الروائي السوري خليل النعيمي: السفر جزء من تاريخي الشخصي.. الإبداع الثوري المتعجل طفولة أدبية لا مبرر لها

13

حوار: عيد عبد الحليم

خليل النعيمي روائي سوري يقيم في باريس منذ أكثر من عشرين عاما حيث يعمل جراحا وطبيبا، مغرم بالمكان وسرد تفاصيل من خلال مجموعة من الأعمال السردية ومنها «الرجل الذي يأكل نفسه» و«الشيء» و«الخلعاء» و«القطيعة» و«تفريغ الكائن» و«دمشق 67» و«مديح الهرب» و«لو وضعتم الشمس بين يدي» وله أيضا في أدب الرحلة عدة أعمال منها «مخيلة الأمكنة» و«كتاب الهند» هنا حوار معه.

> أنت مغرم بالرحلة والتجول – فماذا أعطاك السفر وماذا أخذ منك؟

>> السفر موقف من الوجود، فمن لا يسافر لا يتحرك في الحياة وهو كتاب الكون الذي نقرأه بمتعة، يجعلنا السفر نتعرف إلي ذواتنا، إلي عوالمنا ويفتح أعيننا علي مساوئ النظرة الأحادية للعالم وللكائنات، وأكاد أقول إن من لا يسافر سيصاب بالعمي لأنه لا يعود يري إلا نفسه في محدودية عالمه اليومي، ولا أفهم جدوي التشبث بالأمكنة وبالحالات النفسية لأننا عندما نسافر نتخلل الجمود المسيطر علي حياتنا الداخلية وعلي إبصارنا.

والأهم من كل هذا أننا نغدو ديمقراطيين عندما نسافر، الاختلافات العظمي بين كائنات الكوكب الأرضي ومكوناته يحيلنا علي الفور إلي قبول الآخر المختلف عنا النظر إليه بإيجابية.

لا يكفي – إذن – أن نتعلم ولا أن نكون ذوي مهنة ولا أن نملك الثروات إن بقين ساكنين في أمكنتنا.

بالنسبة لي السفر جزء من تاريخي الشخصي لأنني ولدت باديا وعشت مترحلا وتعلمت من الأسفار منذ الصغر وأدركت أن الحياة بين موئل وموئل وبين إقامة وسكني تختلف جذريا وتصبح من هذه الزاوية مادة تعليمية وبعدا إنسانيا لا غني عنه.

> أنت مشغول برصد التفاصيل الإنسانية الصغيرة داخل رواياتك كيف تري قدرة هذه التفاصيل علي صنع سرد مغاير؟

>> السرد المغاير يأتي من التصور الشخصي للعالم حينما يكون مغايرا لأن السرد المغاير ليس تكنيكيا وتقنية روائية ولا هو تفاصيل ولا عموميات إنه وعي السارد عندما يواجه العالم، وأقصد بالعالم هنا ذاته الشخصية أو حياته الشخصية أو عالمه الشخصي وعالمه الأوسع الذي يحيط به.

وبالطبع فإن ملاحظتك صائبة أيضا لأننا لا نستطيع أن نحدث سردا مغايرا باعتمادنا علي العموميات أقصد بـ «الإيديولوجيا» و«المعارف السائدة».

كل ما نعرفه من عموميات هو مشترك بين الناس، ما هو مختلف جذريا هو تجربتنا الشخصية الحميمة، وهذه التجربة لا تعمم ولا تؤدلج، وإنما تستحق أن تكتب بنفس الجذرية والخصوصية التي عشناها بها.

الإشكالية الثانية في هذا الموضوع هي اللغة أقصد مدي استجابة اللغة لموضوع السرد، أقصد – كيف سيسيطر الكاتب بالأحري أو الروائي علي عامل اللغة؟، وكيف يكيفه مع تفاصيله اليومية الصغيرة والحميمة ليعطيها بعدا ملحميا يستحق القراءة.

لأن القراءة فعل إنساني عظيم وليس مجرد تسلية، وتاريخ الإنسانية الحديث كله هو تاريخ القراءة وليس تاريخ الكتابة.

> هناك حس فلسفي عميق نابع من خاصية «التأمل» التي تسيطر علي عوالمك السردية، فما المنابع الأساسية المشكلة لهذا الحس؟

>> لها منبع وحيد فقط هو الحياة وكل ما يأتي سيكون من قبيل التفاصيل لكن برأيي أنا التأمل هو حالة «ما قبل الوعي النهائي عند الكاتب».

لأن الحياة اليومية تأخذنا في طوفانها فلا نكاد نعثر علي علامات مميزة فيها، مع أنها مليئة بالعلامات، ونحن نحتاج إلي قدر من التأمل لكي نكتشف ما لم نكتشفه عفوا.

رؤية مختلفة

> في روايتك الأخيرة «لو وضعتم الشمس بي يدي» الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت تتحدث عن رؤية مختلفة للواقع الآني – وعلاقتك بالآخر فما أهم هذه التجليات؟

>> الكتابة دائما هي رؤية مختلفة لـ «الآن» والأساس في الكتابة الأدبية هي مقدار هذا «المختلف» وأنا أزعم أنني لا أحب كتابة «المثل» فهذه الرواية هي بتصوري تعبير آخر من جملة التعبيرات الكتابية التي مارستها ولازلت أمارسها منذ عشرات السنين وفي كل مرة تسمح لي الكتابة بأن أتقدم خطوة أخري علي طريق الوعي الشخصي أو المعرفة الخبيئة في الذات، أو بتحديد أكثر علاقتي «الأساسية» مع الأمكنة والكائنات.

فجوة هائلة

> يتحدث البعض عن وجود فجوة هائلة بين المثقف والجمهور، من وجهة نظرك.. ما الآليات لتجسير هذه الفجوة؟

>> أنا شخصيا أفضل البحث عن آلية لتعميق هذه «الفجوة» لأن دور الكاتب ليس هو المماثلة ولا الانقياد ولا التعميم وإنما التخصيص، والكاتب بقدر ما يكون «خصوصيا» بقدر ما يبتعد عن الأفكار السائدة.

وعلي أن أوضح فورا أن هذا لا يعني احتقارا للحياة العامة ولا تعاليا علي الناس، وإنما هو ضرورة الكتابة والكاتب، وأسمح لنفسي أن أتساءل خاصة وأنا أعمل جراحا.. لماذا لا نطلب من الجراح أن يجسر الفجوة بينه وبين الجمهور.

وأنا بإجابتي هذه لا أفهم تجسير «الفجوة» بمعني الاتصال والعلاقات مع الناس، أفهمه بمعني تجسير الفجوة في الوعي وهذا غير ممكن إذا كان ثمة تمايز بين وعي الكتاب «وليس كلهم» ووعي الجمهور.

> كيف تري ثورات الربيع العربي؟ ومدي تأثيرها علي العقلية العربية بشكل مستقبلي؟

>> الثورة العربية الكبري التي تحدث أمام أعيننا الآن شيء خارق وعميق، وهي ستنقلنا كما أتأمل من حال إلي حال لكنها لازالت في بدايتها، وستتم بالتأكيد، وليس بالمصادفة أن نفتح هذه الثورات البؤرية في العالم العربي القرن الواحد والعشرين، لأننا منذ العصور الوسطي لم نعرف ثورة حقيقية قبل هذه.

والحديث المبتسر عن أهمية هذه الثورات ومفعولها اللاحق لا مجال له اليوم، وإنما سنعرفه بشكل أعمق تدريجيا وفي المستقبل القادم.

> وأنت تقيم في باريس كيف تري الثورة السورية؟

>> الثورة السورية العظيمة هي الوحيدة بين ثورات الربيع العربي وهذا ليس تقليلا من شأن هذه الثورات التي اتسمت بطابع الثورة العنفي، وبآلياتها المتكاملة لأن النظام السوري الغاشم يجسد كل طغيان الأنظمة العربية الأخري، وهو عمل ويعمل منذ أكثر من خمسة عقود علي تفريغ الكائنات وعلي تفريغ الحياة السياسية والأدبية ولذا كان لابد لها من أن تتسم بهذا العنف والقسوة من قبل النظام المتسلط، وبكل هذه الشجاعة والتضحية من قبل الثوار الرائعين.

الثورة والكتابة

> هل عبرت عن الثورة السورية من خلال الكتابة؟

>> أنا لا أؤمن بزج الكتابة والإبداع الفوري في المحن الإنسانية، مع أن هذا ممكن، لأن الرواية ليست قصة عاطفية وليست مقالا صحفيا ولا رأيا شخصيا عابرا إنها كل هذا وأكثر منه بكثير.

ونحن لا نكتب تحت الطلب ولا علي الفور لأن الكتابة ليست ملاحقة لأحداث الواقع ولا هي تنبؤ بها ولا استشفافا لها، الكتابة هي «نحن»، هي حياتنا الشخصية في فترات أخري، وللأسف كثرت في الآونة الأخيرة في صحف عربية رصينة الدعوة إلي «إنجاز أدب ثوري» يربط الأدب بالثورة، وهو طفولة أدبية لا مبرر، ولن يستجيب لها أحد.

الثورة هي حياتنا نحن وتاريخنا الذي بدأ يتبدل أمام أعيننا اليوم وقبل أن نمسك بخيوط هذا التبدل نحتاج إلي زمن طويل.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق