أمينة النقاش تكتب : مصر ليست منقسمة

32

تساءل الدكتور «إبراهيم العيسوي» أستاذ الاقتصاد والسياسي المعروف معترضا، لماذا انتصر الجيش لكتلة من الكتلتين المتنافستين في الساحة المصرية، متجاهلا الأخري، وقال في مقاله يوم الاثنين في صحيفة الشروق تحت عنوان «الثالث من يوليو مدخل لأزمة جديدة»، أن الجيش رفض أن يقوم بدور الوسيط الذي يساعد في التوصل لحل يوفق بين رؤي الكتلتين المتنافستين بتقديم تنازلات متبادلة، واتهم الجيش بأنه وراء حركة تمرد التي ساندتها جبهة الإنقاذ التي شكلت في رأيه غطاء سياسيا لقيام الجيش بعزل مرسي، وإعلان خارطة طريق سبق لمرسي الموافقة عليها باستثناء شرط تنحيه عن السلطة، ووصف إبراهيم العيسوي الأزمات المتتالية التي دخل فيها المجتمع المصري منذ صعود الإخوان إلي السلطة، بأنها مختلقة، ودلل علي ذلك باختفاء أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء مثلما نشأت بالأمر المباشر بعد 30 يونيو من قبل معارضة وصفها بغيبة الإنصاف عنها، وفلول نظام مبارك في الداخل والخارج، لشيطنة التيار الإسلامي وشن ما أسماه حملات الكراهية ضده وإغلاق قنواته الدينية.

تلك هي الحجج التي يسوقها كل المؤيدين للإخوان ولأنصارهم من دعاة الدولة الدينية، وبينهم بطبيعة الحال «إبراهيم العيسوي» الذي يقرأ ما جري في مصر منذ 25 يناير 2011 قراءة تفتقد للموضوعية ولروح الإنصاف التي وصف معارضيه بالتخلي عنها.

فالحقيقة الموضوعية المنصفة تقول إن مصر ليست منقسمة بين كتلتين متنافستين، فلا وجه للمقارنة بين عدد الذين خرجوا للتظاهر في 30 يونيو والأول والثاني من يوليو، لتأييد مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة، وبين المعترضين علي هذا المطلب، فكل الجهات التي أعلنت الإحصاءات لأعداد المتظاهرين في القاهرة وعواصم المحافظات وقراها، تؤكد أنه لا وجه للمقارنة بين ما يسميهم «الكتلتين المتنافستين» بما في ذلك جوجل إرث ووكالات الأنباء الغربية والأمريكية.

وليس صحيحا أن الجيش لم يتوسط لحل الأزمة، لقد قدمت القيادة العامة للقوات المسلحة أكثر من عرض للدكتور مرسي قبل عزله لإحداث مصالحة وطنية، وللاستفتاء علي بقائه من عدمه، أو الاستجابة بإرادته لمطالب نحو ثلاثين مليون مصري بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة لكن الرئيس السابق رفض ذلك، بل إنه عرقل الحوار الوطني الذي دعت إليه المؤسسة العسكرية، بعد أن اعترض مكتب الإرشاد علي هذه الدعوة، والدكتور إبراهيم يتحدث عن مؤسسة الجيش وكأنها حاكم لمباراة كرة القدم، بينما هي مؤسسة وطنية منذ نشأتها في عصر محمد علي، تشكل العمود الفقري لأمن وسلامة هذا الوطن.

وعلي كل حال فإن خارطة المستقبل التي أعلنها الجيش ستكشف في النهاية أين هي الأقلية وأين هي الأغلبية في مناخ ليس به استقطاب للخلط بين ما هو سياسي وما هو ديني، وفي ظل تعديلات تتلافي العيوب الإقصائية القاتلة التي انطوي عليها الدستور الذي انفرد الإخوان وأعوانهم بوضعه.

حكم الإخوان سقط لأنه فشل في إدارة الدولة وعجز عن تشكيل حكومة كفؤة تدير شئون البلاد لقلة كفاءة مستشاريه، وقلة خبرة وزرائه، كما أن الدكتور مرسي لم يكن يحكم بل كان يتلقي تعليماته من مكتب الإرشاد، ولأنه استخدم كل الحيل لوضع دستور مؤقت يمنحه كل السلطات، ولأنه رفض إقامة سلطة الشراكة الوطنية التي وعد بها في حملته الانتخابية، وسعي لأخونة الدولة، وإقصاء كل التيارات المعارضة، ولم يحسب حساب أنه حاز علي 51% فقط من أصوات الناخبين، ولم يحسب حساب أحد عشر مليونا من أصوات الناخبين التي ذهبت لمنافسه الفريق أحمد شفيق.

وليس صحيحا الزعم بأن القنوات الفضائية للتيار الإسلامي قد أغلقت، فالذي تم إغلاقه هي القنوات الدينية التي أخذت تصريحا بنشر الدعوة وشرح أصول الدين فاشتغلت بالسياسة وأصبحت منبرا لبث الفتن الطائفية والمذهبية وتهديد المعارضين وغير المسلمين بالقتل والسحل، فالقنوات الدينية مثل المجد واقرأ وقناة أزهري مازالت تعمل وتبث برامجها سواء كانت مصرية أو غير مصرية، بل وأنشئت قنوات جديدة مثل قناة دريم الدينية، ولا يخفي علي أحد بطبيعة الحال مغزي قول د. إبراهيم إن قنوات التيار الإسلامي تغلق بينما تترك القنوات القبطية، وما يحفل به من إيحاءات طائفية بغيضة لا تليق بباحث وأستاذ اقتصاد في مقامه.

مصر ليست منقسمة بين «كتلتين متنافستين»، في مصر ثورة ساندها الجيش بعد أن كادت الدولة المصرية تنهار بفعل حكم فاشل سوف تكشف الأيام عن حجم فساده، وتفريطه في الأرض والعرض، وأزمات البنزين والكهرباء التي يشير إليها المقال اختفت لأن الأنفاق والمضخات وخطوط الغاز والكهرباء العابرة للحدود التي كانت تهربها وتنقلها، قد تم السيطرة عليها، وانتقلت الأزمة من القاهرة إلي غزة مع أن مبادئ الدين تدعونا إلي أن ما يحتاجه البيت، يحرم علي الجامع.

30 يونيو ثورة وليست انقلابا ولا أزمة جديدة، فالأزمة هي لدي الذين يقطعون الطرق ويكرهون الناس بحشدهم بأتوبيسات من الأقاليم للتجمهر في رابعة العدوية، ومن يدعمون قوي الإرهاب العالمي علي أرض سيناء ومن يعطلون مسار الحياة في أرض مصر.

الأزمة الحقيقية هي لدي من يزور الحقائق، ويخترع المبررات لحكم ديني فاشي، ثم يعتبر الثورة التي أسقطته انقلابا علي الشرعية الدستورية وعلي الديمقراطية.

الأزمة هي لدي الذين يرون القشة في عين معارضيهم ولا يرون العصا في أعينهم!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق