د. رفعت السعيد يكتب : وتحدث جمال الشرقاوي

68

علي عكس الكثيرين كان جمال يرفض أن يتحدث معي عن حياته وتاريخ نضاله، في كل مرة يبتكر سببا للإفلات، دون تفارقه الابتسامة الممزوجة بالخجل، كان واحدا ممن يعتبرون النضال عشقا داخليا لا يجب أن يتحول إلي كلمات يتباهي بها المناضل، عاشق أمعن في عشقه للوطن والمبدأ ويرفض الحديث عن هذا العشق، وأخيرا اعترف وقال العشق كالوردة إن قطعتها تبدأ في الذبول، لكنني قلت إنني أسجل للأجيال القادمة كي تتعلم وليس لكي تتباهي بما فعلنا.. فصمت ثم قال: انتصرت علي، وتحدث:

«أبي عامل بسيط، أتي من طنطا باحثا عن رزق في القاهرة، توسط له بلدياته البطل الأوليمبي سيد نصير فحصل علي وظيفة في مطار ألماظة، أقام هو وأسرته في شقة صغيرة فوق سطح عمارة فخمة في مصر الجديدة أغلب سكانها خواجات يونانيين وأرمن وأسرة واحدة مصرية قبطية، المنطقة جميلة بها مساحات خضراء كثيرة وأمامنا عمارة أكثر جمالا يسكن بها جنود إنجليز وأسرة اللواء محمود عكاشة والد د. ثروت عكاشة ود. أحمد عكاشة» (جمال الشرقاوي من رسالة خطية كتبها بناء علي طلبي).

وعندما يحين موعد دخول المدرسة اصطحبته الأم الأمية، سحبته من يده إلي أقرب مدرسة وكانت مدرسة إلزامية، وبعد سنتين نقلوا كل التلاميذ إلي مدرسة في صحراء ألماظة وكانت مدرسة مشتركة بنين وبنات وكل تلاميذها تقريبا من أبناء العاملين في مترو مصر الجديدة، الناظر والمدرسون أعجبوا بتفوق جمال وكان دائما «الألفة» علي الفصل، ونعود إلي رسالة جمال «قبل شهر ونصف الشهر من نهاية العام الدراسي الأخير في المدرسة استدعاني حضرة الناظر وقال لي: يا جمال أنت ولد شاطر ومتفوق، فهل فكرت ماذا سنفعل بعد انتهاء دراستك هنا؟ وكان السؤال أكبر من سني بكثير ولم أجب فقال: أنا والمدرسين بنحبك وعايزينك تتشطر وندخلك مدرسة المعلمين وبعد خمس سنين تتخرج مدرس زينا»

وفي اليوم التالي حضر أبي الذي لم يتعلم سوي فترة وجيزة في الكتاب ووافق طبعا، فقال الناظر: مدرسة المعلمين تشترط أن يكون الطلبة قبل قبولهم قد حفظوا بعضا من القرآن والأستاذ حسبو مدرس العربي سيقوم بتحفيظك القرآن.. ولشهر ونصف الشهر وتحت وطأة مسطرة الأستاذ حسبو حفظت ربع القرآن» لكن المصادفة وحدها أنقذت جمال من مدرسة المعلمين فأحد الجيران حصل علي شهادة الابتدائية في سنة واحدة ثم شهادة الثقافة في سنة تالية.. كانت اللغة الإنجليزية هي العقبة فأخذ درسا مقابل جنيه في الشهر مع الأستاذ أحمد المويلحي شقيق محمد المويلحي صاحب «حديث عيسي بن هشام».

ناظر المدرسة الأولية ظل يتابع خطي تلميذه فاستدعاه وأعطاه دروسا مجانية في العربي والحساب وامتحن جمال وحصل علي الابتدائية منازل عام 1948، لكن الأب عجز عن تدبير مصروفات المدرسة الثانوية، فظل عامين بلا عمل خلالها قرأ جمال كثيرا ثم وياللدهشة ألف رواية للسينما هو وصديق له، وأخذ يطرق بروايته أبواب أهل السينما حتي ساقته قدماه إلي الفنانة القديرة بهيجة حافظ التي طلبت منه أن يلازمها لتعلمه السينما وفي صالون بهيجة حافظ التقي جمال بالكثيرين وتعلم الكثير.

وفي هذا الصالون تعرف علي سامي الليثي المحرر الفني لروزاليوسف وأطلعه علي بعض ما يكتب فأخذه من يده إلي إحسان عبدالقدوس «وطلب مني إحسان أن أكتب أخبارا ونصحني ألا آتي بأخبار بايتة، وتجولت في الشوارع لألتقط أخبارا من هناك، لكنني وبعد فترة وجدت نفسي في الثامنة عشرة ولا أنا صحفي ولا أنا طالب، فتركت روزا ودخلت مدرسة راغب مرجان الليلية وكانت تدرس منهج السنوات الثانوية الأربع في سنة واحدة توظفت في مصلحة الضرائب ودبرت احتياجاتي ومصروف المدرسة وقفزت إلي التوجيهية في سنة واحدة» وقبل إعلان النتيجة قبض عليه أثناء تسليمه لفافة منشورات إلي رفيق آخر.

كان جمال قد أصبح شيوعيا، شارك في أنشطة جماهيرية كثيرة مع عديد من اصدقائه مصر الجديدة حتي أحضر أحدهم معه شابا نوبيا هو زكي مراد ومع زكي تفتحت أمامه آفاق وعي وجديد، وضوء جديد «وفي لقاء حزبي سألني مسئول هناك اتجاهان في التنظيم أحدهما ثوري والآخر انتهازي، انت مع مين؟ وطبعا قلت مع الاتجاه الثوري.. وأصبحت عضوا في الانقسام الذي قاده الرفيق بدر السكرتير العام والذي أسمي «حدتو – التيار الثوري». إنقسم جمال مع المنقسمين واعتبرها بعد ذلك غلطة عمره، وقرر أن يهب طاقته لتوحيد الشيوعيين، وظل يحاول ويحاول ويناقش وكأنه كان المبشر الوحيد بوحدة الشيوعيين، لكن التوحد لم يكن مجرد رغبة لأفراد وإنما قدرة علي التخلص من المناكفات المتراكمة والعداوات التاريخية، أسهم جمال في تحقيق وحدة الموحد، وتحمل عبء الدعوة لها خارج السجن وداخله، وعندما تمت الوحدة في 8 يناير 1958 كان لم يزل في السجن وإذ يفرج عنه في يونيو 1958 خرج وهو يحلم بانطلاقة كل الشيوعيين الموحدين في حزب واحد، لكنه صدم فقد كانت الوحدة شكلية.. توحدوا لكنهم كانوا يكبدون لبعضهم البعض وامتلأت الاجتماعات والجلسات الفردية بالنميمة، وحاول جمال عبثا.. لكن المشكلة لم تكن كبيرة في البداية فقد تم تنظيمه عضوا في لجنة قسم الزيتون وتضم الزيتون ومصر الجديدة والمطرية وكان كل أعضاء لجنة القسم من رفاق الحزب الشيوعي الموحد أي من تيار حدتو ولهذا لم تظهر مشاكل كبيرة باستثناء داء النميمة ثم كان إشهار الانقسام.

هو وجد نفسه في حيرة رفاقه القدامي انقسموا وهو عاهد نفسه علي عدم الانقسام فبقي مع مجموعة كانت تتشكك فيه وتلوك شعارات شديدة التطرف وتتهم كل رفاقه القدامي بأنهم انتهازيون وأحيانا يقولون إنهم عملاء، ونمضي معه في محضر نقاش «تواترت أنباء عن أن مجموعة ع. ف قد أخفت عددا من أعضائها ولم تسلمهم للحزب وبدأ الحديث عن مجموعة الشبح وكذلك فعلت منظمة الراية، كنت دوما ألح علي الوحدة الحقيقية دون جدوي ثم كانت حملة القبض في يناير 1959، أنا هربت وواصلت العمل في ظروف شديدة القسوة وجري تصعيدي إلي سكرتارية منطقة القاهرة حتي قبض علي في نهاية 1959، وعشت مرغما مع مجموعة تقتات الجمود العقائدي والعداء لكل ما له علاقة بحدتو، وعندما استشهد شهدي كنت في سجن القناطر فهذا الذي يصفونه بأنه يميني وعميل للسلطة يموت شامخا تحت وطأة التعذيب وهو يقول أنا شيوعي»، (محضر نقاش أجريته معه في 16 يناير 1985).

وبقيت مؤرقا وسط مجموعة لا أحبها ولا تحبني، وعندما خرجنا من السجن لم أشعر أن هناك رغبة حقيقية في إقامة تنظيم فعلي، ثم كان أن أعد تقريرا أعتقد أن كاتبه كان أبوسيف يوسف جاء فيه بعد تحية كفاح الشيوعيين التأكيد علي وحدة القوي الاشتراكية ثم قال بحل التنظيم المستقل كمساهمة في إقناع النظام بأهمية خلق هذه الوحدة، أنا طبعت هذا التقرير علي جهاز رونيو بدائي جدا، طبعت عددا محدود ا جدا من النسخ وزعت علي عدد محدود من الرفاق وعقد كونفرنس حضره فقط 9 1 رفيقا وصوتوا برفع الأيدي علي حل الحزب» (محضر النقاش).

وبعدها كان جمال الشرقاوي في جريدة الأخبار عندما أصبح خالد محيي الدين رئيسا لمجلس إدارتها، ولمع اسمه كصحفي قادر علي شن حملات صحفية من أجل موضوع مهم، ولمع أكثر في حملته حول زراعة القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ثم لمع اسمه أكثر وأكثر عندما أصدر أهم كتاب موسوعي عن حريق القاهرة، ثم مزيدا من التألق إذ يصبح مديرا لتحرير جريدة «الأهالي» في أوج مجدها، ثم مسئولا مع محمود أمين العام وماجدة رفاعة في إصدار واحدة من أهم المصادر الفكرية الماركسية وهي سلسلة قضايا فكرية، وهكذا وبدأب هادئ، وإصرار لا ضجيج فيه عاش جمال علي الدوام وهو يتنفس النضال الاشتراكي.. ولكن

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

مرض جمال ولم يزل، لكنه يظل مقاتلا بقلمه.. علي صفحات الأخبار وعلي صفحات «الأهالي»، ولم يزل قادرا علي الإبداع وعلي طرح قضايا الوطن لعل الناس تفيق.

عزيزي جمال سلامتك ألف سلامة، ودمت لنا.

>>>

وبعدها بقليل رحل جمال.. أكاد أراه يغمض عينيه مبتسما وراضيا عن نفسه وعما تحقق في 25 يناير و30 يونيو.. وراضيا عن حزبه وعن نضال زملائه ورفاقه معتزا بذات الابتسامة.. آسف لو آن موعد الرحيل.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق