د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة في مواجهة التأسلم «12»

23

وكان قاسم أمين في عجلة من أمره، فبعد كتابه «تحرير المرأة» بأقل من عام أصدر كتابا جديدا، ربما لأنه أراد أن يدفع هجوما كان شرسا، وربما لأنه اكتشف أنه لم يكمل الجملة المفيدة في تحرير المرأة، وربما لأن العدد المحدود من الليبراليين كان يستحثه كي يواصل، أو كي يوضح بعضا مما قال المهم فوجئ القارئ بقاسم أمين – المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية وهو يصدر كتابا جديدا بعنوان «المرأة الجديد» في 15 أغسطس 1900 وفوجئت أنا وغيري من الباحثين بالإهداء، ففيم تروج استنتاجات غير مبنية علي أساس تردد أن دورا ما للإمام محمد عبده يكمن في الكتابين إذا بقاسم أمين يحدد إسما آخر يقول صراحة إنه هو الذي سانده في موقفه..

فإهداء الكتاب إلي «صديقي سعد زغلول – فيك وجدت قلبا يحب وعقلا يفكر وإرادة تعمل، أنت الذي مثلت المودة في أكمل أشكالها، فأدركت أن الحياة ليست كلها شقاء، وأن فيها ساعات حلوة لمن يعرفها.. ذلك هو سر السعادة الذي رفعت صوتي لأعلنه لأبناء وطني» وفي المقدمة يقول «المرأة الجديدة هي ثمرة من ثمرات التمدن الحديث بدأ ظهورها في الغرب علي أثر الاكتشافات العلمية التي خلصت العقل الإنساني من سلطة الأوهام والظنون والخرافات وسلمته قيادة نفسه ورسمت له الطريق التي يجب أن يسلكها، ذلك حيث أخذ العلم يبحث في كل شيء وينتقد كل رأي ولا يسلم بمقال إلا إذا قام الدليل علي ما فيه من المنفعة للعامة وانتهي به السعي إلي أن أبطل سلطة رجال الكنيسة، وألغي امتيازات الإشراف ووضع دستورا للملوك والحكام وأعتق الجنس الأسود من الرق ثم أكمل عمله بأن نسخ ما كان الرجال يرونه من مزاياهم التي يفضلون بها علي النساء ولا يسمحون لهن بأن يساووهم في شيء» (المرجع السابق – ص386).

ولقد تعمدت أن أورد هذه الأسطر التي بدأ بها قاسم أمين كاملة، فقد قالت كل شيء، ولعلها اندفعت برؤية قاسم أمين قدما إلي مزيد من الشجاعة ومزيد من الليبرالية، وتراجع ما رآه قاسم أمين في مسلك التقدم الاجتماعي للتمدن الحديث.

العلم – العقل – التخلص من التفكير الخرافي – حرية الإنسان في الاعتقاد – رفض سلطة رجال الدين علي البشر – رفض امتيازات الأغنياء – دستور يحد من سلطات الملوك والحكام – رفض التميز العرقي.. وكل ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا بتحرير المرأة، ومساواتها بالرجل.

.. هنا يتألق قاسم أمين مفكرا ليبراليا متخلصا من الخوف بالاتهام بالخروج عن حدود الدين ومتخلصا من وهم الانفلات بنصف رأي أو شبه رأي عبر ثقب إبرة ومدركا حقيقة محورية وهي أن قضية تحرير المرأة ليست أمرا منفصلا عن مجمل المجتمع، فتحرير المرأة جزء من تحرير المجتمع ككل ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، ثم نمضي مع الفقرة الثانية في المقدمة «كان الأوروبيون يرون رأينا اليوم في النساء، وأن أمرهن قاصر علي النقص في الدين والعقل، وأنهن لسن إلا عوامل الفتنة وحبائل الشيطان، وكانوا يقولون «إن ذات الشعر الطويل والفكر القصير لم تخلق إلا لخدمة الرجل وكان علماؤهم وفلاسفتهم وشعراؤهم وقساوستهم يرون أنه من العبث تعليمها وتربيتها ويسخرون من المرأة التي تترك صناعة الطعام وتشتغل بمطالعة كتب العلم ويرمونها بالتطفل علي ما كانوا يسمونه خصائص».

.. والفقرتان الأولي والثاني متلازمتان حال الأوروبيين كان كحالنا وتطوير المجتمع وإعمال العقل والعلم والحرية وحقوق الإنسان كان سبيل تطوير المجتمع ومن ثم تحرير المرأة، ونمضي مع المقولة «فلما انكشفت عن الأوروبيين غشاوة الجهل ودخل حال المرأة تحت انتقاد الباحثين اكتشفوا أنهم هم أنفسهم منشأ انحطاطهم وسبب فسادها وعرفوا أن طبيعتها العقلية والأدبية قابلة للترقي كطبيعة الرجل وشعروا أنها إنسان مثلهم لها الحق في أن تتمتع بحريتها وتستخدم ملكاتها وأن من الخطأ حرمانها من الوسائل التي تمكنها من الانتفاع منها، ومن ذلك الحين دخلت المرأة الغربية في طور جديد وأخذت في تثقيف عقلها وتهذيب أخلاقها شيئا فشيئا، ونالت حقوقها واحدا بعد الآخر واشتركت مع الرجال في شئون الحياة البشرية وشاركتهم في طلب العلم في المدرسة وسماع الوعظ في الكنيسة، وجالستهم في منتديات الأدب وحضرت في الجمعيات العلمية وساحت في البلاد واختفت من الوجود تلك الأنثي، تلك الذات البهيمية.. وظهر مكانها «المرأة الجديدة» التي هي شقيقة الرجل وشريكة الزوج ومربية الأولاد» (ص387).

.. وباختصار هو يقول بهذه الكلمات الواضحة للمجتمع ككل وللرجال عموما ولبعض رجال الدين أو بالدقة مغلقي العقول والقلوب ومنهم أنتم متخلفون، جهلاء، وبلا عقل.. فأنت نساؤكم مثلكم، فإن تقدمتم تقدمت، وإن استخدمتم العلم والعقل استخدمت، وبهذا يندفع بدعوته لتحرير المرأة في الطريق الصحيح، ثم هو يكمل محددا ما يريد «هذا التحويل هو كل ما نقصد وغاية ما نسعي إليه هو أن تصل المرأة المصرية إلي هذا المقام الرفيع وأن تخطو هذه الخطوة علي سلم الكمال اللائق بها فتمنح نصيبها من الرقي في العقل والأدب ومن سعادة الحال في المعيشة»..

وهنا يوضح قاسم أمين لماذا أتي مسرعا وواضحا وعلميا بكتابه الثاني «تحرير المرأة» فيقول «هذا هو اعتقادنا، فهل يصح أن يصدنا عن المثابرة في هذا السعي أن الجمهور من العامة لم يلتفت إليه أو أن بعض الكتاب أظهروا السخط عليه ما بين منتقد لم يتفق رأيه مع رأينا وساخر يقضي عمره في السفاسف ومغتر ينكر علينا حسن نيتنا؟» ثم هو يستجمع شجاعة كانت مفتقدة في كتابه الأول فيقول «نحن لا نكتب طمعا في أن ننال تصفيق الجهال وعامة الناس، الذين إذا سمعوا كلام الله وهو الفصيح لفظه الجلي معناه لا يفهمونه إلا إذا جاء محرفا عن وضعه منصرفا عن قصده برأي شيخ هو أجهل الناس بدينه ولا يحبون الوطن إلا إذا تمثل لهم في صورة قبيحة وأخلاق رثة وعادات سخيفة، وإنما نكتب لأهل العلم وعلي الخصوص للناشئة الحديثة التي هي مستودع أمانينا في المستقبل، فهي التي بما اكتسبته من التربية العلمية الصحيحة يمكنها أن تحل مسألة المرأة المكان الذي تستحقه من العناية والبحث» (ص389) ثم يكمل «لقد قررت شريعتنا للمرأة كفاءة ذاتية في تدبير ثروتها وحثت علي تعليمها ولم تمنعها الاحتراف بأية صنعة بل وسمحت لها بأن تكون وصية علي الرجل وأن تتولي وظيفة الإفتاء والقضاء ومنحها عمر بن الخطاب الولاية علي الأسواق.. فلماذا نغفل مقاصد شرعنا؟ ونضيع وقتنا في أقوال لا تنتج إلا تعويضا عن التقدم؟

وبعد هذه المقدمة نجد أنفسنا أمام قاسم آخر.. غير قاسم الذي طالعناه في كتاب تحرير المرأة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق