قراءة في مقترحات لجنة الخبراء : التعديلات الدستورية.. تؤسس لدولة دينية غير ديمقراطية

19

بقلم : حسين عبدالرازق

انتهت لجنة الخبراء العشرة من صياغة اقتراحاتها الخاصة بتعديل دستور 2012 – السلفي الإخواني – المعطل، وإحالتها للجنة صياغة الدستور المكونة من 50 عضوا.

وطبقا لما نشر في الصحف يوم الجمعة، فقد حذفت اللجنة 32 مادة من مواد هذا الدستور وعدلت 81 مادة وتركت 113 مادة كما هي!

في البداية اعتراض مبدئي علي تكليف اللجنة بتعديل دستور 2012 وليس صياغة دستور جديد، ويأتي هذا الاعتراض للأسباب التالية:

– قام بإعداد دستور 2012 جمعية تأسيسية باطلة خالف تشكيلها حكما ملزما للقضاء الإداري، وحكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون الصادر بمعايير تشكيل الجمعية التأسيسية، مما يترتب عليه بطلان دستور 2012، والقول بموافقة الشعب عليه من خلال الاستفتاء مردود عليه بأن الاستفتاء الشعبي لا يصحح البطلان.

– سيطر علي الجمعية التأسيسية التي تولت صياغة الدستور تيار فكري وسياسي واحد، مما أفقده الشرط الأساسي لشرعية أي دستور، وهو توافق كافة مكونات وأطياف المجتمع السياسية والمجتمعية والجغرافية.. إلخ.

– رغم أن خارطة للمستقبل الصادرة في 3 يوليو نصت علي تعطيل دستور 2012 وتكليف لجنة بتعديله، إلا أن الصحيح أن دستور 2012 قد سقط ولم يعد له وجود بعد ثورة الشعب المصري في 30 يونيو 2013 وانحياز القوات المسلحة للشعب وعزل رئيس الجمهورية وإسقاط حكم الإخوان وتكليف رئيس المحكمة الدستورية بتولي منصب رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة.. إلخ.

وفي ضوء هذه الحقائق فالمطلوب من لجنة الخمسين أن تتخذ في بداية اجتماعاتها قرارا واضحا بكتابة مشروع دستور جديد يعبر عن ثورتي 25 يناير و30 يونيو، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية حديثة.

أما بالنسبة للتعديلات التي اقترحتها اللجنة علي دستور 2012 فهناك أكثر من ملاحظة..

> الملاحظة الأولي تتعلق بالمادة (2) والتي تنص علي أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» والمادتان 3 و4 المرتبطتان بهما واللتان أبقت عليها كما هي باستثناء حذف الفقرة التي تقول «ويؤخذ رأي كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية» في المادة (4).

والإصرار علي النص في الدستور علي أن «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» هو إصرار علي تمييز اتباع دين سماوي معين – حتي ولو كان دين الأغلبية – عن أتباع الديانات السماوية الأخري، ويعطي مشروعية لأحزاب تقوم علي أساس الدين أو المرجعية الدينية، وتأسيس دولة دينية أو شبه دينية.

وقد تم إقحام هذه المادة علي الفقه الدستوري المصري في دستور 1971 من قبل الرئيس الأسبق »أنور السادات«، بعد أن رفض مشروع الدستور الذي صاغته اللجنة التي شكلها، وطرح للاستفتاء مشروع دستور آخر متضمنا المادة الثانية المشار إليها، وصدر الدستور الجديد في 11 سبتمبر 1971.

والنص علي أن »الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية« موجود في دستور 1923 الذي صدر نتيجة لثورة 1919 التي طالبت بالاستقلال والملكية الدستورية في (المادة 149)، وكذلك في دساتير ما بعد ثورة 1952 بدءا بمشروع دستور 1954 (مادة 195) ودستور 1956 (مادة 3) ودستور 1964 (مادة 5).

وبصرف النظر عن أن الدولة «كائن معنوي» لا يمكن أن تكون مؤمنة أو كافرة، فقد وصف الفقهاء النص علي أن دين الدولة الإسلام في دستور 1923 بأنه «مجاملة» من لجنة صياغة الدستور لدين أغلبية السكان ليس إلا.

ولكن النص علي أن مبادئ الشريعة الإسلامية »مصدر رئيسي للتشريع« طبقا لنص المادة عند صدور دستور 1971، ثم »المصدر الرئيسي للتشريع« في الاستفتاء علي تعديل الدستور عام 1980، فهي إضافة فرضها السادات كمناورة سياسية في المرتين، فخلال صراعه – بعد رحيل جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 وتوليه رئاسة الجمهورية – مع شركائه في الحكم من رجال جمال عبدالناصر ومعاونيه »علي صبري وشعراوي جمعة ومحمد فائق والفريق محمد فوزي.. إلخ« ومع اليسار الشيوعي والناصري والقوي الديمقراطية التي عارضت انقلاب القصر الذي قاده السادات في 13 مايو 1971 وأسماه »ثورة 15 مايو«، وتمسكت بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية المنحازة للطبقة الوسطي والطبقات الشعبية.. لجأ السادات للتقارب والتحالف مع الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية واستغلال المشاعر الدينية للمصريين، فأطلق علي نفسه لقب »الرئيس المؤمن« وأبرز في مقدمة اسمه اسم محمد ليصبح »محمد أنور السادات«، ودس هذه الفقرة في المادة الثانية من الدستور، وفي استفتاء 1980 عدل المادة لتصبح مبادئ الشريعة الإسلامية »المصدر« بدلا من »مصدر« ليمرر تعديل المادة الخاصة بمدد رئيس الجمهورية (المادة 77) ليطلق المدد بعد أن كانت محددة بمدتين فقط تمهيدا ليرشح السادات نفسه لمدة ثالثة، لكن القدر لم يمهله ليكمل مدته الثانية وتم اغتياله في 6 أكتوبر 1981.

وتتمثل خطورة هذا النص في إسقاطه شعار ثورة 1919 العظيم »الدين لله والوطن للجميع« وإدخاله الدين في السياسة والسياسة في الدين بما يضر بالاثنين معا، وهدم أسس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي ناضل الشعب المصري من أجلها ما يزيد علي قرنين من الزمان.

كما أدي هذا النص للتمييز ضد أقباط مصر وغير المسلمين عامة، وتقديم السند لصعود الأحزاب الدينية وقوي الإسلام السياسي ودعوتها لإقامة »دولة إسلامية« أي دولة دينية، وأن »تكون الشريعة الإسلامية مرجعا أعلي من الدستور«، وأن يتم عرض القوانين قبل صدورها علي هيئة من كبار العلماء لتري مدي إتفاقها مع الشريعة الإسلامية.

ويزداد الأمر خطورة عندما تفرض مسودة الدستور نوعا من الأحادية الثقافية، وهو ما دفع عمرو موسي وعدد من ممثلي التيار المدني في الجمعية التأسيسية للقول في مذكرتهم للجمعية »إن هذه المواد مجتمعية تثير القلق الشديد حول اتجاه النية لتغيير هوية المجتمع والدولة من الهوية المصرية الإسلامية متنوعة الثقافات والأديان المنفتحة علي العالم، إلي الهوية الدينية المتشددة، ومن دولة القانون إلي دولة ولاية الفقيه«.

ويصل د. محمد نور فرحات إلي نتيجة مهمة وحاسمة، وهي عدم جواز النص في الدستور كوثيقة قانونية كبري تحكم الحاضر والمستقبل البعيد علي الهوية بما يؤدي لإكساب الدستور طابعا عقائديا دينيا كان أو دنيويا.. »إن النص الدستوري علي الهوية أمر غير لازم وغير مطلوب في الدساتير الرشيدة.. فالهوية تمارس ولا تفرض بسيف القانون والدستور.. إن الطابع العقائدي للدستور أي تبني الدستور أيديولوجية مهيمنة أيا كان مضمونها من شأنه تحقيق نتائج تتنافي مع فكرة العمران الاجتماعي في الصميم: أولها إقصاء أصحاب العقائد الأخري من الحماية الدستورية، وثانيا تقييد الحريات العامة بحيث لا تتعارض مع التفسيرات العقائدية لأهل الحكم، وثالثا الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون بين أصحاب العقائد المختلفة، ورابعا فتح الباب واسعا أمام الاستبداد وتجنب نقد الحكام ومعارضتهم باعتباره نقدا ومعارضة للعقيدة التي تبناها الدستور، وتلك هي النتائج العملية التي أسفرت عنها فعلا جميع تطبيقات الدساتير العقائدية«.

ويشير د. نور إلي أن دساتير الدول الديمقراطية مثل الهند والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا تخلو من أي نصوص عن »هوية الدولة« و»مقومات المجتمع«.

بينما دساتير البلاد غير الديمقراطية سواء كانت دولا شمولية مدنية أو دولا شمولية دينية، تتحمل نصوصا تجبر المجتمع قسرا علي اعتناق نسق فكري رسمي واحد لا يسمح بالخروج عليه، لا فرق في ذلك بين دستور الاتحاد السوفيتي »السابق« حيث نصت مادته السادسة علي قيادة الحزب الشيوعي وهيمنة الماركسية اللينينية، ودستور سوريا في المادة الثامنة التي تتحدث عن قيادة حزب البعث وفقا لأهداف الاشتراكية العربية ودستور العراق »في عهد صدام« والكتاب الأخضر في ليبيا، ودستور إيران الذي ينص في المادة الثانية علي أن نظام الجمهورية يستند إلي الإيمان بالإله الواحد وسيادته وحقه في التشريع وضرورة الخضوع لتعاليمه وإلي الآيات المقدسة وإلي الرجوع إلي الله في الآخرة، ودستور المملكة العربية السعودية حيث تنص المادة السابعة علي أن يستمد الحكم سلطته من كتاب الله وسنة رسوله، وتنص المادة السادسة علي أن يبايع المواطنون الملك علي كتاب الله وسنة رسوله وعلي السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، والمادة 23 التي تنص علي أن تحمي الدولة عقيدة الإسلام وتطبيق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقوم بواجب الدعوة إلي الله.

حرية الصحافة

> الملاحظة الثانية – وهي متعلقة بالملاحظة الأولي – تخص المادتين 6 و11 المعدلتين فالمادة (6) والتي تتناول قيام النظام السياسي علي أساس تعدد الأحزاب، تسقط ما كان واردا في دستور 1971 من عدم جواز «مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية علي أي مرجعية دينية أو أساس ديني..»، وقد أدي إلغاء النص علي عدم قيام أحزاب علي «مرجعية دينية» في الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الأعلي للقوات المسلحة في مارس 2011 إلي توالد الأحزاب الدينية كالفطر تحت مسمي «أحزاب مدنية ذات مرجعية دينية».

أما المادة (11) والتي تتحدث عن أن الدولة تكفل «حماية الأمومة والطفولة ورعايتها، والتوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية» فسرعان ما تلغي كل هذه الحقوق عندما تقول المادة «دون إخلال بمبادئ الشريعة الإسلامية»، فالمعلوم للكافة أن هناك من يفسر الشريعة الإسلامية ومبادئها بما ينتقص من حقوق الإنسان ومن المساواة بين الرجل والمرأة خاصة في تولي الوظائف العامة ويميز ضد النساء.

> وتتعلق الملاحظة الثالثة بالصحافة والحق في الحصول علي المعلومات والوثائق، لقد طالبت نقابة الصحفيين عند صياغة دستور 2012 وكررت المطالبة عند تعديله بضرورة تضمين الدستور مواد تنص علي «استقلال الصحف وأجهزة الإعلام التي تملكها الدولة عن كل السلطات، وأن تكون ساحة للتعبير عن رأي كل الأحزاب والقيادات السياسية والمصالح الاجتماعية، وأن تدار علي أسس اقتصادية ومهنية سليمة».

كذلك النص علي أنه «لا يجوز توجيه الاتهام في جرائم النشر بغير طريق الادعاء المباشر، ولا توقيع عقوبة سالبة للحرية في هذه الجرائم باستثناء ما يتعلق عنها بالطعن في أعراض الأفراد والحض علي كراهية أي من طوائف المجتمع».

إضافة إلي النص علي أنه «للصحفيين والإعلاميين الحق في الحصول علي المعلومات والبيانات من مصادرها الأصلية، وفي مباشرة عملهم بحرية في مواقع الأحداث وذلك صونا لحق المواطنين في المعرفة، ويحدد القانون الجزاء المناسب لكل من يقوم بالحجب المتعمد أو التقصير في تقديم معلومات تقع في نطاق مسئوليته أو تكليفه».

والنص أيضا علي أنه «لا يجوز المساس بأصل الحق والحريات العامة التي يحيلها هذا الباب من الدستور «باب الحقوق والحريات» إلي المشرع لتحديدها أو تنظيمها، ولا يجوز الانتقاص منها، وتعطيل تنفيذها»، وكذلك عدم جواز مصادرة الصحف أو إلغائها بأي طريق.

وتجاهلت لجنة الخبراء هذه النصوص المقترحة تماما واحتفظت بمواد في دستور 2012 تهدد حرية الصحافة والإعلام في الصميم، مثل المادة التي تقضي بأن تمارس الصحافة حريتها في إطار المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع بالدستور وفي إطار قيمه وتقاليده، واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات الأمن القومي، «واضعا بذلك حرية الصحافة داخل مجموعة من الإطارات والعبارات المطاطة التي تفتح الباب واسعا أمام السلطة التنفيذية لكي تطيح بها، فضلا عن أنه منقول عن التعديلات التي أدخلها الرئيس السادات علي دستور 1971 عام 1980، في ذروة الصراع بينه وبين الصحافة..

وأبقت لجنة الخبراء كذلك علي النص الوارد في هذه المادة والذي يقضي بحظر وقف الصحف أو غلقها أو مصادرتها «إلا بحكم قضائي»، والذي أعاد بمقتضاه دستور 2012 عقوبة إغلاق الصحف التي كانت سارية في ظل قانون المطبوعات الذي صدر في عام 1881 لتحتل مكانها في الدستور وليس في القانون، بعد أن حظر دستور 1923 عقوبة إغلاق الصحف حظرا تاما، سواء بقرار إداري أو حكم قضائي، فضلا عن أن هذا النص يعيد عقوبة «تعطيل الصحف» أي وقف إصدارها لفترة محدودة والتي كانت واردة في قانون العقوبات كعقوبة تابعة في حالة الحكم علي رئيس تحرير الصحيفة أو ناشرها بالإدانة في بعض جرائم النشر، والتي ألغيت عام 2006 ضمن التعديلات التي أدخلت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك علي قانون العقوبات» كما يقول بحق «صلاح عيسي».

منطق الحزب الواحد

> الملاحظة الرابعة تتعلق بالإبقاء علي المادتين 51 و52 من دستور 2012، فهاتان المادتان والمتعلقتان بحق المواطنين في تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية والأحزاب السياسية وحرية إنشاء النقابات والاتحادات التعاونية، وتجيز «حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي»، وإذا كان مفهوما أن يصدر حكم بحل مجلس إدارة جمعية أو مؤسسة أهلية أو نقابة عمالية إذا خالفت القوانين، فلا يقبل أن يمتد الحل إلي الجمعية أو المؤسسة الأهلية أو النقابة العمالية، لأنه في هذه الحالة يكون الحل مصادرة لأصل الحق، ويبدو التقصد واضحا إذا قارنا هذا النص بنص المادة 53 الخاص بـ «النقابات المهنية» والذي قصر الحل علي مجلس الإدارة في حالة مخالفة القانون دون أن يمتد لحل النقابة ذاتها.

> الملاحظة الخامسة تتعلق بالمادة (76) المقترحة من لجنة الخبراء والتي تنص علي تشكيل مجلس الشعب من عدد لا يقل عن 450 عضوا، بعد أن كان النص في دستور 2012 (المادة 113) ينص علي عدد لا يقل عن 350 عضوا، فمن غير المفهوم المبالغة في عدد أعضاء المجلس وزيادتهم بـ 100 عضو، وعلي أي أساس جري تحديد رقم 350 أو 450 عضوا.

والأفضل الأخذ بالمنطق الوارد في مشروع حزب التجمع «مشروع دستور جمهورية مصر العربية» والذي نص علي أن يتألف مجلس الشعب من عدد من الأعضاء يمثل كل عضو 100 ألف ناخب.

> الملاحظة السادسة تتعلق بسلطات رئيس الجمهورية بصفته «رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية» وعلاقته بالحكومة «مجلس الوزراء» فالمادة 121 المقترحة من لجنة الخبراء تعطي لرئيس الجمهورية حق اختيار رئيس لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها علي مجلس الشعب خلال ثلاثين يوما علي الأكثر، فإذا لم تحصل علي الثقة يكلف رئيس الجمهورية رئيسا آخر لمجلس الوزراء من الحزب الحائز علي أكثر مقاعد مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته علي الثقة خلال مدة مماثلة يختار مجلس الشعب رئيسا لمجلس الوزراء ويكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة.

ومن الواضح أن اللجنة تصرفت بمنطق أن مصر لاتزال يحكمها حزب واحد وأن رئيس الجمهورية هو «حكم بين السلطات» كما كان ينص دستور 1971، ففي ظل التعددية الحزبية يقتصر دور رئيس الجمهورية علي تكليف الشخص، الذي يرشحه الحزب أو التحالف الحزبي الحاصل علي الأغلبية في البرلمان، بتشكيل الحكومة، وفي حالة عدم حصول علي أي حزب أو تحالف حزبي علي الأغلبية يكلف الرئيس مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة.. وهكذا.

والأخطر هي السلطات الممنوحة لرئيس الجمهورية في دستور 2012 بعد تعديلات لجنة الخبراء، فالرئيس هو رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية (مادة 114)، ويمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية ويبرم المعاهدات ويصدق عليها (مادة 126) وهو القائد الأعلي للقوات المسلحة (مادة 127) ويعين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعفيهم من مناصبهم (مادة 128) ويعلن حالة الطوارئ (مادة 129) ويختار رئيس مجلس الوزراء (مادة 121) وله دعوة الحكومة للاجتماع للتشاور في الأمور الهامة ويطلب من رئيس مجلس الوزراء ما يراه من تقارير (مادة 124) وله أن يلقي بيانا حول السياسة العامة للدولة أمام مجلس الشعب (مادة 125).

ورغم أن المادة 122 المقترحة من لجنة الخبراء تنص علي أن يتولي رئيس رئيس الجمهورية سلطاته بواسطة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء إلا أنها استثنت من ذلك ما يتصل منها بالدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية «والسلطات المنصوص عليها في المواد 97 و98 و112 و114 و121 و123 و124 و125 و126 و127 و128 و131 و132 و145 و147 و188»!

ثم تعود في المادة 123 لتجيز لرئيس الجمهورية تفويض بعض اختصاصاته لرئيس مجلس الوزراء أو لنوابه أو للوزراء أو المحافظين، وذلك علي النحو الذي ينظمه القانون.

ويلفت المستشار طارق البشري النظر إلي أنه مادام أن القانون هو الأداة التي تنظم التفويض فكيف يصدر قانون يجيز لرئيس الجمهورية أن يفوض ما ترك علي سبيل الحصر والتخصيص له سواء حل البرلمان أو تعيين عسكريين أو غير ذلك، مادامت هذه الاختصاصات مستبعدة مما يتولاه رئيس الجمهورية بواسطة وزرائه، بمعني أنه هل يجوز للقانون الذي تصدره السلطة التشريعية أن يجيز تفويض رئيس الجمهورية في سلطته المحتجزة دستوريا له، فيجيز التفويض فيها للوزراء والمحافظين؟! وإن كان كذلك فلماذا استبعدت هذه الاختصاصات مما يتولاه رئيس الجمهورية بواسطة وزرائه؟!

تمكين المرأة

> الملاحظة السابعة تتعلق بمواد غائبة كان مفترضا وجودها تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالمرأة.

مثل النص في الدستور علي تنظيم الاقتصاد القومي وفقا لخطة تنمية وعلي أساس العدالة الاجتماعية والحفاظ علي حقوق العمال والفلاحين وعدالة التوزيع ووضع آليات تتيح للدولة ضبط الأسعار ومراقبة الجودة والقضاء علي البطالة وربط الأجر بالأسعار وضمان حد أدني وحد أقصي للأجور، وأن نهر النيل وموارد المياه ثروة وطنية يحظر تحويلها إلي ملكية خاصة، والنص علي حرمة جسد الإنسان وحظر الإتجار بأعضائه، والحق في التعليم عالي الجودة ومجانيته في كل مؤسسات الدولة التعليمية، وحق كل مواطن في الرعاية الصحية وتأمين صحي اجتماعي عادل وشامل، والرقابة علي جودة السلع والخدمات وصلاحية المواد الخاصة بالاستعمال الآدمي، وكفالة حق العمل علي أساس مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والحق في أجر عادل وكاف يضمن للعامل وأسرته حياة كريمة، وحق كل مواطن في التأمين الاجتماعي بما يغطي حالات المرضي والإصابة والعجز والإعاقة والوفاة والشيخوخة والبطالة، ومد خدمات التأمين لصغار الفلاحين والعمال الزراعيين والعمالة غير المنتظمة، وحق كل مواطن في الحصول علي مسكن ملائم وآمن وصحي، ومياه نظيفة وصرف صحي ومصادر للطاقة، وغذاء صحي وكاف، وأن يكون لكل طفل فور ولادته الحق في اسم مناسب لا يسيئ لحامله وجنسية وأوراق ثبوتية مجانية، والحق في الرضاعة الطبيعية والتعليم المبكر المجاني، ورعاية ذوي الإعاقة صحيا واقتصاديا.

وتكفل الدولة خدمات الأمومة والطفولة الصحية والاجتماعية علي نفقتها، وتوفر للمرأة إمكانية التوفيق بين الواجبات الأسرية والعمل العام.

وتحمي الدولة المرأة من العنف بكافة صوره وتضمن لها ممارسة جميع حقوقها كمواطنة مصرية دون تمييز ضدها، وتوفر الرعاية الاجتماعية والاقتصادية للمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة، بما يكفل حياة كريمة.

وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لتأمين وتمكين المرأة المصرية من ممارسة حقوقها السياسية، بما يضمن لها حق تولي المناصب القيادية والوظائف العامة علي أساس الكفاءة ودون تمييز ضدها، ويضمن تمثيلها في المجالس النيابية والمحلية بنسبة لا تقل عن 30% وتلتزم الأحزاب السياسية بترشيح ما لا يقل عن 30% من النساء في قوائمها في الانتخابات النيابية والمحلية.

ولا تقلل هذه الملاحظات السبع من الجهد الذي بذلته لجنة الخبراء في تعديل وإلغاء مواد سلبية في دستور 2012، ولكنها تلقي بعبء كبير علي لجنة الخمسين في صياغة دستور جديد لمصر يؤسس حقا لدولة مدنية ديمقراطية حديثة، ويكون محل توافق مكونات وأطياف المجتمع المصري.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق