فريدة النقاش تكتب : وحيد حامد .. ما أجملك

11

في مسلسله الجديد «بدون ذكر أسماء» يضع الكاتب الفنان وحيد حامد بصمته مجددا علي حياتنا الثقافية والسياسية، ويبني دورا جديدا في عمارته الفنية الرائعة، فلطالما وقف «وحيد حامد» مع الراحل أسامة أنور عكاشة حارسين للجمال الفني وما سماه المسرحي الكبير نعمان عاشور الصدق الموضوعي الذي طبع الدراما التليفزيونية في مواجهة «الهلس» والتسالي العابرة لأنهما وجدا في التليفزيون أداة تثقيف وتنوير جنبا إلي جنب أدواره الترفيهية والاخبارية. فبدأ باختيار الاسم في هذا المسلسل الذي شاهدته مصادفة وهو اختيار حاذق يقول لنا منذ البداية أننا بصدد بطولة جماعية لطبقات شعبية تبرز في القلب منها الفئات المهمشة وكأنه كان يستشرف مستقبل ثورة 25 يناير الذي تجسد في موجتها الثانية في 30 يونيو 2013 و26 يوليو 2013 كموجة ثالثة، إذ لعب المهمشون في هاتين الموجتين دورا أساسيا حين خرجوا إلي الشوارع بالملايين وتخلوا طواعية في هذا الخروج الرائع عن سلوكياتهم المميزة كمشردين وضائعين وبلطجية، بل إن دافع الكرامة الإنسانية التي كانت هدفا من أهداف ثورة 25 يناير 2011 هو الذي حركهم إلي الشوارع والميادين مستجيبين لنداء الثورة ونداء حركة «تمرد» خارجين من بؤس حياتهم وضده. وقدم هؤلاء الهامشيون المطرودون من المراكز إلي الاطراف صورة جديدة لإنسانيتهم وحاجاتهم الروحية التي طالما أخفتها المظالم والاستغلال والاحتقار والنفي مما أنتج العاهات النفسية وحتي الجسدية.

وفي تصويره لعالم هؤلاء المهمشين من متسولين وعاطلين وأرزقية بحيث يتعاطف معهم المشاهد ويفتش مع المؤلف والمخرج عن معالم إنسانيتهم المهدرة في الحياة وفي الإعلام السطحي يؤكد «وحيد حامد» قاعدة فنية وجمالية طالما تجلت في الأعمال الإبداعية الكبيرة، تقول هذه القاعدة إن الممكن ليس خارجا علي الواقع، أو قادما من لا مكان فإذا ما ربطنا بين هذه القاعدة ووقائع الموجتين الأخيرتين من ثورة 25 يناير، سوف يكون بوسعنا أن نري هذا الممكن يمشي بيننا، كما أن هناك العامل الضروري الذي يؤدي إلي هذا التحول وهو التفتح البطئ للوعي الذي رأينا بوادره في إشارات ذكية هنا وهناك وتعرفنا علي بعض أسسه في علاقة الصداقة التي لا تبتغي شيئا بين شابين من الابطال.

يقدم «وحيد حامد» كما سبق أن قدم في أفلامه الكبيرة من «النوم في العسل» «للإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» وغيرها ما يسميه «جورج لوكاش» الكلية الاجتماعية في مجتمع ينهش رأس المال الطفيلي لحمه الحي بسلاسة وهدوء، ويلعب فيه من يسمون أنفسهم برجال الدين من الأفاقين والمرتزقة والدجالين أدوارا مؤثرة، بينما يعافر من أجل مواصلة الحياة صغار المنتجين مثل الحلواني الذي ينتجص بضاعته في بيته ويقوم بتسويقها هو وأسرته ، ولا نستطيع إلا أن نستخلص دلالة من هذاالاختيار تشير إلي الاقتناع الشعبي الذائع والجميل إن «اللي بني مصر كان في الاصل حلواني».. اللي بني مصر هو إذن شعبها من المنتجين في كل الميادين، البسطاء الكادحين الذين يمتد وجودهم علي أرضها في المدن والقري وفي الأحياء الهامشية في المصانع والمزارع والمكاتب.. وكان ذكاء المخرج تامر محسن هو الذي جعل مفتتح المسلسل صورة لجماهير غفيرة خارجة من مبني الجامعة في معني مركب للواقع وللمستقبل، وهو معني مستمد من الدور المحوري الذي لعبه الشباب في انجاز الثورة بكل مراحلها. تنهل مكونات هذه الكلية الاجتماعية من كل منابع المجتمع المصري وطبقاته من القاع إلي القمة، ولا تدهشنا هذه البساطة التي يتحول بها الشاب المثقف الجامعي المهندس الذي كان قبل أيام يبحث عن أي وظيفة ليصبح في غمضة عين ودون أي ندم تاجرا للمخدرات يتعامل مع عصابات كبري، بينما ينشئ سيادة «اللواء» شركة عابرة للبحار تعمل في كل شيء، إنه أيضا عالم البحث عن المال بكل ثمن وبأي ثمن، ولا ينسي «حامد» أن يعرج علي الفساد الصحفي ونقيضه في صورة الصحفية الشابة التي تؤمن برسالة، وتقوم بتعليم الفتاة الضائعة القراءة والكتابة.

كما يطل علي مسافر بعض رجال الأعمال في عالمهم المخملي الذي يتصورون أن أحدا لن يكشف خباياه، أو يتعرف علي مظاهر وعوامل تآكله وانحداره الروحي والأخلاقي.

يشكل هذا المنحي تكاملا في المعني لمجتمع هو من زمن تحول رغم كل شيء يبذر المؤلف بذوره بوعي في اطلالته العميقة علي عالم المهمشين حيث الاصداء البعيدة لعالم «أوليفر تويست» و«البؤساء» وإن أخذنا عليه أنه – حتي الآن- لم ينشئ أي علاقة بين المكونات المختلفة لهذا العالم، وكأننا بصدد مسلسلين لا مسلسل واحد، أحدهما يدور في عالم الكادحين والمهمشين وهم يصنعون الحياة والآخر يدور في عالم البزنس والجريمة. وأنا علي يقين أن هذا الانقطاع مقصود وعمدي في إشارة إلي انفصال العوالم الواقعي عن بعضها البعض، وهو ما سبق أن فعله «وحيد حامد» في مسلسل الجماعة حين دارت كل من الأسرة العصرية وجماعة حسن البنا كل في فلك، وفي الحالتين هناك ثغرة وغياب للمنطق لأنه انفصال يجافي الواقع.. ومع ذلك أقول لوحيد حامد .. ما أجملك.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق