د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة في مواجهة التأسلم (13)

11

ونمضي مع قاسم أمين في كتابه الرائع «تحرير المرأة» ونمضي سريعا من المقدمة لنصل إلي رؤية صافية تربط بين وضع المرأة وأوضاع المجتمع السياسية والاجتماعية.. ونقرأ «وبعد أجيال من الاستبداد قام في الغرب نظام دستوري مؤسس علي أن الحاكم ليس له حق علي الأشخاص ولا علي الأموال إلا ما تفرضه القوانين.

لكن النظام الاستبدادي لم يزل سائدا في عديد من البلاد الشرقية، وهذا الاستبداد المزمن حصر وكأننا في مدار واحد بدون أن ننتقل من مكاننا، وما يهمنا هو التأكيد علي التلازم بين الحالة السياسية والحالة العائلية في كل بلد، ففي كل مكان حط الرجل من منزلة المرأة وعاملها معاملة الرقيق حط بنفسه وأفقدها وجدان الحرية، وبالعكس ففي البلاد التي تتمتع فيها النساء بحريتهن الشخصية يتمتع الرجال بحريتهم السياسية، فالحالتان مترابطتان ارتباطا كليا. وقد يسأل سائل أي الحالتين أثرت في الحالتين، أثرت في الأخري فنقول أنهما متفاعلتان وأن لكل منهما تأثيرا في الآخر، وبعبارة أخري فإن شكل الحكومة يؤثر في الآداب المنزلية والآداب المنزلية تؤثر في الهيئة الاجتماعية» ص(398)

انه مفهوم علمي يدرك وبوعي العلاقة الجدلية المتبادلة بين الظواهر الاجتماعية وتأثير كل منها في الآخر. ونمضي مع هذا المفهوم الراقي لنقرأ «انظر إلي البلاد الشرقية نجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه، انظر إلي البلاد الأورباوية تجد أن حكوماتها مؤسسة علي الحرية واحترام الحقوق الشخصية فارتفع شأن النساء فيها إلي درجة عالية من الاعتبار وحرية الفكر والعمل»(ص399)

ثم يقدم قاسم أمين نموذجا يستحق الاهتمام ونقرأ «ففي ولاية يومنج الأمريكية نالت النساء حق الانتخابات السياسية من سنة 1869 واني هنا أنقل رأي رئيس حكومتها المسيو شاميل جاهر به في خطبة ألقاها بعد سنتين من هذه التجربة فقال: «مضت سنتان والنساء بحكم القانون يستعملن حقوقهن السياسة فينتخبن نواب الأمة، ويجري انتخابهن ويجلسن في مراكز القضاء ويؤدين ما دون ذلك من الوظائف العمومية ومن العدل أن نعترف أن النساء قمن بهذه الواجبات الجديدة عليهن علي وجه من الرزانة وحصافة الرأي وسلامة الذوق لا ينقص عما يقوم به الرجال» ويتتبع قاسم أمين باهتمام هذه التجربة فيورد آراء حول الأداء النسوي بعد سنتين ثم بعد أربع سنوات..

ثم يصل في متابعته إلي أثر هذه التجربة في عام 1882 ويورد خطبة لرئيس الحكومة جاء فيها «إن يومنج هي المكان الوحيد الذي تمتعت فيه النساء بجميع الحقوق السياسية الممنوحة للرجال بلا أي فرق بين الصنفين، وهذا الإقدام من أمتنا التي أرشدها حب الحق والعدل إلي إصلاح خطأ طال عليه الزمن قد وجه أنظار العالم إلينا.. وإني أصرح بأن اشتراك النساء في اعمال الحكومة مع الرجال قد ترتب عليه أن القوانين أصبحت أحسن مما كانت عليه وأن عدد الموظفين الأكفاء وصل إلي درجة لم نعهدها من قبل وأن حالتنا الاجتماعية ارتقت كثيرا وهي الآن تفوق عما هي عليه في سائر الأماكن، وإن جميع المصائب التي كان البعض يهددنا بها مثل فقد النساء لرقة واضطراب نظام معيشتنا المنزلية لم نر لها أثرا إلا في مخيلات خصومنا، إن السواد الأعظم من نسائنا قدرن حقوقهن حق قدرها واعتبرن أن القيام بها واجب وطني. وبالجملة إني أقول أن تجربة إثنتي عشرة سنة مع هذا النجاح الباهر قد مكنت في عقولنا ونفوسنا أن مساواة المرأة للرجل مما لا يرتاب فيه».

(ص407) ويمضي قاسم أمين وكأنه – ويا للأسف- يلقن دروسا لمتأسلمي زماننا الملئ بالتشدد والتأسلم فينقل عن الكاتب الفرنساوي الشهير الذي قال في كتاب ألفه بعد زيارته لأمريكا في وصف حال نسائها ما يأتي «إذا زرت مدرسة عمومية وجدت البنات يدرسن مع الصبيان في مكان واحد والاستاذ الذي يلقي الدرس رجلا أو امرأة بلا فرق، وإذا دخلت معمل علمي وجدت بناتا محنيات الرؤوس علي آلة الميكروسكوب وبجانبهن شبان من طلبة العلم والكل منشغل بفحص مسألة من علم التشريح» (ص409)..

ويواصل قاسم أمين في تقديم نماذج ايجابية عن دور المرأة في بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأورباوية وهي نماذج تنسينا أنه يتحدث عن نهايات القرن التاسع عشر.. وتملؤنا بالحسرة علي حالنا نحن في زمان التأسلم البغيض وما يرددونه عن محاولات العودة بالمرأة إلي أزمنة العصور الوسطي، ثم نمضي مع قاسم أمين، وهو يتحدث بفهم علمي عميق عما أسماه مجمل تاريخ المرأة في العالم ليلخصه كما قال في كلمتين فيقول «عاشت المرأة حرة في العصور الأولي حيث كانت الإنسانية في مهدها، ثم بعد تشكيل العائلة وقعت في الاستعباد الحقيقي ثم لما قامت الإنسانية علي طريق المدنية تغيرت صورة هذا الرق وجري الاعتراف للمرأة بشيء من الحق، ولكنها خضعت لاستبداد الرجل الذي فرض عليها أن لا تتمتع بالحقوق التي اعترف لها بها ثم لما بلغت الإنسانية مبلغها من المدنية نالت المرأة حريتها التامة وتساوت في جميع الحقوق مع الرجل أو علي الأقل في معظمها. إنها أربعة أحوال يقابلها أربعة أدوار من تاريخ التمدن في العالم» (ص413).

.. ولقد تعمدت أن اقتبس عديدا من الاقتباسات ليس فقط لأكشف عن المفهوم العلمي الناضج الذي يقدمه قاسم أمين، بما يوحي أنه قد غير كثيرا عن كتابه الأول (المرأة الجديدة) وانه قد اصبح أكثر وعيا وأكثر فهما وأكثر شجاعة.. انما – ولعلي لا أخجل من قولها- لأن أوضاعنا الاجتماعية والسياسية واسلوب فهمنا للشريعة قد تردت خطوات واسعة إلي الخلف بحيث وجدت أنه من الضروري أن استعير من اسم أمين بعضا من كتاباته لعل الصامتين في أيامنا الحالية ينطقون والخائفين من النطق يخجلون، أما المتأسلمون فلكي أذكرهم أن هذه الكتابة الراقية والمتمثلة للفهم الصحيح لأدوات الارتقاء بحالنا والمتطلعة إلي مستقبل يليق بنا قد كتبت ونشرت منذ مائة وثلاثة عشر عاما.. وكانت سبيل لنهضة مصرية شامخة. ولأقول لهم التاريخ لم يزل يذكرنا باحترام عميق قاسم أمين أما متأسلمو زمانه فقد اختفت اسماؤهم من الذاكرة أو أصبح بالمجمل مجرد مادة للسخرية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق