عبرت تماثيله عن عنفوان الشخصية المصرية.. “عبد الهادي الوشاحي” بين الكتلة والمستحيل والتوهج العاطفي

15

تقرير: سهام العقاد

رحل المثقف والفنان التشكيلي النحات عبد الهادي الوشاحي، عن عمر يناهز 76 عاما، أثري خلالها بأعماله وفنه وإبداعه الحياة الثقافية والمتاحف والنوادي الرياضية والأكاديميات والمؤسسات الثقافية في مصر والعالم.

علي مدي أكثر من خمسين عاما، وهب حياته لخدمة الثقافة والإبداع، وعمل أستاذا للنحت بكليات الفنون الجميلة بالإسكندرية والقاهرة، خلال رحلته الفنية تم تسجيل اسمه في موسوعة كامبريدج البريطانية كأحسن نحات دولي لعام2001.

تنقل بين ايطاليا وأسبانيا والقاهرة، وحصل علي درجة الأستاذية من أكاديمية سان فرناندو للفنون الجميلة بمدريد عام 1978، وعاد بعدها للقاهرة حاملا معه رؤية فنية وخبرة واسعة، ودراية بكل التطورات التي جرت في الحركة الفنية العالمية، والتغييرات التي حدثت بها.

النحت الاغريقي

استطاع الوشاحي بإسهاماته المهمة أن يحدث نقلة نوعية في فن النحت، لذا قال عنه الناقد الإسباني «راؤل شقاري فيري» إن أعمال الوشاحي بكتلها الصرحية تشكل بلاغة وعضوية ومعمارية وكونية مثل أجزاء في النحت المصري القديم، كما تتسم أعماله بالدائرية في تناغم وفخامة النحت الإغريق.

البومة والحمامة

كشفت أعمال الوشاحي عن الانفعالات التي يموج بها المجتمع في القرن الحادي والعشرين، اتسمت أعماله بالعمق لما تحمله من دلالات ورؤي، وانسيابية وتوهج، لعل أبرزها تلك التي أثرت في وجدان المشاهدين، والتي عبرت عن قلق الفنان وانفعاله بما يحدث في الحياة، وهو ما أكده الباحث محمد كمال بأن الوشاحي نجح في التعبير عن نكسة 1967 من خلال عمله “الحمامة” المنفذ من خامة الجبس، وهو أول منتج نحتي له آنذاك ، حيث سعي به للارتقاء والخروج من الأزمة، لذا نجد هذا الطائر الوديع وهو يتحول إلي حالة العملقة، عبر صدره الممطوط، وجناحيه اللذين يشرعان في حمله للطيران إلي أعلي، رغم رأسه المنكسة إلي أسفل، مع ظهور الفجوات الغائرة نسبياً علي جانبي التمثال، ربما لتخفيف بعض الثقل البصري، بما يساعد الكتلة علي الإيهام بالصعود،.. والمدهش أن هذه الحالة المفعمة بلهفة العلو بعد الهزيمة، كانت علي النقيض من تمثاله “السقوط” ، والمبني عام 1965 من حديد وحجارة وأسمنت مباشر، وينذر بانهيار إنساني كامل، في ترميز سياسي مستتر، عكس تمثال “الحمامة” الذي يبوح برغبة وطنية عارمة في الخلاص من العار المباغت، وكرد فعل لمعطيات المرحلة يبدأ الوشاحي في انتقاء رمزي لمفرداته، مثلما ظهر في عمل “البومة” عام 1971، ورغم أن العنصر يمثل نذير شؤم في ثقافتنا الشعبية، لكن الفنان جنح لتفريغه تقنياً، ليبدأ في بناء أشكاله علي جسر شديد الحساسية بين الكتلة وفراغها المحيط، من خلال عملية نسج متبادل و محسوب رياضياً .. أما علي المستوي الضمني، فربما كان ينزع هنا لتصفية العنصر من الشر والشؤم الكامن بداخل ذاته الفردية والوطنية، وأن تلك الفتحات ربما كانت استهلالاً لجلب النور إلي منحوتات الوشاحي ، كمعادل روحي لحساباته العقلية الدقيقة، كما أن تمثال ” الدراجة ” الذي أنجزه أيضاً عام 1971، كان قد بدأ يستنفر بداخله الحد الأقصي من الطاقة الفاعلة التي بدت في الحركة الظاهرة للمنحوتة، حيث انصهر الراكب مع الدراجة في بناء نحاسي دائري متوحد عضوياً ، ومليء بالفراغات الجاذبة للضوء المتوهج الذي يحيط بالتمثال من كل جانب، وكأنه اغتسل بشلال من النور .. وقد نتأكد من هذا في تمثال ” المسيح ” المنفذ من خامة البرونز عام 1973، قبل تحقيق النصر في نفس العام الذي شهد أيضاً إنجاز تمثاله ” الملكة ” بعد العبور وتحرير الأرض، حيث تجاوز الوطن واحدة من أصعب عثراته التاريخية، لذا فقد بدت تلك الملكة الرمزية في حالة من الشموخ والعزة، وقد جلست تلك المرأة علي مقعد ضئيل الحجم ومحدود الطول، في إشارة لرفعة مكانة الوطن، وقد جاء رد الفعل في التمثال مصاحباً لفعل شعبي عام وقتذاك.

المرأة والبحر

لعل أهم أعمال الوشاحي هي ” الصرخة ” و ” الصمت ” ، حيث ظهر الأول كإطلاق لكوامن مكبوتة داخل الفنان، ساعدت علي تنقية الرواسب التي سكنته الفترة السابقة، فيما يطلق عليه الوشاحي نفسه ” الغسيل الوجداني”، أما الثاني فقد بدا فيه الفنان أكثر استشرافاً لغد مشرق علي ربوع البلاد، من خلال ذلك الإنسان الجالس علي مقعد صغير، واضعاً يديه علي ركبتيه، فارتفعت رأسه، وقد زادت الفتحات هنا في كل أرجاء الجسد، سعياً لسحب القدر الأكبر من الضوء المنير إلي ثنايا نسيج التمثال، تدعيماً لقنوات الاتصال مع ينابيع النور، وهو ما تكرر في تمثال” أميرة ” زوجته، انطلاقا من حالة ثبات روحي عميق.

بين كتلتين في عمل يحمل نفس الاسم، حيث بدت إحداهما وهي تخترق الأخري من عل، وبمرور الوقت تزداد رسوخاً تلك العلاقة الثنائية بين الكتلة والفراغ .. بين الأرض والسماء .. بين السقوط والصعود ، داخل دائرة يرنو فيها الفنان إلي طهر الإنسان ، وهو ما يظهر في أعمال متتابعة زمنياً ، مثل ” المرأة والبحر ” و”مواجهة” و” ذات السابعة عشر عاما”، حيث بدا فيها جميعاً التوق الواضح إلي الحرية والبهجة. لذا فقد كان منطقياً أن ينجز الفنان الكبير عبد الهادي الوشاحي رائعته ” إنسان القرن العشرين ” ، ليثبت ولاءه لهموم البشر، بعد أن أكد انحيازه لثقافة جموع الجماهير.

النحت والإنسانية

لعبت أعمال الوشاحي الفنية دورا مهما في التفاعل الثقافي بين مصر والعالم الأوروبي، سعيا لبناء ثقافة إبداعية خلاقة، شارك في العديد من المعارض المحلية والدولية المهمة، منها بينالي باريس الدولي، والمعرض العالمي للنحت في أسبانيا، وعرض ميلانو في إيطاليا، ومعرض ومؤتمر النحت الدولي بسان فرانسسكو، وبينالي الإسكندرية الدولي، وسمبوزيوم أسوان الدولي للنحت.

وهو مثقف ومبدع وطني تفاني في عشق الفن، وأخلص له ومنحه حياته ، فتجلت أعماله الفنية المتفردة، وأدرج اسمه في الموسوعة القومية للشخصيات البارزة، كما كتب اسمه في موسوعة أعلام الدقهلية، وعلي الصعيد العالمي تك تسجيل اسمه في موسوعة كامبريد البريطانية كأحسن نحات دولي لعام2001..

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق