فريدة النقاش تكتب : الريح في شراع العلمانية

21

اكتشف المصريون بعد عام ونصف العام من حكم الإخوان المسلمين أن الدولة الدينية هي وبال عليهم وقرروا ألا يستسلموا لها فقاوموا بكل ما أوتوا من القوة ونزل إلي الشوارع اعتراضا عليها ما يزيد علي ثلاثين مليون مصري ومصرية في الثلاثين من يونيه، ونزل مثلهم في السادس والعشرين من يوليو. كان المصريون يصوتون عفويا للعلمانية أي فصل الدين عن الدولة والسياسة والإبقاء علي الدين كشأن شخصي بين الإنسان وربه ولا يجوز لأحد أن يتدخل فيه، كما أن العلمانية تكفل حرية الدين وحرية الاعتقاد وتجبر الدولة علي أن تقف علي مسافة واحدة من كل الديانات والمعتقدات، وهي جميعا بديهيات جري طمسها حتي يتلاعب تجار الدين بالمفهوم باعتباره إلحادا.

وإزاحت هذه الجماهير الغفيرة وهي ترفض الدولة الدينية بعد التجربة المريرة كل المخاوف المزورة التي أثارتها الجماعات الدينية السياسية في نفوس المصريين حين ادعت أن العلمانية هي صنو الإلحاد ودعوة له. وكم من الكتابات سياسية وفلسفية كرست نفسها لدحض هذا الإدعاء، والكشف عن حقيقة الدولة الدينية ذات المضمون الفاشي بالضرورة، ولكن تأثيرها بقي ضعيفا أمام هوجة التزوير والإدعاء ولاذت العلمانية رغم الجهود الكبيرة التي بذلها باحثون ومفكرون وساسة بمراكز البحث والجامعات والأوساط الثقافية في عزلة شبه تامة عن الجماهير العريضة التي سرعان ما ردت لها الاعتبار دون أن تدري أنها تفعل ذلك برفضها للدولة الدينية.

ورغم أن المصريين متدينون منذ آلاف السنين فقد استقر في وعيهم الفطري أن الدين شيء والسياسة شيء آخر، ورفعوا الشعار العبقري في ثورتهم الوطنية الكبري عام 1919 الدين لله والوطن للجميع وحين فجروا ثوراتهم وانتفاضاتهم الكبري من 1935 إلي 1946 إلي 1952 إلي 1977 وصولا إلي ثورة يناير 2011 وموجتها الثانية في يونيه 2013 لم يرفعوا في كل هذا شعارا دينيا واحدا وتكاتفوا مسيحيين ومسلمين لإنجاز أهدافهم الدنيوية وهم يدمرون مؤامرات الاستعماريين والرجعيين لتقسيمهم علي أساس ديني. ويذكرنا موقف الولايات المتحدة الأمريكية في مساندتها غير المشروطة لحكم الإخوان المسلمين لمصر رغم صور الفشل المتلاحقة لهذا الحكم بما فعله الانجليز اثناء احتلالهم لبلادنا وعند كتابة دستور 1923 الذي جاء نتيجة لثورة 1919 وبعد الاستقلال المنقوص عام 1922، اتصل الانجليز بالشيخ «محمد بخيت المطيعي» مفتي الديار المصرية حينها واقترحوا عليه أن يطرح علي اللجنة- طبقا للدكتور عاصم الدسوقي- مادة تنص علي أن الإسلام هو دين الدولة فلما فعل لم يستطع أحد أن يرفضها أو يعلق عليها، وكانت المادة 149 أي في نهاية الدستور. وفيما بعد قال السياسيون والمثقفون الذين كتبوا الدستور حينذاك إنهم وضعوا هذه المادة من باب التحية لدين الأغلبية.

وفعل السادات شيئا مشابها حين أضاف إلي هذه المادة في دستور 1971 أن مبادئ الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع ولم يستطع أحد أن يعترض، وفي عام 1980 حين أراد السادات أن يغير الدستور ليطلق مدد الحكم للرئيس بدلا من دورتين كما كان ينص الدستور أجري تعديلا جديدا علي المادة الثانية ينص علي أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع استرضاء لجماعات اليمين الديني من إخوان وجهاد وجماعة إسلامية حتي يضمن تأييدهم لفتح مدد الرئاسة إلي ما لا نهاية ثم قتله إسلاميون بعد بضعة شهور من هذا التعديل بدعوي أنه يخالف الدستور ولا يطبق شرع الله.

كان استخدام الدين سياسيا والحاقه بالدولة هو إذن ناتج مجموعة من الألاعيب شاركت في صنعها الدوائر الأمبريالية التي كانت هي نفسها كدول قد فصلت بين الدين والدولة منذ زمن طويل . ولكن للأسف الشديد فإن مثل هذه الحقائق تغيب عن الجمهور العادي. والآن بينما الرياح في شراع العلمانية يحتاج المثقفون والساسة العلمانيون إلي شجاعة وإقدام في التواصل مع الجماهير العريضة التي أصبحت مسيسة حتي النخاع بعد أن كان الاستبداد والفساد قد دفعا بها إلي اللامبالاة وبعيدا عن السياسة لأنها أيضا لم تر أي جدوي من الاهتمام بها طالما أن حياتها لم تتغير والآن وقد بدأت الجماهير منذ 25 يناير 2011 مسيرة تغيير واقعها بنفسها دون أن تفوض أحدا، وعرفت أن خلط الدين بالسياسة هو كارثة كبري تعوق بناء مستقبل أفضل فإن شجاعة وإقدام المثقفين الآن مطلوبان لتنقية العلمانية من الشوائب التي لحقت بها زورا، والدفع باتجاه دستور علماني والكف عن استخدام مصطلح المدنية بديلا عن العلمانية لأن المتاجرين بالدين يستخدمون مصطلح المدنية في مواجهة العسكرية، ويدعون أنهم بذلك يكونون مدنيين،

آن الأوان أن نحول الوعي التلقائي الجنيني في أوساط الشعب بحقيقة العلمانية إلي وعي صريح مقاتل لا يخشي في الحق لومة لائم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق