إعلان دستوري.. يهدد بإجهاض ثورة 30 يونيو

9

خطــــر الدولــــة الدينية يتصدر الإعلان

كتب حسين عبدالرازق:

أصدر المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت أمس الأول (الاثنين 8 يوليو 2013) إعلانا دستوريا ليكون بمثابة دستور مؤقت ينظم حكم البلاد والعلاقة بين السلطات خلال المرحلة الانتقالية والخطوات الضرورية لإنهاء هذه المرحلة وإصدار الدستور وانتخاب المجلس أو «المجالس» النيابية ورئيس الجمهورية.

ولم يسبق إصدار هذا الإعلان الدستوري أي تشاور مع الأحزاب والقوي السياسية، وحركة تمرد أو أي تشكيلات وتنظيمات ديمقراطية أخري، لضمان أن تكون هذه الوثيقة الدستورية محل توافق مجتمعي! بل فوجئ الجميع بها في ساعة متأخرة من أمس الأول، الأمر الذي سيثير جدلا واسعا حول نصوص هذا الإعلان الدستوري.

والنقطة الإيجابية الأساسية في هذا الإعلان الدستوري، هو تجنب الخطأ الذي وقع فيه المجلس الأعلي للقوات المسلحة عقب ثورة 25 يناير 2011 عندما قرر انتخاب أعضاء مجلسي الشعب والشوري قبل إصدار الدستور الجديد – بعد إلغاء دستور 1971 – وعهد للأعضاء المنتخبين بتشكيل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، فطبقا للمادتين 28 و29 من الإعلان الدستوري الصادر أمس الأول سيتم صياغة الدستور الجديد والاستفتاء عليه وصدوره قبل الدعوة للانتخابات البرلمانية بـ 15 يوما علي أن تتم خلال فترة لا تتجاوز 60 يوما، يليها انتخابات رئاسة الجمهورية بعد أسبوع علي الأكثر من أول انعقاد لمجلس النواب.

أما الملاحظات السلبية فهي عديدة..

> أولها أن الإعلان الدستوري استنسخ المواد التي حولت الدولة المصرية من دولة مدنية إلي دولة دينية أو شبه دينية في دستور 2012 «المعطل»، فالمادة الأولي من الإعلان تنص علي أن «.. مبادئ الشريعة الإسلامية التي تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة، المصدر الرئيسي للتشريع»، وهي جمع بين المادة (2) والمادة (220) من الدستور السلفي الإخواني.

وبصرف النظر عن إقحام موضوع الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع أو المصدر الرئيسي للتشريع علي الدستور المصري منذ عام 1971 علي يد الرئيس الأسبق أنور السادات، فالأخطر هو النص الذي فرضه السلفيون الخاص بـ «مذاهب أهل السنة والجماعة» فتعبير «أهل السنة والجماعة»، كما يقول الفقهاء «لم يظهر علي ساحة الفقه الإسلامي إلا في العصر العباسي المتأخر عندما اشتد الخلاف بين الفرق الإسلامية، فظهر هؤلاء بزعم أنهم يمثلون الفرقة الناجية ويأخذون بكل ما وردت به مصادر الشريعة قطعية أو ظنية الثبوت والدلالة، ويعملون عمل أهل السلف، بل يأخذون بالأحاديث الضعيفة وأحاديث الآحاد والمطلوب منا وفقا لهذه المادة أن ننسف اليقين القانوني نسفا وندخل النظام القانوني المصري في سراديب التاريخ القديم باعتبارها سراديب مقدسة لا يمكن الحيدة عنها، ويتساءل الفقهاء «من الذي سيفسر المقصود بأحكام الشريعة ومن الذين سيختار بينها.. هل هم المجددون أم المقلدون؟ هل هم الفقهاء أم أتباع السلف الصالح».

> المادة (3) والتي تنص علي أن «يقوم النظام الاقتصادي علي العدالة الاجتماعية» تجاهلت كل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تكفل الحد الأدني للعدالة الاجتماعية، مثل حق السكن والأجر العادل والتأمين الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليمية، وحقوق المرأة.. إلخ.

> المادة (8) والتي سمحت بإلغاء الصحف بحكم قضائي، رغم أن نضال الصحفيين والأحزاب والقوي الديمقراطية نجح منذ عام 2006 في إلغاء النص من القانون الذي كان يجيز إغلاق الصحف في أحوال معينة بحكم قضائي، باعتبار أن هذا الإغلاق يفرض عقوبة إضافية عن نفس الجرم ويؤدي إلي تشريد الصحفيين والإداريين والعمال في الصحيفة المحكوم بإغلاقها دون ذنب جنوه.

> المادة (10) تجاهلت في فقرتها الأخيرة النص علي عدم جواز قيام أي حزب سياسي علي أساس الدين أو المرجعية دينية، متجاهلا أن إلغاء هذا النص الذي كان واردا في دستور 1971 سمح بقيام أحزاب لها مرجعية دينية، وهو ما أدي إلي الأزمة الطاحنة التي نعيشها هذه الأيام.

> وتعطي المادتان 23 و24 من الإعلان الدستوري سلطات مطلقة لرئيس الجمهورية تحوله رغما عن إرادته إلي حاكم مطلق وتعيد إنتاج الاستبداد الذي قامت ثورتي 25 يناير و30 يونيو للخلاص منه.

> نصت المادتان 28 و29 علي تكوين «لجنة خبراء» تختص باقتراح التعديلات علي دستور 2012 المعطل، و«لجنة الخمسين» الممثلة لجميع فئات المجتمع وطوائفه وتنوعاته السكانية تتولي إعداد المشروع النهائي للتعديلات الدستورية.

وهناك ملاحظتان جوهريتان علي هذه النصوص:

الأولي: الخطأ في الترتيب فالمنطقي أن «لجنة الخمسين» الممثلة لكل فئات المجتمع هي التي تقترح التعديلات المطلوبة علي دستور 2012 باعتبار أن الدستور وثيقة سياسية توافقية بين كل مكونات المجتمع، ثم يتولي الفقهاء «لجنة الخبراء» وضع هذه التعديلات في صياغات دستورية منضبطة ودقيقة، وليس العكس.

الثانية: أن دستور 2012 المطلوب تعديله وثيقة غير صالحة للتعديل، فاللذين تولوا صياغته كانوا يجهلون اللغة العربية الرصينة عامة والصياغات القانونية والدستورية خاصة، فجاءت عديد من مواد الدستور ركيكة وفي عبارات فضفاضة تحتمل أكثر من معني ومن تفسير وإنشائية.

والأصح كان تكليف اللجنتين بصياغة مشروع دستور جديد، خاصة وأن دستور 1971 قد سقط عمليا بثورة 30 يونيو 2013.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق