أزمة مياه النيل .. وتحدي « سد النهضة »

17

تعاني مصر فقراً مائياً خطيراً ونصيب الفرد من المياه في انخفاض مستمر

منذ عام 1957 بدأت إثيوبيا المرحلة الأولي من المواجهة في السياسة المائية مع مصر

بعيداً عن الممارسة غير المسئولة لمسئولين مصريين حاليين الذين أكدوا خلاف الحقيقة أن سد النهضة لن يؤثر علي حصة مصر ( والسودان ) من مياه النيل ، والإهانة التي وجهتها الحكومة الأثيوبية لرئيس جمهورية مصر العربية “د.محمد مرسي ” بإعلانها يوم الاثنين الماضي (27 مايو 2013 ) بعد ساعات من لقاء الرئيس المصري مع الرئيس الأثيوبي ، البدء في تحويل مجري النيل الأزرق اعتباراً من يوم الثلاثاء 28 مايو كخطوة ضرورية للشروع في بناء سد النهضة .. فقضية أو أزمة بناء هذا السد والسدود الأخري التي تعتزم الحكومة الأثيوبية الشروع في بنائها بهدف توليد الكهرباء كما تقول ، تطرح علينا قضية أخطر وأهم وهي قضية أزمة المياه والمجاعة المائية التي تهدد الحياة في مصر .كما يري الأمر حزب التجمع الذي أصدر الوثيقة التالية.

فالحقائق والأرقام الرسمية تقول إن مصر تعتمد في توفير احتياجاتها من المياه للاستخدامات المختلفة علي مياه نهر النيل بنسبة 5ر97% ، أي بصورة شبه كاملة .

فطبقاً لبيانات وزارة الموارد المائية والري والبنك الدولي ( عام 1997) فإن استهلاك مصر من المياه كان 63 مليار متر مكعب ، وارتفع عام 2000 إلي 72 مليار متر مكعب، وواصل ارتفاعه خلال السنوات التالية . وإمكاناتنا الحالية من المياه علي ضوء اتفاقية السد العالي تتلخص في التالي :

– 5ر55 مليار متر مكعب هي حصة مصر من مياه النيل .

– 4ر1 مليار متر مكعب من الأمطار في الساحل الشمالي .

– 6ر4 مليار متر مكعب من إعادة استخدام مياه الصرف لأغراض الري ، ارتفعت إلي 6ر7 مليار متر مكعب عام 2000.

فقر مائي خطير

وتعاني مصر حالياً فقرا مائيا خطيرا، فبعد أن كان نصيب الفرد من المياه في مصر 1000 متر مكعب سنويا عام 1993 – وهو الحد الأدني الذي يعد النزول عنه معياراً للفقر المائي – انخفض نصيب الفرد إلي 900 متر مكعب سنويا من المياه عام 1997 ، ثم إلي 750 مترا مكعبا عام 2008 ويتوقع وصوله إلي 550 مترا مكعبا فقط عام 2025 لتدخل مصر مرحلة قحط ومجاعة مائية .

وإذا كانت مصر تعتمد علي مياه النيل بنسبة 5ر97% ، فإن نسبة 85% منها تأتي من أثيوبيا. فمياه النيل تأتي من عدة روافد في هضبتين أساسيتين وهما الهضبة الأثيوبية وروافدها ( النيل الأزرق والسوباط وعطبرة ) ، وهضبة البحيرات وأهم روافدها النيل الأبيض . وتشكل الهضبة الأثيوبية المصدر الرئيسي لمياه نهر النيل بنسبة 85% مقابل 15% من هضبة البحيرات . ومناخ سبعة من دول حوض نهر النيل ( قبل انفصال جنوب السودان) رطب معتدل حيث يبلغ معدل هطول الأمطار ما بين 1000و1500 ملم/سنة . لكن الأمطار التي تهبط علي الهضبة الأثيوبية والتي تصل إلي حدود 480 مليار متر مكعب يذهب معظمها إلي البحر أو باطن الأرض ، وكذلك الحال بالنسبة للهضبة الاستوائية ” هضبة البحيرات ” التي يبلغ حجم الأمطار التي تهبط فوقها إلي ما يزيد علي 1660 مليار متر مكعب سنويا من المياه ، يصل منها إلي نهر النيل ما لا يزيد علي 5% أما الباقي فيضيع في المستنقعات أو في البحر أو يتسرب إلي باطن الأرض . ولذلك يعتبر نهر النيل ” نهر شحيح الموارد المائية “وأقل الأنهار الأفريقية عطاء” . فبينما يصب مجري النيل عند أسوان 84 مليار متر مكعب ، نجد أن نهر الكونغو يصب عند نهاية مجراه في المحيط الأطلسي 1248 مليار متر مكعب ، ونهر النيجر يصب 192 مليار متر مكعب . وعند قياس نصيب الفرد من المياه سنجد أن نصيب الفرد في حوض نهر النيل 800 متر مكعب سنوياً ، بينما نصيب الفرد في حوض نهر الكونغو 30 ألف متر مكعب سنويا ، وفي حوض نهر النيجر 4600 متر مكعب سنوياً .

موجات جفاف

وهناك إضافة إلي ذلك مخاطر نقص الإيراد الطبيعي لمياه نهر النيل بسبب موجات الجفاف المتسارعة في منابع النيل والتغييرات المناخية .

ولا تقف مشاكل مصر المائية عند هذه الحدود الخطرة ، بل تزداد صعوبة وتعقدا نتيجة مجموعة من العوامل والأسباب تهدد الحياة في بر مصر .

فتفقد مصر سنويا كميات كبيرة من مياه النيل تقدر بحوالي 35% من المياه المنصرفة عند أسوان نتيجة مجموعة من الظواهر ، منها ضياع 8ر1 مليار متر مكعب من مياه النيل في البحر المتوسط و11 مليار متر مكعب من مياه الصرف في الزراعة تصرف في البحر ، إضافة إلي ما يفقد بالبخر والرشح .

وتفقد مصر ما يقرب من نصف مواردها المائية ” حيث لا تزيد كفاءة الري بمصر علي 50% ، وبالتالي فإن نظام الري المفتوح والمعروف بالغمر يؤدي إلي فقداننا نصف مواردنا المائية المحدودة ويضيف أعباء كثيرة علي شبكة الصرف الزراعي وطلمبات الرفع ” كما يقول د. نادر نور الدين الأستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة .

ويعاني نهر النيل من ظاهرة التلوث . فكما يقول د.رشدي سعيد ..” فكما أن هذا النهر شريان يزود مصر بالمياه فهو أيضا وريد يستقبل كل مخلفات النشاط الزراعي والصناعي وبقايا الصرف الصحي في مصر .. تفرد نهر النيل بأن عليه أن يؤدي وظيفة مزدوجة ، وهي إمداد مصر بـ90% من إحتياجاتها من الماء العذب ونقل أكثر من ثلاثة أرباع نفاياتها .. وتدل القياسات المتاحة علي أن النهر قد بلغ حداً خطيراً من التلوث حيث يلتقط الملوثات علي مساره حتي يصبح عفنا وعليلا عندما يبلغ البحر عند المصب . فبالإضافة إلي كميات غير محدودة من نفايات الصرف الصحي للمدن علي شاطئيه ، يحمل النيل ما يقرب من 18 مليار متر مكعب من ماء الصرف والنفايات الصناعية سنوياً . وبذا أصبح نهر النيل قناة الصرف الرئيسية ، ويحتوي علي كل ما يمكن التفكير فيه من ملوثات وبكميات تتعدي بكثير الحدود المسموح بها لضمان حياة صحية ، حيث يدخل نهر النيل سنويا ما يزيد علي 500 مليون متر مكعب من عوادم المصانع الحاملة للسموم والكثير من المعادن الثقيلة التي تأتي مع هذه النفايات التي تترسب في الأرض التي نأكل مما ينبت عليها . وتصل هذه النفايات إلي البحيرات والبرك التي نصيد منها أسماكنا فلهذا أثره في إفساد حياتنا وزيادة تعرضنا للأمراض الخبيثة والمزمنة التي تزايدت نسبتها في السنوات الأخيرة “.

إلغاء الدورة الزراعية

وأدي إلغاء الدورة الزراعية والتركيب المحصولي واستنباط أصناف جديدة من المحاصيل لها مواعيد زراعة مختلفة إلي استهلاك غير منضبط للمياه في الزراعة . وكمثال فالتوسع في زراعة الأرز أدي إلي حدوث أزمة في مياه الري ، لأن الترع والمجاري المائية في مصر ليست مصممة لري مساحة 2 مليون فدان مزروعة بالأرز ، والمفروض أن لا تتجاوز مساحة الأرض المزروعة بالأرز مليوناً و100 ألف فدان .

وعلي المستوي القاري فهناك مشاكل مع بعض دول حوض نهر النيل . فرغم وجود عديد من الاتفاقيات الخاصة بحوض نهر النيل أهمها اتفاقية 1929 بين مصر وبريطانيا ( التي كانت تحكم أوغندا وكينيا وتنجانيقا) واتفاقية 1953 بين الحكومتين المصرية والأوغندية والاتفاقية المصرية السودانية عام 1959 ، فإن الدول الأفريقية ترفض الاعتراف بالاتفاقيات الموقعة في ظل الاستعمار الأجنبي لها ، وهناك صراع بين دول حوض نهر النيل حول توزيع مياه النيل . وعلي سبيل المثال ، فعقب اتفاق 1959 بين مصر والسودان ، أعلنت ” تنجانيقا وكينيا وأوغندا” مطالبتها بتخصيص خمسة مليارات متر مكعب من مياه النيل سنويا لمواجهة احتياجاتها التنموية وعدم التزامها بالمعاهدات والاتفاقات المعقودة أيام الاستعمار البريطاني .

وأعلنت أثيوبيا عام 1957 أن من حقها تطوير مشاريع مائية علي مجري النيل الأزرق داخل أراضيها ، وأنها لن تضمن الماء للدول أسفل المجري ( دول المصب ) إذا كان ذلك يتعارض مع مصالحها . وأعلنت بعد ذلك عن برنامج لإنشاء خزانين علي النيل الأزرق ونهر عطبرة لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهربائية ، وهو ما أعتبر بمثابة إعلان رسمي عن بدء المرحلة الأولي من المواجهة بين السياسة المائية الأثيوبية والسياسة المائية المصرية .

نهر دولي

ونهر النيل من الأنهار القليلة في العالم المستقر تصنيفها علي كونه نهرا دوليا، فهو يخترق 10 دول تعرف بدول حوض النيل هي ” رواندا – بوروندي – أثيوبيا – الكونغو – كينيا – تنزانيا – أوغندا – السودان – السودان الجنوبي – مصر ” ، وبالتالي فلجميع دوله حقوق في مياهه . وهو من أطول أنهار العالم فيبلغ طوله من المنبع للمصب 6700 كيلو متر ، ويبلغ طوله في مصر 1540 كيلو مترا من حدود مصر الجنوبية وبحيرة ناصر حتي البحر المتوسط شمالا .

والمفروض أن استخدام مصر والدول المختلفة لمياه نهر النيل ينظمها سلسلة من الاتفاقات الدولية ، أولها الاتفاقية الموقعة بين المملكة المتحدة ( ممثلة لمصر) وإيطاليا (التي كانت تمثل أثيوبيا ) وذلك في ابريل 1891، ثم الاتفاقية الموقعة بين بريطانيا العظمي والإمبراطور مينيليك الثاني ملك ملوك أثيوبيا في 15 مايو 1902 ، يليها توقيع اتفاقية بين بريطانيا ودولة الكونغو الخاضعة للاحتلال البلجيكي في مايو 1906 . ولكن أهم الاتفاقيات هي اتفاقية 7 مايو 1929 بين مصر وبريطانيا والتي قضت بحصول مصر علي 48 مليار متر مكعب من مياه النيل وحصول السودان علي 4 مليارات متر مكعب ، وتحريم إقامة أي مشروعات من أي نوع علي نهر النيل وروافده والبحيرات المغذية له إلا بموافقة مصر ، والتأكيد علي ” حقوق مصر الطبيعية والتاريخية في مياه النيل ” . تلتها اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان والتي منحت مصر 5ر55 مليار متر مكعب سنويا من مياه النيل والسودان 5ر18 مليار متر مكعب سنويا ً.

ولكن هناك مشكلتان تعترض الالتزام بهذه الاتفاقات الدولية .

المشكلة الأولي .. هي عدم اعتراف الدول الأفريقية في حوض نهر النيل بالاتفاقات التي وقعت قبل استقلالها وفي ظل وجود الاستعمار العربي .

فمع بدء استقلال الدول الأفريقية واستمرار تأثير الاستعمار الغربي في القارة السوداء والدور الإسرائيلي ، تفجرت المشاكل . فبعد استقلال تنجانيقا قال الزعيم الوطني ” جوليوس نيريري “إن البلاد التي كانت خاضعة للاستعمار لم يكن لها أي دور في المعاهدات التي تمت أثناء الحقبة الاستعمارية ، وبالتالي فإنه لا يجب الافتراض بأنها سوف تتبع هذه المعاهدات بشكل أوتوماتيكي .

وفي عام 1962 أعلنت حكومة تنجانيقا حكومات بريطانيا ومصر والسودان أنها تعتبر اتفاقية 1959 بشأن مياه النيل غير ملزمة لها . وتلتها كينيا وأوغندا عام 1963 فأعلنتا أنهما تعتبران كل الاتفاقات التي وقعتها بريطانيا نيابة عنهما لاغية. ولم يكن هذا الموقف من الدول الأفريقية ناتجا فقط عن استقلالها ، فإصابة أفريقيا في الستينيات بالجفاف نتيجة نقص معدل الأمطار واستمراره حتي الآن ، دفع دول حوض النهر للبحث عن حصص من مياه النيل لتعويض هذا النقص. الغريب أن هذه الدول لا تستخدم حصتها من المياه حتي الآن .

فأوغندا وتنزانيا وهما من بلاد الوفرة المائية بحصة 2500 متر مكعب سنويا للفرد ، لا تتجاوز نسبة المستخدم من حصصهما المائية أكثر من 1% في أوغندا و6ر5% في تنزانيا . ولا تستخدم رواندا أكثر من 20% فقط من حصتها من المياه ، وكينيا لا تستخدم أكثر من 9% من مواردها المائية !

تقييم المصادر

واتخذت أثيوبيا مواقف متتالية تهدد حقوق مصر في مياه النيل . ففي ندوة عقدت في لندن (2-3 مايو 1990) تحت عنوان ” إعادة تقييم مصادر ومستقبل الطلب علي مياه النيل ” قال ممثل إثيوبيا إن مصر تحصل علي أكثر من حقها من مياه النيل ، داعيا إلي اقتسام مياه النيل بالتساوي بين دول الحوض بغض النظر عن الاستخدامات الماضية والحالية وعدم الالتفات إلي ما يسمي بالحقوق التاريخية : قبل ذلك قامت لجنة الاستصلاح التابعة لوزارة الداخلية الأمريكية بإعداد خطة شاملة لتطوير الجزء الأثيوبي من النيل الأزرق وروافده عن طريق إنشاء 29 مشروعا للري وتوليد الكهرباء . ولو تم إنشاء هذه المشاريع لتوقف الفيضان السنوي للنيل الأزرق ، ولكن لحسن الحظ لم ينفذ حتي الآن إلا مشروع واحد فقط . وأعلنت أثيوبيا في يوليو من العام الماضي عن توقيع اتفاق مع ألمانيا وإسرائيل لعمل مشروعات علي النيل الشرقي في أثيوبيا ، وهو المعروف بسد النهضة .

مبادرة حوض النيل

وتزعمت كينيا دول حوض النيل السبعة التي تمسكت باتفاقية ” الإطار المؤسسي والقانوني لمبادرة حوض النيل ” التي يجري التفاوض حولها منذ سبع سنوات ، وترفض مصر والسودان التوقيع عليها ما لم تتضمن ثلاثة أحكام رئيسية ..

” أولها – الاعتراف بحقوق مصر والسودان في استخدامات مياه النهر التي ينظمها عدد من المعاهدات الدولية وقعتها دول بريطانيا وإيطاليا وأثيوبيا وبلجيكا والكونغو وأوغندا ، بصرف النظر عن أن توقيعها تم خلال الفترة الاستعمارية .. فضلا عن اتفاقية 1929 بين مصر وبريطانيا .

وثانيهما – ضرورة الإخطار المسبق لدول المصب بأي إنشاءات ومشروعات تقام علي النهر وفروعه بما يضمن تدفق مياه النهر دون عوائق باعتبار أن نهر النيل يخص جميع دول حوضه ، ومن حق الجميع أن يستفيد منه في إطار قانوني ..

وثالثها – التزام كل دول حوض النيل باحترام قاعدة التصويت بالإجماع عند نظر تعديل أي من البنود الأساسية للاتفاقية التي تمس مصالح دول الحوض وأمنها المائي . أما البنود الأخري الأقل أهمية فيمكن التصويت عليها وفق قاعدة الأغلبية المطلقة ، وفي جميع الأحوال ينبغي أن تكون دولتا المصب ” مصر والسودان ” ضمن هذه الأغلبية المطلقة حتي لا تنقسم دول الحوض علي نفسها إلي معسكرين تتضارب مصالحهما .”.

المشكلة الثانية هي عدم وجود قانون دولي للأنهار حتي الآن ينظم علاقات دول المصب ودول المنبع ، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الأمم المتحدة وانتهت عام 1997 إلي صياغة قانون رفضت أغلب دول الأنهار التوقيع عليه . وبالتالي فالذي يحكم علاقات دول الأنهار مجرد مجموعة من القواعد القانونية حددتها جمعية القانون الدولي في مؤتمر هلسنكي عام 1969 . ولكن ما يدخل الطمأنينة نسبياً أن الطبيعة الجغرافية لمنطقة المنابع جعلت روافد النيل في الهضبة الأثيوبية التي تمد مصر بـ 85% من مياه النيل ” تمر في خوانق جبلية ضيقة وعميقة ذات انحدارات ضخمة يجعل التحكم في مياه هذه الأنهار أمرا صعبا عالي الكلفة إن لم يكن مستحيلا، خاصة أن المياه تكون محملة بملايين الأطنان من الرواسب التي سيصعب وقفها “.

ويمكن أن نضيف إلي هاتين المشكلتين ، أن دول حوض نهر النيل واجهت مشكلة جفاف وتصحر ، في الوقت الذي تعتمد فيه هذه الدول في تنميتها علي الزراعة ، وهو ما يعني بالنسبة لها ” أمنا مائيا وزراعيا “.

سد النهضة

وبعيداً عن الجدل المثار حول تأثير سد النهضة علي مصر ، فهناك حقائق ثابتة قالها الخبراء منذ طرحت أثيوبيا فكرة هذا السد . فكما قال د. محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري سابقا ” .. المخطط الأثيوبي يهدف إلي إنشاء 4 سدود علي نهر النيل ، مما سيتسبب في حصول عجز مائي في إيراد نهر النيل لمصر والسودان مقداره 18 مليار متر مكعب يخصم من حصة مصر والسودان وفقاً لاتفاقية 1959 بالإضافة إلي النقص الحاد في إنتاج الكهرباء المولدة من السد العالي وخزان أسوان بنسبة تتراوح ما بين 25 و30% كما يتسبب سد النهضة وحده حسب الدراسات المصرية والدولية في عجز مائي قدره 9 مليارات متر مكعب سنويا لمصر . وهذا العجز المائي المترتب عن السدود الأثيوبية سيؤدي إلي تبوير نحو مليوني فدان من الأراضي الزراعية ، ومشاكل في مياه الشرب والصناعة نتيجة انخفاض منسوب المياه في النيل والرياحات والترع ، وسوف يؤثر سلبا علي الملاحة والسياحة النيلية ، وتدهور في البيئة وازدياد معدل التلوث وتهديد الثروة السمكية في البحيرات الشمالية ، وزيادة تداخل مياه البحر في الخزانات الجوفية الساحلية في شمال الدلتا ..”

ويضيف د.نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة “.. الخطورة الأكبر في سد النهضة أنه مقام علي منحدر شديد الوعورة ، وبالتالي فإن احتمال انهياره عالية للغاية ، ومعامل الأمان لا يزيد علي 5ر1 درجة مقارنة بمعامل أمان السد العالي الذي يصل إلي 8 درجات ، وبالتالي فإنه في حالة انهياره سوف يمحو مدينة الخرطوم من الوجود ويستمر دماره لجميع المدن التي تقع شمالا وصولا إلي السد العالي ومدينة أسوان .

وامتلاء البحيرة خلف سد النهضة بهذا الحجم الهائل من المياه خلال خمس سنوات ، يعني استقطاع 15 مليار متر مكعب كل سنة من حصة مصر والسودان ، وبالأصح من حصة مصر فقط لأن سدود السودان ” خشم القرية – الروصيرص – سنار – مروي – جبل الأولية ” تحجز حصة السودان من المياه أولاً قبل أن تصل إلي مصر ، وهي كمية تعادل حرمان مصر من 3 ملايين فدان من الزراعة .

أما إذا قررت أثيوبيا أن تملأ البحيرة خلال ثلاث سنوات فقط ، فهذا يعني خصم 25 مليار متر مكعب سنويا بما يعني دمارا كاملا لمصر وحرمان 5 ملايين فدان من الزراعة ، وعدم امتلاء بحيرة ناصر بالمياه ، وانخفاض أو انعدام التوليد المائي للكهرباء “.

كل هذه الأخطار والكوارث ولا توجد سياسة مصرية صحيحة للتعامل مع دول حوض النيل ، ويتعامل د.محمد مرسي وحكومته ونظامه وجماعته مع الأزمة باستخفاف وبلادة وتضليل الرأي العام .

مصر ودول حوض النيل

والحكومة المصرية – كما أعلن السفير المصري في أثيوبيا محمد إدريس – كانت تعلم مبكراً بشروع أثيوبيا في إقامة سد النهضة “.. فهذه الخطوة ليست مفاجأة أو خطوة تمت قبل موعدها المحدد ، علي العكس خطوة كان مقرراً أن تتم في نوفمبر العام الماضي وتم إرجاؤها لأسباب فنية تتعلق بالجانب الأثيوبي “.

ومواجهة هذه الأخطار وأزمة مياه النيل عامة لا تتم بالسياسة القائمة علي الفصل بين مياه النيل ومجمل علاقات مصر مع دول حوض النيل ، وهي السياسية المتبعة منذ نظام مبارك وإهمال الدور المصري في أفريقيا عقب محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا ، والتي يواصلها نظام الإخوان حاليا . فالمطلوب أن تأخذ العلاقات مع دول حوض النيل كحزمة مترابطة تربط بين موضوع المياه والتنمية والتبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية والسياسية ، خاصة وعلاقات مصر مع أثيوبيا ودول حوض النيل مثقلة بتاريخ من الصراعات والتناقضات . فعلي سبيل المثال فالمؤكد أن الموقف الأثيوبي من قضية المياه متأثر بموقف مصر تجاه مشكلة الصومال التي تمثل نقطة مهمة بالنسبة للأمن القومي الأثيوبي .

والمطلوب الآن تحديد مجموعة من الخطوط الرئيسية الإستراتيجية جوهرها التعاون مع دول المنبع في شتي المجالات بما يخدم مصالح مصر ، ويحقق أيضاً صالح دول حوض نهر النيل .

وبدون مواجهة صحيحة للأزمة فقد يفرض علينا الخيار العسكري حماية لاستمرار الحياة في مصر . وهو خيار خطر ومكلف .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق