وزير العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية المستشار محمد أمين المهدي للأهالي: الرئيس المعزول أوقع البلاد في فوضي دستورية وخرج علي الإطر الديمقراطية

23

اللجوء إلي السلاح لا يمارسه الفرقاء السياسيون لأنهم يستخدمون لغة العقل وليس القتل

حوار: سهام العقاد

< < أنه أحد أساطين القضاء المصري، ترأس مجلس الدولة والمحكمة الإدارية العليا، اتسمت أحكامه بالجرأة والقوة، ما أهله ليكون من أبرز أعضاء المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، اختاره بان كي مون سكرتيرا عاما الأمم المتحدة عام2007 في لجنة اختيار قضاة المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، وكان عضوا في لجنة التحكيم في نزاع طابا.. أصدر العديد من الأحكام القضائية المهمة التي أثارت الاهتمام في الأوساط القانونية والسياسية، لعل أبرزها هو عدم أحقية مزدوجي الجنسية والمتهربين من أداء الخدمة العسكرية في الترشح لعضوية مجلس الشعب، كما أصدر حكما بوقف تنفيذ وإلغاء قرار وزارة الثقافة بوضع هرم من الذهب فوق هرم خوفو إبان احتفالات الألفية الثالثة، كما أصدر العديد من الأحكام المهمة التي ساهمت في إرساء قواعد المسئولية الفردية الجنائية الدولية.. علي مدي تاريخه كان قدوة ومثالا ونموذجا يحتذي في الالتزام بالقانون والتقاليد القضائية الراسخة، وعالما في القانون وفلسفته، وإنسانا من طراز خاص في قمة التواضع والبساطة والاحترام، هو وزير العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، القاضي الدولي، المستشار الجليل محمد أمين المهدي، حفيد مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر المهدي العباسي.. حول فلسفته وتصوراته لوزارة العدالة الانتقالية، ورؤيته لما يدور في المجتمع كان هذا الحوار < <>> في البداية سألناه حول تصوراته للوزارة المستحدثة، ومفهوم العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية؟

> قال الوزير: إن مفهوم المصالحة الوطنية أبعد من الخلافات السياسية القائمة، وأبعد من التصالح مع فصيل سياسي، أنا أنظر إلي ثورة 25يناير والأوجاع التي كان يموج بها المجتمع المصري، والتي تراكمت حتي فجرت الثورة، وتلك الأوجاع تنبئ عن وجود مشاكل حقيقية يعاني منها المجتمع، ويجب أن يتم حلها في أسرع وقت ممكن، خاصة أن هذه الأوجاع تتعلق بالمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومنها علي سبيل المثال مشاكل أهل النوبة، مشاكل قاطني سيناء تحديدا فيما يخص قضية الجنسية، بالإضافة لمشاكل قاطني الصحراء الغربية، والعشوائيات التي اتسعت رقعتها حيث يقطن الملايين ممن يعيشون تحت خط الفقر، هناك العديد من الأزمات التي يموج بها المجتمع، ولا يمكن أن نتجاوز مرحلة الثورة دون حل لتلك المشاكل، وأؤكد أن المصالحة لن تتم إلا بمعالجة الاحتقانات بين النسيج الواحد، أي بين طائفتي الأمة. علي أن يكون هناك قانون يحدد قواعد بناء دور العبادة الإسلامية والمسيحية، لأن هناك حالة من الاحتقان والتمزق المجتمعي، لذا يجب أن نصل إلي مرحلة توازن يلتقط فيها المجتمع أنفاسه، حتي ننتقل من مرحلة الانتهاك لحقوق الإنسان إلي مرحلة التآلف والانسجام.

الشفافية المطلقة

>> كيف يتم ذلك؟

> كلنا نعاني من فساد النظام السياسي، تحديدا فيما يخص أنظمة الانتخابات التي تفرز مجالس لا تعبر عن إرادة الشعب، ولو أبقينا الحال علي ما هو عليه، سيعيد التاريخ نفسه، وستظل هناك مصادرة لإرادة الشعب، لذا يتعين علينا أن تكون الأولوية لإصلاح هذه المؤسسة السياسية التي تضع التشريعات التي تحكم المجتمع، خاصة أنه إذا كان هناك فساد في التشكيل، المؤكد أن هذا الكيان سيكون علي هوي الحاكم وليس هوي الناخبين، ما يؤدي إلي ظهور ترزية القوانين الذين يفصلون للحاكم ما يشاء، لذلك أري أن الأساس الأول هو حق المواطن في المساهمة في إدارة البلاد، وأن السلطات المنتخبة يجب أن تنتهج سياسة رشيدة تتميز بالشفافية المطلقة وتتيح حق المعرفة للمواطنين.

وبالتالي يمكن أن يتنافس الجميع ليأتي من يحكم مصر بقواعد الديمقراطية، أما الخروج عن الديمقراطية حتي لمن يتولي عن طريق ديمقراطي يتمثل في أغلبية الصندوق، فأنه يكون محكوما دائما بمراعاة أسس الديمقراطية، التي منها احترام حقوق الإنسان، الحق في المعرفة والاختلاف والمشاركة، فإذا ما صودرت تلك الحقوق علي نحو ما تم في السابق من إصدار إعلانات دستورية تحصن القرارات الصادرة من رئيس الجمهورية من أي رقابة كانت، الأمر الذي تضمن اعتداء صارخا علي استقلال القضاء، فضلا عن عزل النائب العام، وكل ذلك أوقع البلاد في فوضي دستورية، ومثل خروجا صريحا علي الإطر الديمقراطية، وعدم احترام قواعد وأصول الإدارة الرشيدة.

الهلال مع الصليب

أضاف الوزير يجب تقنين العملية السياسية من الألف للياء، وهذا الأمر يتطلب حزمة من الإجراءات والنظم التشريعية والفنية، أعني التدقيق والوصول إلي قاعدة بيانات الناخبين الحقيقية، وألا يكون هناك مجال للتلاعب في كشوف الناخبين، لذا يلزم التنسيق مع مصلحة الأحوال المدنية والتنمية الإدارية وصولا لخبراء الكومبيوتر، لضمان النزاهة.

يقول الوزير: أما الملف الثاني الذي تعكف الوزارة عليه، وهو في منتهي الخطورة والأهمية، لأنه يخص الوحدة الوطنية، وتقوية الأواصر التي تربط الوطن بمختلف طوائفه، متجاوزين المصالحات التي يغلب عليها المظاهر الاحتفالية، والاهتمام بالمصالحات الحقيقية.. كل ما أتمناه في هذا الشأن أن أعود بالمجتمع المصري إلي ما كان عليه إبان ثورة 19، وان نستعيد شعارات “عاش الهلال مع الصليب”، أملا في الوصول لبداية الطريق الذي يمكن البناء عليه.

التراث الحضاري

>> في تقديرك كيف يمكن أن تتم المصالحة بين مختلف أطياف الشعب، وهناك فصيل إرهابي يسفك الدماء ويشهر السلاح؟

> أقول إن المصالحة تكون بين فرقاء سياسيين، والفرقاء السياسيون لا يحملون السلاح، ولا يمارسون عنفا أو إرهابا، فالخلاف السياسي المسموح والمتعارف يسمح بتحالفات كلها في إطار قواعد حاكمة للنشاط السياسي، وذلك باليقين يخلو من استعمال العنف، لأنه إذا دخل العنف انتهت السياسة، إن اللجوء إلي السلاح لا يمارسه السياسيون، لأن السياسي يستخدم لغة العقل لا لغة القتل، ورأينا الملايين التي خرجت في 30 يونيو، لم تحمل سلاحاً بل حملت فكرا وإرادة ورغبة، لكن للأسف لم يتم الاستجابة لهم من قبل الإرادة السياسية الحاكمة وقتذاك.

للأسف هناك فصيل سياسي يلجأ إلي التهديد واستعمال العنف في مواجهة النظام المجتمعي، تمثل في حرائق، ونهب ممتلكات عامة، واعتداء علي مبان حيوية تعد من الآثار التي تميز مصر في العالم، وتدمير أكثر من 50 كنيسة، بل وصل الأمر لامتهان المتاحف وتدمير ما بها كما حدث في متحف ملاوي، وأري أن من يمارس تلك الأعمال يتعين ملاحقته جنائيا، لأن ذلك يعتبر تعدياً علي الشعب المصري، وهذا التراث هو ملك للعالم والإنسانية، وكل تلك الخروق تعد بمثابة خروج عن قواعد اللعبة السياسية، ولا يمارس تلك الانتهاكات سياسيون يهدفون إلي صالح وخدمة مصر وشعبها، خاصة وأن جميع الأحزاب السياسية في مصر يتمثل نشاطها في مراعاة الصالح العام الذي يتجاوز النظرة الضيقة الحزبية، إلي النطاق الأرحب وهو مصلحة الشعب، ونجاح الحزب أو فشله يعتمد في المقام الأول علي مدي استجابته لمطالب الشعب الحقيقية وآماله وطموحاته.

الإصلاح السياسي

>> يري البعض أن الإقصاء هو الحل؟

> أتصور من يلجأ إلي حمل السلاح، قد خرج عن قواعد اللعبة السياسية، ويجب التفرقة بين المحرضين علي ارتكاب أعمال العنف والإرهاب، وبين المغرر بهم، وهم في تقديري يمثلون الغالبية العظمي من تلك الحشود، لذا يجب أن تبذل كل الجهود حتي يعودوا لأحضان المجتمع، فيحتويهم بحنانه، حرصا علي عدم وجود شرخ في الوحدة الوطنية التي نحرص عليها جميعا.

كيف يمكن أن تتحقق العدالة في ظل التفاوت الطبقي، والوضع الاقتصادي الراهن؟

> هذا سؤال دقيق، في الواقع لقد تعهدت أن أحقق ما يمكن تحقيقه خلال تلك المرحلة الانتقالية، خاصة وأن كل الملفات المفتوحة لا تحتمل تأجيلاً، وأنا التزمت بتحقيق الإصلاح السياسي، لأنه من الضروري جدا الاطمئنان بوجود مجلس نيابي يعبر عن آلام وطموحات المواطن المصري، وتلك هي نقطة الانطلاق الأولي، في هذا المجال استعنت بمنظمات المجتمع المدني، والشخصيات العامة، وأساتذة الجامعات.

الأعراف الدولية

>> هناك اتهامات موجهة للحكومة الانتقالية بأنها ضعيفة ومرتعشة ولم تتخذ أي قرارات مهمة، كرفع الحد الأدني للأجور علي سبيل المثال؟

> ما نسب إلي الحكومة بأنها مترددة وليست حاسمة يعود إلي رغبة الحكومة في التمهل أولا في مواجهة من قادوا تلك الدعوات التكفيرية التي تحمل كل معاني الكراهية، فقد حرصت الحكومة علي استنفاد كل الطرق السلمية، وعندما تيقنت تماما من أنه لا حياة لمن تخاطب، قامت بالتصدي للإرهاب، في تصوري أن الحكومة لم ترتعش وإنما التزمت الحذر والروية علي أمل حسم القضية سلميا، وحرصا علي الأطفال والنساء، خاصة وأن وجود الأطفال في أماكن الاعتصام يعد بمثابة مخالفة فجة لكل الأعراف الدولية ولكل الاتفاقيات التي انضمت إليها مصر، فمن يستخدم الأطفال دون السادسة عشرة يعد بمثابة جريمة.. هناك العديد من الملفات المهمة المعروضة علي الحكومة، وقد كلف مجلس الوزراء لجنة لتحقيق العدالة الاجتماعية فيما يخص الحد الأدني للأجور، خاصة وان هناك إجماعا كاملا علي رفع الحد الأدني، لكن هناك دراسات تتم حول الآثار المترتبة علي ذلك، وكيفية التطبيق، نحن نحتاج لدراسات جادة، خاصة وأن مصر تشهد حالة من الركود الاقتصادي، ومن المحتمل أن يحدث تضخم، لكني أؤكد أن هذا الملف علي رأس أولويات الحكومة الحالية، وقريبا ستظهر نتائج ايجابية علي ارض الواقع.

>> باعتبارك أحد ابرز القضاة الدوليين، كيف تري الضغوط الدولية علي مصر؟ وإلي أي مدي يمكن أن تصل؟

> هذا أمر لا يزعجني إطلاقا، فمجلس الأمن يتشاور بالنسبة للأوضاع في مصر، ومما لا شك فيه أن مصر دولة محورية، فمن الطبيعي أن تنال هذا الاهتمام الدولي، وهذا بالطبع لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي، بل يجب أن نوضح الصورة الحقيقية لما حدث، وأن تتم توعية المجتمع الدولي عن طريق الإعلام المرئي والاتصالات السياسية بكل القوي الفاعلة في الخارج، حتي تتكشف الحقائق ويعرف الجميع أن 30 يونيه ما هي إلا ثورة شعبية مكتملة الأركان، وأن الجيش ينفذ إرادة شعبه في مواجهة العنف والإرهاب.. أنا لست متشائما، وهناك اختلافات جوهرية بين مختلف الدول، وأنا أقبل الاختلاف، وضد هذا التشنج لأنه يتنافي مع طبيعة العلاقات الدبلوماسية وميثاق الأمم المتحدة، إن تسوية المنازعات تتم بين الدول عن طريق سلمي، الحجة بالحجة، ويتم التفاوض بما لا يضر بالصالح القومي المصري.

جلباب البرادعي

>> في ضوء التحديات الدولية كيف قرأت استقالة البرادعي؟

> لا يمكن أن أضع نفسي في جلباب البرادعي، ولا استطيع الدخول في أعماقه، وأربأ به أن يكون عامدا إحداث هذا الموقف، ولا أظن أن مصرياً يمكن أن يتعمد إحراج مصر علي الصعيد الدولي، ربما لم يدخل هذا الاعتبار في حساباته، أنا كقاض لا أستطيع الاتهام دون دليل، قد يكون اجتهد فأخطأ، وقد يكون تكوينه المثالي تغلب علي تقيمه للواقع الحقيقي لهذا الأمر.

>> بصفتك حفيد شيخ الأزهر المهدي العباسي ما تقييمك لأداء شيخ الأزهر أحمد الطيب؟

> شيخ الأزهر عالم جليل، حريص علي الدور التاريخي للأزهر الشريف كأهم مؤسسة وسطية في العالم الإسلامي، ويهدف في الواقع إلي المصالحة الوطنية، وعلاقته وثيقة بالكنيسة، وقام بالعديد من المبادرات الصادقة، وكون ما عرف ببيت العائلة المصرية، وهو نموذج للتآلف والتآخي بين أطياف الشعب المصري.

>> أخيرا ما تقييمك للدور الذي لعبته حركة تمرد في الثورة؟

> حركة تمرد هي البطل الحقيقي لتلك الثورة، وقد استرشدت بالتجربة الرائدة للزعيم سعد زغلول حينما كان يفاوض بريطانيا العظمي، وقد خرجت الملايين وعبروا بسلمية مطلقة عن إرادتهم، لكن مرسي تعامل معهم باعتبارهم شوية عيال علي نهج “خليهم يتسلوا”، وتعامل بدون حنكة سياسية، وكانت السيادة أولا وأخيرا للشعب الذي خرج منه أكثر من 30 مليوناً في الشوارع، علما بأن المرشحين أحمد شفيق ومرسي حصلا علي 23 مليون صوت في الانتخابات، لذا كان علي القوات المسلحة أن تنحني للإرادة الشعبية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق