أدباء في قلب الحدث..أدب الثورات بين الانفعال المباشر والقيمة الفنية

24

تحقيق: سهام العقاد

أكد التاريخ علي مر الأزمنة المتلاحقة أن الأدب بكل ألوانه هو الباعث الأول للنهضة والحضارة معا، وأكد الناقد الانجليزي وليم هازلت “أن أدب أي أمة هو الصورة الصادقة التي تنعكس عليها أفكارها”. والسؤال: هل هناك أدب يصاحب الثورات؟ أم أن أدب الثورة هو أدب ما قبل الثورة الذي مهد لها؟

وما هي قدرة كل من الأدب والثورة علي التأثير في الأخر، وهل هناك أعمال أدبية ساهمت حقا في تفجير ثورة يناير؟

العواطف والانفعالات

يري الناقد الأدبي د. محمد فتوح أستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، أن الثورات لا تفرز من يتحدث باسمها إلا بعد مضي فترة من الزمن، لأن الأديب ما هو إلا كتلة من المشاعر و العواطف والانفعالات، فهو يمر بعدة مراحل ليعبر عن تلك الأحداث التي يمر بها الوطن، وعلي سبيل المثال الأديب توفيق الحكيم كان إبان ثورة 1952 في قمة تألقه الإبداعي، لكنه توقف عن الكتابة تماما لنحو أربع سنوات متصلة حتي كتب عمله المتميز “الأيدي الناعمة”، ما يدل انه كان في حاجة لتلك السنوات كي يتأمل الأحداث ويفهما حتي يستطيع التعبير عنها، كذلك الحال بالنسبة للأديب العالمي نجيب محفوظ، فقد صمت بعد ثورة يوليو تماما، وفي عام 1957 أنتج ثلاثيته الشهيرة بين القصرين والسكرية وقصر الشوق، مؤكدا أن الأديب لا يعتبر انعكاسا للواقع، بل هو في حاجة إلي تمثل الواقع، وذلك لا يتم في أيام أو شهور وإنما ربما يتطلب الأمر إلي سنوات.

خواطر أدبية

في حين يري الكاتب أحمد الخميسي أن أدب الثورة هو الذي أشعل القناديل وكافح في غمرة الظلام من أجل الثورة، مؤكدا انه لدينا الكثير من ” أدب الثورة “، لكنه ليس ذلك الأدب الذي ظهر عقب ثورة ” 25 يناير ” بل ذلك الذي ظهر قبلها ، أي الأدب الذي واجه بشجاعة ودأب ظلمة ومظالم ثلاثين عاما، وعري الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي رسخه نظام الحكم، بالتالي أدب الثورة هو أدب ما قبل الثورة. الأدب الذي مهد للثورة ، وشحن الشعور نحو الفجر، وطرح التساؤلات، والعذابات الروحية.

هناك أعمال مهمة تدل علي أدب الثورة مثل رائعة بهاء طاهر ” واحة الغروب ” وفيها يدق بهاء طاهر ناقوس الخطر محذرا من الخطر الذي يطبق علي مستقبل مصر في ظل الأوضاع التي كانت قائمة عندما صدرت الرواية عام2006، فيها حذرنا بهاء طاهر من مصير مؤلم، يحذرنا بعنف، لكي نفيق، وننتبه، ونتحرك. كذلك رواية ” أوان القطاف ” لمحمود الورداني ( 2002 ) والرؤوس التي بترت من مطلع التاريخ وانتهاء بشهدي عطية الشافعي ، ورواية ” طريق النسر” لإدوار الخراط ( 2002) التي عاد فيها إلي الخمسينيات ليقدم حلقة حزبية من طلبة وعمال يجرفها الشوق إلي الثورة والعدل، كذلك رواية محمد ناجي ” الأفندي ” ( 2008 ) التي عري فيها ناجي الواقع الاجتماعي والثقافي، عري مجتمع أصبح شعاره ” أدفع وافعل ما تشاء ” ، اقتل ركاب عبارة وادفع واهرب من الحكم ، ادفع الرشوة وقم بالاستيلاء علي الأراضي في أفضل المناطق، ادفع واهرب من المحاكمة ، إنه مجتمع كامل ، قام الأدب الحقيقي بتعريته . مؤكدا أن الأعمال الأدبية التي صاحبت ثورة يناير كالقصائد التي تفجرت في الميدان، والقصص والمسرحيات التي كتبت علي عجل، هي اقرب ما تكون إلي الخواطر الأدبية، ، فإن الأدب يتصدي لرصد الروح والتغيرات التي تطرأ عليها واحتمالات انفتاحها علي المستقبل، وهي مهمة بحاجة لاختمار من نوع آخر، وتتم بصورة أكثر بطئا، وقد نلاحظ أنه حتي الآن لم يكتب بعد عمل أدبي كبير يلم بكل أبعاد نكسة 67 ، ولا عمل أدبي كبير يلم بأبعاد حرب أكتوبر.

إنجيل الثورة

بينما رصد دكتور خالد عاشور في بحث مهم له حول الثورة وأدبائها تلك الإبداعات التي ظهرت عقب الثورة، مؤكدا أن كل ما كتب سواء شعرا أو نثرا يدخل في دائرة تسجيل شهادة الأديب إبداعا، بينما المستوي الفني يظل محل نظر.

ويري أن الشعر كان الأسبق في تسجيل أحداث الثورة حيث كتب جمال بخيت قصيدته الشهيرة «دين أبوهم» التي يتساءل فيها: دين أبوهم اسمه إيه؟ في سياق الحديث عن النظام السابق, وأي دين كانوا يعتنقونه وهم يفعلون بالبلاد وبالعباد ما فعلوه. ومثل ذلك فعل عبد الرحمن الأبنودي في قصيدته «لسه النظام مسقطش»، وقصيدته «الميدان».

كما تناغم الشعر مع مطالب الثوار، والتي كان علي رأسها مطلب الرحيل، فكتب أحمد فؤاد نجم قصيدة «دا شعب فقري» التي يقول فيها: «عايزين نجرب خلقة تانية/ ولو يومين»، وقصيدة «سيبنا وغور»، وكتب أحمد تيمور قصيدته التي حملت عنوان ديوانه «مصر تولد من جديد». وكتب الشاعر الراحل حلمي سالم في إطار توظيفه لمفردات الميدان والثورة قصيدة غزل في «سالي زهران» إحدي شهيدات الثورة في أيامها الأولي، وأصبحت ملهمة لجذوة الثورة وتواصلها، يقول فيها: “لو أني كنتُ رأيتك قبل يناير.. كانت أسرتني عيناك الصاحيتان..وخطفتني خصلات الشعر..المتروكة ببدائية”. وكتب حسن طلب ديواناً أعطاه عنواناً يشير به إلي إحدي مفردات الميدان اللافتة، وهي تآزر المسيحي والمسلم في هذه الثورة، فجاء العنوان: «إنجيل الثورة وقرآنها» في ثلاثة أجزاء شعرية.

كما أن الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي الذي انقطع عنه شيطان شعره عشرين عاماً متصلة، أراد اللحاق بهذا الحدث شعراً، فأصدر ديوانه الجديد «طلل الوقت» مضمناً إياه عدداً قليلاً من القصائد تحية للثورة والشهداء. وربما كان حدث الثورة سبباً في عودته للشعر أو عودة الشعر إليه.

فيما يخص الإبداع الروائي أشار د.خالد إلي انه صدرت عدة من مجموعات قصصية، مثل: مجموعة كرم صابر «الميدان»، ومجموعة هبة خميس: «من نافذة تطل علي الميدان»، ومجموعة طارق مصطفي: «الشوارع الجانبية للميدان».

ويبدو أن البعض ممن أراد أن يكتب عملاً سردياً طويلاً عن الثورة، لم يطاوعه القلم بسبب عدم تشكل نسيج روائي كافٍ لإنتاج رواية، فآثر أن يضع شهادته المؤقتة عن الحدث في شكل سردي أقرب إلي القصة، فجاء عدد من الأعمال التي أخذت شكل يوميات أو قصص من الميدان أو شهادات من قلب الحدث، أو رصد لبعض ما حدث خلال الثمانية عشر يوماً؛ صيغت في قالب حكائي دون أن تأخذ الشكل الفني للقصة.

فخ الاستعجال

كما يلحظ علي الإنتاج السردي -حسب د. خالد- أن بعضه وقع في فخ الاستعجال والمبادرة إلي «تسجيل» موقف فني من الثورة، و”توثيق” الحدث، دون إمهال للموضوع حتي يختمر. ويتم في هذه الروايات الزج بأحداث الثورة ووقائعها الحقيقية داخل النسيج الروائي بشخصياته وأحداثه المتخيلة علي نحو مفتعل، كما لجأ البعض إلي الخيال العلمي ليكتب أعمالاً تجري أحداثها في المستقبل القريب أو البعيد، وذلك مثل رواية محمد ربيع: «عام التنين»، ومثل رواية محمود عثمان: »ثورة 2053، البداية مرة أخري« التي تدور أحداثها في عام 2053، وهو العام الذي تندلع فيه ثورة شعبية عارمة تكون أدواتها إلكترونية أيضاً مثل ثورة يناير ولكن علي نحو أكثر تطوراً. وبطلها خالد حرفته الانترنت مثل ثوار يناير. وتسبق هذه الثورة ثورة العطشي نظراً لندرة المياه التي تحدث في ذلك الوقت، وإذا نظرنا إلي مطالب هذه الثورة سنجد أنها نفس المطالب التي ينادي بها الثوار الآن من محاكمة للقتلة والمفسدين والقضاء علي الفساد، وتعديلات في الدستور والقوانين الفاسدة. وتاريخ الثورة الجديدة كما تشير الرواية يتوافق مع مرور مائة عام علي تحول مصر من الملكية إلي الجمهورية، التي تعني حكم الشعب، وهو ما لم يحدث في نظر الكاتب، حتي بعد قيام ثورة يناير وما جاء بعدها.

وكذلك تفعل رواية عز الدين شكري – وإن اتسمت بقدر من النضج – فأحداثها تدور عام 2020، من خلال بطلها علي شكري الذي يقص لابنه في رسالة طويلة تشكل فصولُها الرواية كاملة ما جري قبيل الثورة وبعدها حتي ذلك التاريخ.

وأعتقد أن التعبير الأدبي عن ثورة يناير لازال في مرحلة رد الفعل المباشر، الذي يكتنفه عادة ما يكتنف رد الفعل من سرعة وانفعال وعدم اتزان، ولم يمنع ذلك من ظهور أعمال اتسمت بالنضج والاستواء رغم قرب المسافة بينها وبين الحدث، فاستطاعت أن تتجاوز »المناسبة« لتقدم عملاً يبقي بعدها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق