سيناء في الأدب المصري.. فضاءات المقاومة والحرية

14

تحقيق: عيد عبد الحليم

تكاد تكون «سيناء» حاضرة – وبقوة – في متن الأدب المصري الذي تم إنتاجه بعد هزيمة يونيو 1967، إما بالحضور المباشر أو في إطار رمزي، مغلف بمرارة الهزيمة وقسوة الانكسار، كأنها «الفردوس المفقود»، الذي راح الجميع يبحث عن أسباب فقدانه، في لحظة خاطفة وجارحة، ظل صداها يتردد في المخيلة الثقافية العربية لسنوات طويلة، وربما مازال أثر جرحها الغائر ينز بالوجع حتي الآن.

«سيناء» التي قال عنها «نيكوس كازانتزاكيس» في كتابه المهم «رحلة إلي مصر.. الوادي وسيناء»: «منذ سنوات وسيناء ذلك الجبل الذي وطأه الله، تلمع في ذاكرتي مثل قمة لا سبيل إلي الوصول إليها، البحر الأحمر، الجزيرة العربية، قافلة الجمال الطويلة التي تعبر الصحراء، الجبال الغادرة الوحشية التي أن فوقها اليهود بعد أن تاهوا في الصحراء أربعين سنة، وأخيرا ذلك الدير الذي بني فوق ذلك المرج المحترق الذي لم يفن ولم يهلك، هنا، يتجسد الهدف الذي كنت أحن إلي إنجازه طوال السنوات التي كنت أسير خلالها بغير هدي في المدن الكبيرة»، و«أنا أتجول عبر الصحراء، عند طرف سيناء، شعرت قلبي ينبض بشكل متناغم، ينبض بعناد كما يدق قاطع الحجارة علي الحجر».

وفي موضع آخر يقول «كازنتزاكيس»: «وأنا أعبر الصحراء في سيناء رأيت الخروج الإنساني الجديد، هذه الرؤية، وهذا الانعكاس للصحراء كان ينتصب أمامي، مثل كل التجارب المتحركة لرحلتي كلها عبر الشرق».

وليعذرني القارئ في إيراد هذه الجمل المعبرة للأديب اليوناني الكبير عن رحلته إلي سيناء في مطلع القرن العشرين، وكيف رآها واحة للأمن والأمان ومتسعا للمحبة، وللديانات، ولنري كيف رآها المبدعون المصريون والعرب بعد أن وقعت في يد العدو الصهيوني بعد نكسة 5 يونيو 1967، حيث أصبح حضورها في النصوص الأدبية أشبه بالطلل القديم الذي كان يتباكي عليه الشاعر العربي في العصور الأولي، حيث سادت حالة من الأسي والألم، وسيطرت مفردات الشجن علي أنماط الكتابة المختلفة، ففي الرواية وجدنا كثيرا من الروايات التي ظهرت بعد الهزيمة تتخذ من تيمة «الحزن» أساسا للكتابة بل إن بعضها اتخذت عناوينه مما حدث عنوانا لها مثل رواية «الحداد» ليوسف القعيد والتي صدرت طبعتها الأولي عام 1969.

وبعضها حاول تفنيد أسباب الهزيمة – بشكل فني – مثل رواية «في الصيف السابع والستين» لإبراهيم عبدالمجيد، وهي رواية تسجيلية حاولت أن تقول: ماذا جري؟ وما هي ملابسات النكسة، وإن كانت «سيناء» كمكان حاضرة داخل السياق السردي للرواية، فما حدث للجيش المصري من انهيار كان كارثة كبري، وربما كان الشعر كان أكثر الفنون تعبيرا عن لحظة ضياع سيناء ومن أشهر الدواوين التي ظهرت في فترة ما بعد 67 ديوان «هوامش علي دفتر النكسة» لنزار قباني وفيه يحاول «قباني» أن يكشف عن زيف الادعاءات التي كان يلوكها القادة العسكريون وقتها، فقد كشفت هذه الحرب أيضا عن قضية خطيرة للغاية خاصة بالعمل العسكري العربي في إطاره الجماعي، والذي تم بطريقة عشوائية ساعدت علي تمكين الجيش الإسرائيلي من احتلال الضفة والجولان وسيناء، وبحس الشاعر المعبر عن الوعي الشعبي كتب «نزار» هوامشه علي دفتر النكسة:

أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمة..

والكتب القديمة..

أنعي لكم

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة..

ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة

أنعي لكم

أنعي لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلي الهزيمة

ويقصد «نزار» بـ «الفكر الذي قاد إلي الهزيمة» تلك النظرة الاستعلائية لقيادة الجيش المصري في تلك الفترة، والتي كانت تري أن الجيش قادر علي التصدي لأي قوي خارجية دون أن تعمل علي تحديث إمكاناته وعلي حد تعبير الكاتب الراحل أمين هويدي – وزير الحربية بعد حرب يونيو رئيس جهاز المخابرات في عهد عبدالناصر – وأحد المتابعين للحدث عن قرب في كتابه «حرب 1967 – أسرار وخبايا»: «فإن ما تم من انهيار كامل لا يدخل تحت عامل المفاجأة، لأنه كان تفريطا في الأمانة واستهانة بمقدرات الشعب، فأي مفاجأة تلك التي ينجم عنها انهيار جيش لديه مئات الدبابات والمدافع وكأنها هياكل من ورق»، وقد لمس «نزار قباني» هذه النقطة حيث قال:

إذا خسرنا الحرب.. لا غرابة

لأننا ندخلها

بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها..

بمنطق الطبلة والربابة

ولعل من أكثر الشعراء المصريين الذين عبروا عن مشهد الهزيمة ومقتل الجنود المصريين في «سيناء» هو «أمل دنقل» خاصة في ديوانيه «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» 1969، و«تعليق ما حدث» 1972: ونجد أن الخطاب الشعري عند أمل في هذين الديوانين يصل إلي نوع من النقد الحاد المملوء بالمرارة واليأس أحيانا من مثل قوله:

إن الطوابير التي تمر في استعراض عيد الفطر والجلاء

«فتهتف النساء في النوافذ انبهارا»

لا تصنع انتصارا

إن المدافع التي تصطف في الحدود في الصحاري

لا تطلق النيران إلا حين تسير للوراء

إن الرصاصة التي ندفع فيها

ثمن الكسرة والدواء

لا تقتل الأعداء

لكنها تقتلنا إن رفعنا صوتنا جهارا

تقتلنا وتقتل الصغارا

أغنية لسيناء

وفي منتصف السبعينيات أصدرت جريدة «الجمهورية» ديوانا شعريا مشتركا تحت إشراف الشاعر الراحل محسن الخياط والذي كان مشرفا وقتها علي القسم الثقافي بالجريدة وجاء الديوان تحت عنوان «أغنية لسيناء» وضم قصائد لمجموعة من الشعراء منهم درويش الأسيوطي وصلاح اللقاني، ومن القصائد الدالة في هذا الديوان قصيدة «تراتيل السفر الثالث بعد الألف» لدرويش الأسيوطي وفيها يقول:

قدرا يا مصر/ يقول الرب/ أخرج من صلب ملوك الأبدية/ إنسانا/ يعرف كيف يكون الحب/ يعرف كيف تدور الحرب/ ولأني رب الأرباب – يقول الرب -/ أعطي سيفي في غمد الصبر/ لوليد ملوك الأبدية/ وحراب الآباء المنتصرة/ سمي يقتل ابني في «سيناء» المنتظرة/ شبح الوهم الجالس فوق صدور الخلق/ كيف يخلص تسبيح الضعفاء/ لله الواحد بالحق».

تراب الوطن

ولعل أشهر القصائد التي قيلت بعد حرب أكتوبر عن سيناء كانت قصيدتا صلاح عبدالصبور «إلي أول جندي رفع العلم في سيناء» و«إلي أول مقاتل قبل تراب سيناء»، ويعتمد عبدالصبور في هذين النصين علي تكوين صورة جمالية للحدث/ الانتصار وللمكان – أيضا – فيقول في القصيدة الأولي «إلي أول جندي رفع العلم في سيناء» والتي كتبت كما هو موقع فيها يوم 8 أكتوبر 1973 أي بعد بداية الحرب بيومين: تمليناك، حين أهل فوق الشاشة البيضاء/ وجهك يلثم العلما/ وترفعه يداك/ لكي يحلق في مدار الشمس/ حُرّ الوجه مقتحما/ ولكن كان هذا الوجه يظهر، ثم يستخفي/ ولم ألمح سوي بسمتك الزهراء والعينين/ ولم تعلن لنا الشاشة نعتا لك أو اسما/ ولكن، كيف كان اسم هنالك يحتويك؟ وأنت في لحظتك العظمي/ تحولت إلي معني، كمعني الحب، معني الخير/ معني النور/ معني القدرة الأسمي».

وفي القصيدة الثانية «إلي أول مقابل قبّل تراب سيناء» نجد مجموعة من الأسئلة العنقودية، الناتجة عن الفرح بالنصر الذي طال انتظاره، فهناك أسئلة عن أحاسيس ذلك الجندي وهو يغوص في رمال سيناء يحتضنها بشوق ولهفة يقول عبدالصبور وكأنه كان يتمني أن يعيش اللحظة بأن يكون مكان هذا الجندي: تري، ارتجفت شفاهك/ عندما أحسست طعم الرمل والحصباء/ بطعم الدمع مبلولا/ وماذا استطعمت شفتاك عند القبلة الأولي/ وماذا قلت للرمل الذي ثرثر في خديك أو كفيك/ حين انهرت تمسيحا وتقبيلا/ وحين أراق في عينيك شوقا كان مغلولا/ ومد لعشقك المشوب ثوب الرمل محلولا».

ست الحسن

أما الشاعر ماجد يوسف – والذي كان مجندا وقت حرب أكتوبر – فقد كتب عن تجربته هذه ديوانه الأول عام 1974 تحت عنوان «مسجل مستعجل من سيناء»، ويعتبر من شعر البدايات لذا لم تضمه «الأعمال الكاملة» للشاعر التي صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وإن كان ديوانه الثاني «ست الحزن والجمال» يتضمن بعض ملامح الديوان الأول حيث إن قصائده كتبت في نفس الفترة ما بين 1967 و1975، ومنها قوله: «أحلم في صدرك بالرضاع/ بالري بعد سنين عطش/ وابنش في صحرا محبتك/ عن نبع كان مليان حنان/ متشوقة لزمن السيول المغرقة/ فارس/ يبوسك/ يمنحك سر المطر/ يسحب من الأعماق – بحبه.. السم/ ويزيح الخطر».

وخلال العقدين الماضيين ظهر هناك جيل أدبي في سيناء كان من أهم أدبائه الذين بدأوا في النشر منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي الشاعر أشرف العناني والذي بدأ بتجربة شعرية تحت عنوان «عزف منفرد» فرق فيها بين قصيدة النثر والقصيدة التفعيلية، وتحضر سيناء في شعره – كمكان – في إطار رمزي، في حين نجد حضورها واضحا أكثر في نماذج شعرية لشعراء آخرين ممن يكتبون التفعيلة أمثال حاتم عبدالهادي السيد والذي جاء ديوانه الأول تحت عنوان «أرض القمر» ومعظم قصائده مكتوبة عن سيناء وهناك إشارة واضحة في العنوان حيث إنه مأخوذ من مقولة «أرض الفيروز» التي اشتهرت بها سيناء.

وهناك أيضا الشاعر صلاح فاروق وهو ناقد أيضا اهتم لفترة بقصيدة النثر وعاش لفترة طويلة في القاهرة ثم استقر في العريش، وهناك كذلك الشاعر عبدالله السلايمة، وهو شاعر عامية ويكتب القصة القصيرة أيضا.

أما الروائي مسعد أبوفجر صاحب رواية «طلقة البدن» فهو صاحب رؤية متميزة، وإن اشتهر خلال السنوات الماضية بكونه ناشطا سياسيا.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق