يري نفسه وصيا علي الناس كلها.

وما بين الحكي والسرد لقصة بناء دور العرض الغزاوية وبين اللقاءات مع عدد كبير من «شهود العيان» علي ما حدث، والمحللين من الخبراء والمثقفين، يمضي الفيلم مدعما بكل الحجج السينمائية والوثائق التي لاتزال موجودة من أفيشات الأفلام وأجزاء منها وبقايا بكراتها، وأيضا تحدث بعض أصحاب دور العرض وعمالها عن الماضي الذي كان.. بعضهم لديه أمل في المستقبل وفي استعادة هذا الدور.. أو ما تبقي منها علي حاله المعماري ولم يتحول إلي أماكن لأغراض أخري أو يهدم لبناء مساكن؟

«نتحسر حين نسير بجانب مكان كان في الماضي سينما» هكذا يلخص «عرب» أحد مثقفي غزة رؤيته لبلد كان يزهو بحبه للثقافة وللفن.. لقد بدأت علاقة غزة بالسينما مبكرا، وقبل النكبة، حين أنشأ الحاج رشاد الشوا أول دار عرض سينمائي عام 1944 لتعرض الأفلام المصرية الغنائية لعبدالوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وغيرهم من نجوم الغناء والتمثيل، وبعدها توالي إنشاء دور العرض السينمائي التي كان من بينها «سينما النصر» الكبيرة الضخمة التي أقيمت في بداية الخمسينيات لتكون أكثر دور العرض حداثة، ولتعرض الأفلام المصرية فور عرضها في مصر باتفاق خاص تصل خلاله الأفلام عبر القطار الذي كان يصل مصر بغزة في ذلك الزمان.. واستطاعت السينما أن تجمع العائدات في أمسياتها وأن تكون ملتقي للتواصل الاجتماعي والإنساني عبر الفن وهو ما أثار غضب بعض المتطرفين الذين ظهروا علي سطح الحياة في بدايات السبعينيات

كما يؤكد المحلل السياسي محمد حجازي، والروائي خضر محتجز، في تحليلهما لما أصاب علاقة المجتمع الغزاوي بالفن والثقافة عامة، وفن السينما خاصة، والذي كان أكثر الفنون قدرة علي «تجميع الناس» فبدأ الهجوم علي السينما في بعض المساجد وتطور إلي حملة منظمة تطالب بإغلاقها وتتهم الأفلام بالفجور «كانت سينمات غزة وقتها تعرض كل الأفلام الحديثة، الأمريكية والعربية» وتتحدث عن إباحية مشاهد الرقص وهو ما أثمر في التأثير علي البعض فبدأت عمليات الهجوم علي دور العرض بالتدريج إلي أن أحرقت مع تصاعد تيار التطرف والدعوة إلي رفض الحياة المدنية ليصل الأمر إلي إحراق كبري قاعات غزة «سينما النصر» عام 1980 عن بكرة أبيها.. وليبقي شعبها بدون سينما، يري البعض منه الأفلام من بلاد أخري، ومناطق أخري مثل «الضفة».. وليس غزة، ثم يبدأ من جديد في مشاهدة بعض العروض من خلال منظمات الإغاثة الدولية التي أقامت شاشات عرض في الهواء الطلق للترفيه عن المناطق المحرومة وهو ما حدث عام 1997 لمرات..

وليبقي الكثيرون يتحسرون علي أماكن وقاعات احتضنت أحلامهم وأشواقهم للحياة.. وفيما يرفض أحد الداعين إلي فن «نظيف وملتزم» في الفيلم فكرة الاتهام للمتطرفين بالدعوة لحرق دور السينما، فإن شاهد عيان آخر يرد عليه بأنه من المستحيل لهؤلاء الذين يعشقون السينما أن يهدموها «هل من الممكن أن يهب الناس لحرق السينما بعد رؤيتهم لنادية لطفي؟» فالناس في غزة كما يؤكد خضر محتجز – مثله مثل أي بشر في العالم، يحتاجون للسعادة.. ثم..

هل فكر من حرق السينما فيما سوف يأتي بعد ذلك؟ في إشارة إلي أن حريق سينما غزة كان البداية لسلسلة من الأحداث التي تسعي إلي تدجين المجتمع وخطفه في اتجاه آخر يريده هؤلاء الذين سعوا لتسييس الحياة عن طريق تديينها.. بينما يواجهنا المخرج في نهاية الفيلم بأنه وكثيرين غيره من أهالي غزة، وشبابها مازالوا يحبون السينما ومنهم عائلته ويحيي أمه التي دعمت حبه لهذا الفن ووقفت بجانبه حين ذهب للدراسة في القدس ثم روسيا والسويد.. إنه الفيلم الوثيقة علي ما يحدث حولنا في أكثر الأماكن قربا منا.

وما قد يخططه البعض لنا في مصر التي عرفت السينما بعد اختراعها مباشرة، وصنعت أفلامها علي مدي قرن كامل من الزمان.. وبرغم الكثير من الأفلام المهمة التي عرضها المهرجان في هذه الدورة السادسة عشرة، والتي سوف يحصل البعض منها علي جوائز لجان التحكيم إلا أن هذه الدورة ستبقي في الذاكرة طويلا، ليس لأن رئيس المركز القومي للسينما ورئيس المهرجان هو الفنان كمال عبدالعزيز للمرة الأولي، ولا لأن مدير الدورة هو الكاتب والمنتج محمد حفظي – للمرة الأولي أيضا – ولكن لأنها المرة الأولي التي لا يحضر افتتاحها وزير الثقافة الجديد علاء عبدالعزيز المشغول بإقالة كل قيادات الوزارة منذ جاء إلي منصبه من أسبوعين، وأيضا هي الدورة الأولي التي يحاط مقر الافتتاح فيها – قصر ثقافة الإسماعيلية الكبير – بسوار من عشرات المتظاهرين والمثقفين المطالبين بالحرية والرافضين لاغتيال الثقافة المصرية وحصارها، لقد مر علي هذا المهرجان المحترم سنوات وسنوات بكل من سبقه من رؤساء وأولهم السينمائي الكبير هاشم النحاس وكان دور «الحكومة» فيه أن تقيمه من خلال المركز التابع لوزارة الثقافة، وأن تحافظ عليه وأن تتيح للعاملين به فرصة الإعداد له ليقدم للمحبين للثقافة والسينما أفضل وأهم مجموعة من الأفلام الوثاذقية والتسجيلية والقصيرة كل عام، وفي هذا العام حافظ العاملون بالمهرجان من فريق عمل المركز القومي للسينما ورئيسه كمال عبدالعزيز، كما حافظ الفريق المضاف إليهم لاختيار الأفلام وإعداد منتدي الإنتاج المشترك برئاسة محمد حفظي، حافظوا جميعا علي المهرجان

وعلي أفلامه التي مثلت مركز قوة باختياراتها الجيدة، كما حافظوا علي برنامجه وديمومته بمساعدة ودعم كبيرين من محافظة المقر الإسماعيلية من اللواء جمال إمبابي محافظ المدينة، والمعني من هذا أن أهل الثقافة ومحبي الفن وهم يرفضون السياسات التي تسعي لهدم الثقافة ومؤسساتها بحجة محاربة الفساد، يعملون بجدية لإقامة مهرجان مصري ودولي مرموق، ويدركون أن النضال ضد حكم وحكومة لا تري للثقافة دورا ولا للفن مكانا يعني تأكيد دور الإبداع الفني وهو ما بدا واضحا من خلال انتظام العروض وفعاليات المهرجان، وهذه المجموعة الرائعة من الأفلام

خاصة الوثائقية الطويلة والقصيرة التي ضمت عددا من الأفلام التي سوف نتناولها تباعا مثل «عالم ليس لنا» عن شباب المخيمات الفلسطينية بعد هذه السنوات و«أرواح الأسد» التي يطرح صورة مأساوية لجزء من أفريقيا مطعمة ببعض الأمل والفيلمان إنتاج مشترك وإن اختلفت جنسية المخرج بين مهدي فليفل الفلسطيني وماتوجيروس الإيطالي وقد حصدا معا جائزتي الأفلام الوثائقية الطويلة بينما حصد فيلمان مصري وإيراني جائزتي الأفلام الأقصيرة لتتسع دوائر الإبداع وتدخل فيها بلاد مثل لبنان واستونيا ورومانيا والمجر وتركيا وهي التي حصلت علي الجوائز الرسمية أو التي تقدمها جمعيات السينما والفن والمجتمع في مصر.. لهذا كله تصبح لهذه الدورة من المهرجان وضعيتها الفريدة، فقد نجحت ومعها فريق وزارة الثقافة، بينما سقط الوزير نفسه.. ويا لها من مفارقة!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق