أدب ونقد تستضيف «اعتصام المثقفين» لمناقشة الأزمة.. الثقافة المصرية وسؤال اللحظة الراهنة

9

د. محمد حافظ دياب: النظام الحاكم حاول السيطرة علي الثقافة من البداية

متابعة: نسمة تليمة

ناقشت ندوة أدب ونقد الأربعاء الماضي أزمة وزارة الثقافة في ندوة بعنوان «الثقافة سؤال للحظة الراهنة» وتحدث فيها عدد من الشخصيات الثقافية حول دور المثقف المصري والأزمة الراهنة، أعلن خلالها كل عن رأيه، وعن زاوية مختلفة لما تمر به البلاد بشكل عام والثقافة المصرية بشكل خاص.

أدار الندوة الشاعر عيد عبدالحليم رئيس تحرير «أدب ونقد» شارك فيها كل من الفنان عزالدين نجيب، والناقدة فريدة النقاش والمفكر د. محمد حافظ دياب، والناقد د. صلاح السروي، والروائية سلوي بكر والفنان التشكيلي أحمد الجنايني.

السيطرة

في البداية أكد عيد عبدالحليم أن الثقافة المصرية الآن نمر بلحظة حرجة وحاسمة في ظل محاولات أخونة الدولة والثقافة ومن هنا بات ضروريا توحيد جهود المثقفين لنتخلي عن ذاتيتنا، وأشار «عبدالحليم» لاعتصام المثقفين المصريين ووضع عدة تساؤلات لفتح باب النقاش حولها أهمها ما هي تصورات العمل من أجل مستقبل الثقافة المصرية وما الدور الحقيقي للمثقف المصري.

وكان أول المتحدثين د. محمد حافظ دياب أستاذ علم الاجتماع الذي رأي أن النظام الحاكم الحالي دأب علي السيطرة علي الثقافة بداية من السيطرة علي التعليم إلي جانب محاولات تقديم ما سمي بالزي الشرعي للطالبات ناهيك عما يتردد لإنشاء أكثر من 70 جامعة لا شك أنها ستتحول لخلايا إخوانية، كما أن النظام الحالي حاول تهميش العلوم الفكرية هذا ما اعتبره «دياب» الآلية الأولي التي اتبعها الإخوان ضد الثقافة، أما الآلية الثانية فكانت محاولة إضعاف شعور المواطنة لدي المصري واستشهد «دياب» بشواهد ومنها مشروع تنمية إقليم قناة السويس وتفريغ سيناء من المواطنة المصرية وتعيين إرهابي محافظا لمدينة الأقصر، أما الآلية الثالثة فهي تخص بمحاولة السيطرة علي الوثائق في دار الوثائق المصرية، واعتبر محاولات تحويل المجتمع المدني إلي مجتمع أهلي هي الآلية الرابعة لسيطرتهم علي الثقافة رغم أن مفهوم المجتمع المدني يرتبط في الأساس بمفهوم حقوق الإنسان وحقوق الإنسان ترتبط بالديمقراطية أما مفهوم المجتمع الأهلي فهو مفهوم «خيري».

كما أشار د. دياب إلي آلية مهمة هي تدني النظرة إلي المرأة، وشرح قائلا: من الملاحظ أن نظام الحكم الإخواني منذ اللحظة الأولي نظر إلي المرأة نظرة متدنية ووفقا لكل هذه الآليات أكد «دياب» أن النظام الحاكم وأصل محاولة السيطرة علي الثقافة وهذا لأن القائمين علي هذا النظام هم مجموعة من القطبيين نسبة إلي سيد قطب، رغم أن بعض أعضاء الجماعة قد اشتغل في الفن والثقافة مثل عبدالرحمن البنا شقيق حسن البنا الذي أسس 4 فرق فنية منها فرقة النجوم التي قدمت عبدالمنعم مدبولي وفاطمة رشدي إلا أن هذه المرحلة انتهت وبدأت مراحل أخري في حياة الإخوان قائمة علي أسلمة المجتمع وأسلمة المعرفة منذ السبعينيات وما بعدها سنة 1981 وإنشاء المعهد الدولي للفكر الإسلامي والذي استطاع تجنيد عدد من الإخوان ممن قدموا إسهامات في مجالات عدة منها علم النفس والفنون وعلم الاجتماع ليتحولوا إلي علم الاجتماع الإسلامي، الأدب الإسلامي وقد لعبت هذه الموجة دورا منذ شعارات مرحلة السادات «العلم والإيمان وأخلاق القرية وغيرها».

أما المرحلة الأخيرة والتي مازالت مستمرة كما رأي «دياب» فهي المرحلة القطبية ورفض الإخوان للفنون كافة والمتاجرة بالدين، واختتم «دياب» رؤيته مؤكدا أن حزب التجمع عليه مهام ثلاثة في تلك اللحظة الاستثنائية أولهما أن يقدم في أسرع وقت خريطة طريق لما سوف يحدث بعد 30 يونيو ومزيدا من الدفع والاهتمام والنداء لكل القوي والأحزاب للمشاركة في وضع الرؤية.

لجنة الدفاع

أما الروائية سلوي بكر فاقترحت إحياء لجنة الدفاع عن الثقافة بحزب التجمع والتي نشطت لفترة طويلة في أعقاب زيارة السادات لإسرائيل وهي اللجنة التي لعبت دورا مهما في تثقيف أجيال حول أهمية التعرف علي الثقافة، فيما ارتأت «بكر» أن المشهد الثقافي الراهن ينقسم إلي قسمين الأول يتعلق بالمؤسسة الثقافية «الوزارة» والقسم الثاني هو الثقافة المستقلة وفيما بينهم مثقفون مستقلون.

ووضعت «سلوي» ملاحظات عدة علي مناداة البعض بعدم ضرورة المؤسسة الثقافية وأكدت أن المثقفين لا يعنيهم شخص الوزير ولكن ما يعنيهم هو أهمية المؤسسة في المجتمع ولذلك يجب فتح ملفاتها وعلي رأسها كيفية اختيار قياداتها واعتبرت المؤسسة الثقافية الرسمية ضرورة في مجتمع فقير من أجل العدالة الثقافية، وطالبت «سلوي» بفتح ملف وزارة الثقافة.

الفاشية

بينما ربطت الكاتبة فريدة النقاش بين الإخوان المسلمين ونظرتهم للثقافة ورؤيتهم للعالم بالحركة الفاشية العالمية «فاشيست» فبعد وصولهم للسلطة تبينت الملامح والسمات الفاشية في نظرتهم للعالم والمثقفين، وأدل شيء كان العملية الأخيرة التي قام بها وزير الثقافة فيما أسماه «التطهير» بينما هو لم يقدم أي أدلة علي الفساد داخل الوزارة، وتحدثت «فريدة النقاش» عن موقف الفاشية تاريخيا من الثقافة واستشهدت بتجربة أحلام مستغانمي في رواية «فوضي الحواس» عندما أشارت لتجربة غريبة في ظل عهد هتلر لإذلال الفنانين الكبار عندما كانت السلطة تأخذ أعمالهم الفنية وتبيعها بأبخس الأسعار «كترويض للمثقف» حتي يعجز عن العيش ولإهانته، وعادت «فريدة النقاش» لتسقط ذلك علي الفترة الحالية وهي تندهش من وزير الثقافة الذي لا يعرف بهاء طاهر ولا يعرف أحمد عبدالمعطي حجازي وهو بالتالي جاء لتحويل المؤسسة للوعظ والإرشاد.

واستطردت «فريدة النقاش» مفسرة مصدر الثقافة الوحيد للإسلاميين وهو «الدين» فيما يتم التعامل مع المصادر الأخري بشكل براجماتي فالدين النصي دون تأويل هو مصدرهم حتي أننا طوال تاريخهم منذ عام 1928 وحتي الآن لم نجد للإخوان مثقفا كبيرا واحدا، حتي وإن كانت بدايات سيد قطب أدبية إلا أنه عاد بعد رحلته الغامضة في أمريكا رجلاً تكفيرياً وتحول إلي فقيه مسلح.

ومن هنا أكدت أنه ليس هناك سوي وجه واحد للظاهرة الإسلامية وهي رؤية نص الدين أو الدين كنص وهي التي صحبت عبر التاريخ الإسلامي كل التوجهات الفكرية العقلانية ومنها ابن رشد الذي بدأت أوروبا عصر النهضة بقراءة أعماله، فيما وصفت «فريدة النقاش» ما يحدث الآن من قبل الإخوان ضد الثقافة والهوية المصرية بالغارة الهمجية التي هي أشبه بالتتار وقالت إنها وقتية ستمر وتنتهي لأن المصريين بنوا ثقافتهم وفق منظومة تراكمية رائعة واعتبرت الإسلاميين يعملون خارج التاريخ ولذا سوف يهزمهم التاريخ.

تجارب ماضية

فيما فضل الفنان عزالدين نجيب أن يستدعي تجارب مهمة من الماضي خلال كلمته خاصة فترة الستينيات والتي رآها فترة امتداد عضوي بين المثقف والجماهير وانتقل «نجيب» من الماضي إلي مشهد اعتصام المثقفين المصريين داخل مكتب الوزير والذي اعتبره مشهدا يجسد الكثير ويستدعي من المثقفين وقفة حول دورهم في المرحلة القادمة وعمل أجندة للمستقبل واعتبر «نجيب» أن تأخر إعلان الإخوان عن مفهوم الثقافة مرتبط بمشروع تفكيك وزارة الثقافة وحتي تكون قصور الثقافة تابعة لهم، واستطرد للحديث عن نظرتهم إلي التراث باعتباره «إسلاميا» فقط، وقال نجيب إن واجب المثقف المصري الآن هو تحويل الثقافة من متعة إلي ضرورة واعتبر حزب التجمع هو أقرب الهيئات السياسية القائمة بهذا الدور وأثني علي الإعلام الذي نقل المشهد بأمانة وحول قضية المثقف إلي قضية يهتم بها رجل الشارع.

الحرية والحداثة

أما د. صلاح السروي ففضل التعمق في وعي المثقف المصري حول سؤالين.. الحرية والحداثة..

فيما يتعلق بسؤال الحرية أكد السروي أن المثقف يحتاج إلي قدرة علي النقد ورؤية النواقص ومن ثم لابد أن يكتمل الموقف النقدي بالموقف الإبداعي فكلاهما في رأيه مرتبط بالآخر والمثقف ما لم يكن ناقدا لن يكون مبدعا من هنا يطرح العنصران سؤال الحرية وفي ظل هذا تأتي السلطة الحاكمة التي تتطير وتتوجس من المثقف الذي يمكن أن يقلق منامها والتي كانت تنظر له دائما باعتباره النمر الذي يحتاج إلي ترويض لذلك ليس غريبا كما يري «السروي» أن نجد معظم المثقفين المصريين من صانعي المشهد الثقافي هم من خريجي سجون، ويستدل «السروي» بأن الثورات الملونة في أوروبا الشرقية قام بها مثقفون.

ولهذا كثيرا ما نجد الكتّاب ليسوا فقط رواد سجون وإنما زعماء سياسيون كما نري الآن في مصر ويربط «السروي» بين هذا التعريف والمضمون للمثقف وبين هيمنة الأنظمة البرجوازية علي العالم الثالث وحاجتها إلي نوع جديد من الاستعمار هو الاستعمار بالوكالة علي طريقة «حميد كرزاي» علي سبيل المثال فهي تحكم في كل مكان وفقا لنظرة شمولية، ولأنها تري الشرق كما ترغب هي في رؤيته ترانا شعوبا عاطفية وانفعالية علي طريقة اللورد كرومر في كتابه الذي تحدث فيه عن المصريين بشكل متعال ومن ثم تعاملوا مع المثقفين باعتبارهم خطراً، الأمر الثاني هو الهجوم علي المثقف باعتباره مجنونا وغريب الأطوار، واستطرد «السروي» متحدثا عن المثقف المزيف واستخدم فيه تعبير «المثقف القشرة» حين أصبح طلاء زائفا وبلا فاعلية، وعاد «السروي» للحديث عن جماعة الإخوان ذات المشروع التدجيني ومحاولة أسلمة المجال العام للوصول إلي فكرة فاشية قديمة «المثقف علي المقاس» وقتل الثقافة والتفكير والوجود الإبداعي لكنه اعتبر ما يحدث الآن نافعا لأن بنية الثقافة في رأيه ليست في أكفأ حالاتها وبالتالي كتب علي الثقافة المصرية إعادة تصحيح مسارها انطلاقا يدا بيد الجماهير.

كما جاء في مداخلة للفنان أحمد الجنايني مدير أتيليه القاهرة مؤكدا أن حائط الصد الثقافي هو الحائط المتبقي في تاريخ الأمة ويجب عدم الاستسلام والحفاظ عليه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق