فريدة النقاش تكتب : علمانية تركيا المتجذرة

14

مركز أتاتورك الثقافي هو واحد من العلامات المميزة لميدان «تقسيم» في اسطنبول الذي خرجت منه الاحتجاجات التركية لتنتشر بعد ذلك في كل المدن كبيرها وصغيرها، وكانت نية «رجب طيب اردوغان» لازالة هذا المبني أحد أسباب انفجار الاحتجاجات.

كذلك يخطط اردوغان لإعادة بناء قلعة عثمانية في جزء من حديقة «تقسيم» وكانت هذه القلعة قد بنيت في القرن الثامن عشر 1790، وقام أتاتورك بهدمها عام 1940.

وفي القضيتين تنعكس توجهات «أردوغان» الامبراطورية خاصة إذا عرفنا أنه يخطط أيضا لتغيير الدستور حتي يتحول النظام التركي من البرلماني إلي الرئاسي ويرشح هو نفسه للرئاسة بصلاحياتها الواسعة ويطلق يديه في حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية علي السواء.

وحتي تشق الدولة الدينية التي يتطلع اردوغان لاقامتها واستعادة الخلافة العثمانية التي سقطت قبل تسعة وثمانين عاما لابد أن يتخلص «الخليفة» الجديد من كل رموز الدولة العلمانية التي بناها أتاتورك بعد سقوط الخلافة، ويمثل «مركز أتاتورك الثقافي» واحدا من هذه الرموز.

وتكشف توجهات أردوغان وممارساته عن زيف الشعارات العلمانية التي اطلقها، وعلي ما يبدو فإنها كانت من قبيل الدعاية الانتخابية لجمهور اختارت قاعدة كبيرة منه خاصة في المدن نمط الحياة العلماني الذي يعني فصل الدين عن الدولة، واعتبار الدين علاقة شخصية بين الإنسان وربه وإبعاد الدين عن السياسة، وهو ما كان قد ميز التجربة التركية في ظل «أتاتورك». وحين نجح حزب العدالة والتنمية هناك في الانتخابات لأكثر من دورة بقيت هذه الرؤية سائدة حتي في أوساط جمهوره، كما بقيت أساسا فكريا لتوجه تركيا صوب الاتحاد الأوروبي في محاولتها لأن تصبح جزءا منه وهو ما فشلت فيه حتي الآن أساسا لأن الأوروبيين يعتبرون اتحادهم ناديا مسيحيا.

وتدور هذه المعركة حول الأفكار في كل الدول التي و صلت فيها الأحزاب الدينية بطريقة أو أخري إلي السلطة، أو شكلت هذه الأحزاب قوةأساسية فاعلة في الساحة السياسية لبلادها من إيران لباكستان لتركيا ذاتها ومن العراق لمصر الآن.

وفكريا يجري الصراع الاجتماعي السياسي الاقتصادي في هذه البلدان التي تدور كلها في الفلك الرأسمالي وترتبط بعلاقات تبعية واسعة مع أمريكا- حول الديمقراطية ومحتواها- لأنه بالرغم من أن الأحزاب الدينية حتي تلك التي تعتبر الديموقراطيةكفرا تخوض المعارك الانتخابية وتقدم برامجها ورؤاها للجماهير إلا أن لديها أفكارا ثابتة، ولعل أبرز ما قيل في هذا السياق هو ما أعلنته الحركة الإسلامية في الجزائر مطلع التسعينيات حين لاحت في الأفق بوادر فوزها في الانتخابات فأعلنت بفزع أنها الديمقراطية للمرة الأولي والأخيرة، لأن الديمقراطية كفر وهو ما تقول به منظمة القاعدة والمنظمات التابعة لها المنتشرة الآن في سيناء وفي عدد آخر من بلدان العالم حيث تقوم بتعطيل الحداثة والديمقراطية.

كذلك بينت تجارب الشعوب أن العلمانية تعجز عن تفعيل كل إمكاناتها وبخاصة الرؤية العلمية الموضوعية للنصوص والممارسات الدينية والتاريخ المرتبط بها دون أن تؤسس ذاتها علي الاعتراف بالتعدد والإصلاح الديني والديمقراطية ذات المحتوي الاجتماعي القائم علي عدالة توزيع الثروة القومية والإقرار بالاختلاف والتنوع في المجتمع.. فدون ذلك كله تظل العلمانية معلقة في الفراغ.

وتفتقر تركيا في ظل حزب «العدالة والتنمية» الديني اليميني الذي يحكمها إلي عدد من هذه الأسس، ويكفي أن نشير إلي المادة 127 من الدستور التي تحرم قوي تركية من التمثيل النيابي. وبوسعنا إذن أن نصف الحكم فيها لأنه جاء عبر صندوق الانتخاب – وإذ يحلو للبعض أن يختزل الديمقراطية في صندوق الانتخاب- بالديكتاتورية الديمقراطية، وأيضا بالعلمانية المزيفة إذ يقع فيها الكثير من صور التمييز علي أساس ديني. هذا فضلا عن الشعاراتية والعقلية الأحادية الدينية المغلقة البراجماتية التي تستخدم كل الأساليب بما فيها الشعارات العلمانية تملقا للشعب التركي الذي عاش أجواء علمانية لأكثر من ثمانين عاما تمتع فيها ببعض الحريات الشخصية، وتعلم أن الدين مسألة شخصية بين المخلوق وخالقه.

ويتنامي هذا التراث العلماني العريق مع النزعة العثمانية لاستعادة الخلافة التي يغذيها «رجب طيب اردوغان» وحزبه وطموحاته الامبراطورية الشخصية ، وهو ما حدا ببعض المعلقين إلي وصف الاحتجاجات التي اتسعت لتشمل كل المدن التركية بأنها ثورة علمانية ضد محاولة عثمنة الدولة التركية.

وفكرة عثمنة الدولة التركية هي شأنها شأن كل يوتوبيات وأساطير «العودة إلي الماضي» هي فكرة رجعية، إذ أن العودة إلي الماضي هي مستحيلة اللهم إلا في الحكايات والأشعار والروايات والأفلام.. والممارسات التي يسعي عبرها «اردوغان» لاستعادة الماضي هي اشد رجعية لأنه سيزيل من الوجود مركز أتاتورك الثقافي حتي يزيح هذا المعني من أذهان الأتراك أي معني فصل الدين عن الدولة والرؤية العلمانية كلها، ولكن هذه الرؤية كانت قد تجذرت في عقول وقلوب الأتراك وممارساتهم ليصبح محوها مستحيلا.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق