عروض الكتب القديمة .. تاريخ التأليف وصناع الحضارة

48

بقلم : نبيل فرج

يقدر العمر الافتراضي للكتاب الجديد، في معظم دول العالم، بخمس عشرة سنة، بعدها لا يسأل أحد عنه في المكتبات، لأنه لن يجده إلا إذا بحث عنه في دار الكتب القومية، أو عثر عليه بالمصادفة في خزائن الكتب، أو عند باعة الكتب القديمة، علي الأرصفة والأسوار..

ومع هذا فإن الصحافة الأدبية والعلمية تشترط لعروض ومراجعات الكتب علي صفحاتها ألا يكون قد مضي علي صدورها أكثر من ثلاث سنين، أو سنتين في بعضها. وعلي النحو نفسه تأتي عادة شروط الاشتراك في المسابقات الخاصة بالتأليف.

وبذلك يضيع علي القراء من هذه العروض والمراجعات كتب ثمينة، غنية بمناهجها، تفيض بالحكمة والجمال ورؤية ما لا يري، لا يعلم أحد عنها شيئا، لأنه مضي علي صدورها أكثر من ثلاث سنين.

وهذا ما يجب أن نعيد النظر فيه، لأن المكتبة العربية زاخرة في تاريخها الطويل بالكتب القديمة الحية التي لم تفقد قيمتها في التعبير عن عصرها، ولاتزال إلي اليوم صالحة للقراءة والنقد، إن لم تكن لا تزال قادرة علي التفاعل مع الوسط الإنساني، بما تتضمنه من معلومات وفكر، بمثل ما هي قادرة علي تحرير العقل، وعلي أن تكون سفيرة لثقافتها في كل الاصقاع.

وأضرب مثلا بكتب كان لها دورها المؤثر في دفع التقدم والتطور «تحرير المرأة» لقاسم أمين،«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق ، «في الشعر الجاهلي» و«حديث الأربعاء» لطه حسين، «ابن الرومي» لعباس محمود العقاد، «عودة الروح»، لتوفيق الحكيم، «في الادب المصري» لأمين الخولي، «في الميزان الجديد» و«النقد المنهجي عند العرب» لمحمد مندور، «في الادب الانجليزي» للويس عوض، «في الثقافة المصرية» لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، «في الأدب المصري المعاصر» لعبد القادر القط، «في الروايةالمصرية» لعلي الراعي، «ثلاثية بين القصرين» لنجيب محفوظ «قنديل أم هاشم» ليحيي حقي، ومسرحيات «الناس اللي فوق» و«الناس اللي تحت» لنعمان عاشور، و«سقوط فرعون» و«حلاق بغداد» لألفريد فرج، و«الفتي مهران» لعبد الرحمن الشرقاوي، و«الفرافير» ليوسف ادريس و«مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، وديوان «مدينة بلا قلب» لأحمد عبد المعطي حجازي الذي لم يحفل بالعالم الداخلي للانسان، وظهرت فيه المدينة بصورة يغترب فيها الفرد ويفقد حريته.

وهناك عديد غيرها من النصوص المؤلفة والمترجمة، لرفاعة رافع الطهطاوي، وأحمد لطفي السيد، وإبراهيم المازني، وأحمد حسن الزيات، وإسماعيل مظهر، وأحمد أمين، وحسين هيكل، وسلامة موسي، وعبد الحميد يونس، وزكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، وفؤاد زكريا، وكامل زهيري، وثروت عكاشة، وسهير القلماوي، وبنت الشاطئ ورشدي صالح.. تستحق أن تراجع وتعرض لقراء هذا الجيل في مصر والأقطار العربية، بعد عشرات السنين من صدورها، حتي نتعرف من خلالها علي حياتنا ومجتمعنا وتاريخنا، في أصوله وآفاقه، ونتعرف علي مراحل النضال الوطني من أجل العدل والحرية.

ولأن التراث العربي القديم للسلف الصالح في العصور الزاهرة، الذي دعا للكشف والتأصيل، ساهم مساهمة فعالة في الحضارة الإنسانية، فأني لا استثني بالطبع من هذه الكتب التي تعرض للقارئ المعاصر كتب التراث التي دعت للعقل والحوار، لا للتعصب والانغلاق، وكانت تري أن تثيب المصيب علي صوابه وتعذره في خطأه، ولا تخلط بين الدين والدنيا.

ولو أننا تصفحنا جيدا هذا التراث في ضوء ما نعانيه اليوم بخصوص الحكم، سنجد أن درجة الوعي فيه وصلت حد إدراك أن انتخاب الشعب للرئيس يسقط إذا لم يرض الشعب عن ادائه، بصفته- الشعب- مصدر كل سلطة. وبناء علي ما يقوله الشرع في متونه، فإن من حق الشعب فسخ العقد الذي منحه الحاكم دون الرجوع إليه، بل ودون إبداء أسباب. وسند الشرع في هذا الإجراء المصلحة العامة، وتتضمن بالضرورة عدم الاضرار بغير المسلمين.

ولا تقل كتب علماء الجمال في الأهمية عن غيرها، لأن الثورات الإنسانية تولد من الفن والجمال، مثلما تولد من المضامين الإنسانية الملتزمة، ولأن ما يخدم الإبداع يخدم الوطن، ومن يجيد التعبير عن ذاته إنما يعبر عن الإنسانية برمتها.

وما ادعو إليه بهذه الكلمات هو فتح الباب علي مصراعيه، في الصحافة ومراكز البحث، أمام عروض ومراجعات الكتب، بألا تتقيد بتاريخ الصدور، لأن في القديم ما هو أهم من الجديد، وليس كل تحول أو تجديد أفضل من سابقه، حتي تتضاعف طاقة الاهتمام بالكتب، مستودع المعرفة والبوح، ويرد الاعتبار لتاريخ التأليف وصناع الحضارة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق