محاربة الفاشية ليست عدوانا علي الحرية

16

بقلم : فريدة النقاش

دفع الشعب المصري عبر قرنين من الزمان ثمنا باهظا لانتزاع الحريات العامة من دماء ابنائه وتشريد عماله ومثقفيه، وفتح أبواب السجون لطلائع الشعب في ظل نظم الفساد والاستبداد. ورغم أن الشعب المصري مارس حرياته رغم أنف الظالمين وصولا إلي ثوراته المتواصلة عليهم منذ قديم التاريخ، واحتشدت الملايين في العصر الحديث من ثورتي القاهرة الأولي والثانية ضد الحملة الفرنسية إلي الثورة العرابية ثم ثورة 1919 وانتفاضة 1946 وثورة 1952 ثم أخيرا ثورة 25 يناير 2011 التي حققت انتصارا مشهودا في 30 يونيه 2013 إلا أن الطريق لايزال طويلا.

أعبر وبسرعة علي هذا التاريخ المجيد الملئ بالتضحيات أبرز ثلاث حقائق أساسية، أولها إنه لا أحد يستطيع أن يزايد علي نضال الكادحين المصريين وطلائعهم من أجل الحرية، والثانية هي أن محاربة الفاشية لا تمثل بأي حال عدوانا علي الحرية بل إن محاربة الفاشية- ولو حتي عبر الطوارئ والإجراءات الاستثنائية المؤقتة والمحدودة بزمن- والتي تعجل بفضحها وكشف خططها، خاصة في مواقع المواجهات الدامية التي بدأتها جماعة الإخوان المسلمين بعد عزل «مرسي» عبر الشرعية الشعبية الهائلة، هي دفاع عن الحرية.

إن الاستجابة للدعوات الرومانسية الحالمة التي تطالب بإعادة فتح القنوات الدينية التي حرضت علي القتل والاقتتال الطائفي عبر ما يزيد علي العامين دون أن تلتزم هذه القنوات بميثاق شرف إعلامي دعت له خريطة المستقبل التي وضعتها القوات المسلحة بالتوافق مع الاطياف السياسية والمجتمعية المختلفة، إن مثل هذه الدعوة سوف تضرب الانجاز الرئيسي لـ 30 يونيه المجيد في الصميم، وتجرنا إلي الوراء، أي إلي المذبحة. وعلينا أن نضع في الاعتبار أن مثل هذه الإجراءات الاستثنائية والمحدودة والتي لا يجوز اتخاذها إلا بعد استنفاد كل ما في قانون العقوبات المصري من مواد وآليات، سوف يجري تطبيقها تحت رقابة المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان التي اكتسبت خبرات هائلة عبر صراعها الممتد لربع قرن ضد نظام الاستبداد وقمع الحريات.

أما الحقيقة الثالثة فتتعلق بما تصفه القوي الديمقراطية بترسانة القوانين المقيدة للحريات، وهي الترسانة التي تحكم حياتنا السياسية والاجتماعية منذ أكثر من نصف قرن، وكانت عبقرية الشعب المصري قد استطاعت تجاوزها واقعيا في الانتفاضات والإضرابات والهيئات والثورات، والدعوة لمحاربة الفاشية الدينية الآن وصولا للتخلص منها نهائيا وهزيمة الإرهاب المسلح والفكري لن تكون سببا في توقف نضال المصريين من أجل تصفية ترسانة القوانين المقيدة للحريات، في المستقبل القريب. وعلينا أن نتعلم من تجربة الديمقراطيات الأوروبية بعد إسقاط النظم الفاشية حين جرمت قوانينها ومحاكمها الدستورية قيام الأحزاب والمنظمات الفاشية والعسكرية، وألحقت أشد العقوبات علي ممارستها دون اعتبار ذلك عدوانا علي الحرية، إن الحرية مفهوم يسهل وضعه في أي سياق حتي لو كان فاشيا.

وتعلمنا تجربتنا الآن أن الفاشية الدينية التي نواجهها هي الاخطر لأنها تغسل عقول الفقراء واليائسين وتجندهم للأعمال الإجرامية، وهو ما يفتح مجددا ملف الإصلاح الديني والتنوير وتلك قضية أخري.

وأكرر إن محاربة الفاشية ليست عدوانا علي الحرية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق