العياط “قنبلة موقوتة” صنعها الفقر والبطالة وغياب الدولة..

37

أول ما دخلنا إلي البلدة .. قال لنا مواطن «عايزين حشيش»؟

الإخوان إستعانوا بالبلطجية لنشر الفوضي وترويع المواطنين

تحقيق:  خالد عبدالراضي

تدور عجلات الميكروباص مغادرة موقف المنيب في طريقها الي العياط، ليدور معها الكلام ويتبادل الركاب أطراف الحديث حول الأحداث الدامية التي شهدتها العياط مطلع الاسبوع الماضي، لتفتح أمامي نوافذ جديدة علي القصة وروايات لم ترو بعد، حول البؤر الإجرامية والبلطجة وتجارة المخدرات والسلاح التي تشتهر بها منطقة “الجزيرة” التي قالت عنها احدي الراكبات انها وكر البلطجة بالعياط والفاعل الرئيسي في المشاجرة التي نشبت بعد الاعتداء أحد أبناء عائلاتها، ليلتقط منها سائق الميكروباص طرف الحديث قائلا : “البلطجية نزلوا شايلين كل أنواع الاسلحة وأغلقوا العياط بالضبة والمفتاح في ساعتين وحرقوا المحلات والبيوت ونيموا الناس من المغرب”، وأضاف اخر مقاطعا السائق: ” الفقر والبطالة وعدم الأمن يعملوا اكتر من كده “.

روايات الركاب حول أحداث العياط وتجارة المخدرات والسلاح المنتشرة هناك جعلتني أشعر أنني في طريقي لمشاهدة النسخة الحية من فيلم “الجزيرة” للفنان أحمد السقا، وأجبرتني علي وضع هذا المكان علي رأس جدول زياراتي للعياط ، لنقل الصورة كاملة من بؤرة وصفتها وزارة الداخلية بإنها مؤهلة أن تصبح “كرداسة” أو “دلجا” جديدة يتحصن بها ويحركها عناصر من جماعة الاخوان المسلمين بهدف نشر الفوضي في المدينة وترويع المواطنين، كما كانت لدي رغبة شديدة في البحث عن الدوافع والعوامل التي حولت هؤلاء الي بلطجية يحملون السلاح في وجه الابرياء ويتاجرون في السلاح والمخدرات ويفرضون الاتاوات علي أصحاب المحال.

حمدالله ع السلامة يا حضرات… قالها سائق الميكروباص بعد وصولنا الي موقف العياط الواقع في قلب المدينة فقيرة المظهر، لأجد نفسي في سوق كبير لبيع الخضر والفاكهة ومختلف الاحتياجات اليومية لأهل المدينة، علي جانبي السوق الذي أحرق البلطجية عددا من محلاته منازل عشوائية بسيطة يدل مظهرها الشبيه بعشوائيات القاهرة علي فقر قاطنيها، ويرتدي أغلب سكان القرية الجلباب الصعيدي، وعلي الرغم من انتشار الـ”توك توك” في المكان كوسيلة تنقل داخلية لكن راكبي الحمير المحملة بالخضراوات يخترقون المشهد من حين لآخر بعد أن دبت الروح من جديد في سوق البندر الذي أغلق أبوابه بعد الأحداث.

علي مقهي مجاور لموقع الاحداث، التقيت أحمد العربي، أحد أهالي بندر العياط، الذي أكد لي ان المشاجرة بدأت بين شابين احدهما من عزبة “الغريب” والاخر من منطقة “الجزيرة” ويدعي “عبدة حشيشة”، وتطورت الأوضاع بعد قيام الأخير بالاعتداء بالضرب علي شقيق محمود محمد صلاح، الذي أحضر فرد خرطوش وقام بضرب “عبدة حشيشة” بطلقة في الصدر أودت بحياته علي الفور، مضيفا : بعد ذلك بدقائق قليلة وجدنا المئات من بلطجية “الجزيرة” حاملين الأسلحة النارية وفي طريقهم إلي منزل “محمود”، الذي فر هاربا وجميع أفراد أسرته، وعندما علم البلطجية بهروبهم قاموا بإشعال النيران في المنزل، ثم ذهبوا إلي المحل الخاص بهم بمنطقة المحطة وأشعلوا فيه النيران، وخرجوا الي شوارع العياط وأطلقوا النيران بشكل عشوائي وأصابوا محمود غويل، 25 سنة، وتوفي علي الفور، كما أصابوا اثنين آخرين بجروح خطيرة كادت أن تودي بحياتهم.

الضرب في المليان

ومن المقهي الي أحد المحلات التي أحرقها بلطجية الجزيرة، يروي لنا عامر عبدالمنعم اسماعيل ،52سنة، تاجر فاكهة، الذي تحطم محله خلال الأحداث، أن ماحدث لم تشهده العياط منذ زمن بعيد، حيث سيطر البلطجية علي العياط بكاملها واعتلي البلطجية أسطح البيوت والمساجد وأطلقوا النيران بشكل عشوائي علي جميع المارة وقاموا بتكسير المحلات وإطلاق النار علي واصابتي في قدمي، بالاضافة الي تحطيم قرابة 20 محلا ومقهي لا علاقة لها بالمشاجرة، كما قاموا باقتحام عدد من المحلات وسرقوا جميع محتوياتها من أموال وأجهزة.

وأضاف “عامر” أن هؤلاء هم من قاموا بحرق مركز الشرطة بعد فض إعتصامي رابعة العدوية والنهضة، بتحريض من عناصر إخوانية، بهدف نشر الفوضي في العياط وفرض الاتاوات علي أصحاب المحال، مؤكدا أن جميع العناصر الاجرامية المتورطة في الأحداث لم يتم القبض عليهم وأغلبهم يختبئ في عزبة “الباجة” ومعهم عناصر من جماعة الاخوان المسلمين مطلوبين أمنيا لتورطهم في حرق مركز الشرطة.

زعيم العصابة

روايات عديدة وسيناريوهات مختلفة تروي تفاصيل عصابة مسلحة سيطرت علي العياط في دقائق معدودة، لا ينقصها الا “زعيم العصابة” الذي كشف عنه محمد سعيد، 28 سنة، حيث قال: “قام البلطجية برئاسة زعيمهم مصطفي نادي مأمون الصقر الشهير بـ”درش”، 24 سنة، تاجر سلاح ومخدرات، وأحد أبناء الجزيرة بإطلاق النيران علي المارة والمنازل ومنعوا المواطنين من الخروج الي الشوارع والمدارس، وكان “درش” علي رأس ميليشيات الجزيرة ومحركها في هذه الأحداث “، مؤكدا أنه يمتلك كميات كبيرة من الأسلحة ومعروف لدي الاجهزة الأمنية، وكان يفرض اتاوات علي المحلات والباعة الجائلين من قبل، ويخشاه أغلب أهل بندر العياط .

الإخوان والبلطجية

ويري “سعيد” أن الإخوان لديهم رغبة في نشر الفوضي بالعياط ومختلف أنحاء الجمهورية، وان تطور المشاجرة بهذة الصورة ، واغلاق الاسواق والمدارس والحاق الضرر بأهالي العياط كافة، كان معدا له مسبقا، مؤكدا ان هناك سماسرة للبلطجية في العياط وتمت الاستعانة بهم في احراق المركز وان اغلب الوجوه التي شاركت في الاحداث الاخيرة، هم من قاموا بحرق المركز لاخراج الشرطة من البندر، وفرض الاتاوات علي اصحاب المحال وبيع المخدرات والسلاح .

إغلاق المدارس

فيما قامت زينب حسن، مدرسة اللغة العربية بإحدي المدارس الابتدائية بالعياط، بمنع أبنائها الثلاثة من الذهاب الي المدرسة حتي بعد انتشار قوات الأمن بالعياط، مؤكدة أنه في حالة انسحاب الامن ستتجدد المشاجرة وستكون عواقبها اكبر بكثير، خاصة بعد سقوط ثلاثة قتلي من عائلات كبيرة، وتحول المشاجرة الي ثأر بينهم ، موضحة أن الحياة في العياط متوقفة الي الان، وان أغلب أهالي العياط يمنعون أبناءهم من الذهاب الي المدارس، حيث ان نسبة الحضور في المدرسة التي تعمل بها لا تتجاوز الـ 50% حتي بعد انتشار الأمن في العياط، مطالبة وزارة الداخلية بحماية المنشآت التعليمية والصحية بالعياط من البلطجية.

غياب أمني

وشاركها الرأي عصام الملك، صحاب ستديو الملك الذي قام البلطجية بتحطيم واجهته، حيث يري أن غياب الأمن هو أحد أهم مشكلات العياط، في ظل انتشار البلطجة وتجارة المخدرات والسلاح، وان الاوضاع في العياط لا تحتمل غياب الامن اكثر من ذلك، مطالبا الدولة بإعادة النظر اليها وكل القري الفقيرة، التي يعتمد أهلها علي البيع والتجارة في كسب “لقمة عيشهم” موضحا ان الاحداث الاخيرة اجبرت البائعين واصحاب المحلات بالسوق علي اغلاق محلاتهم، ومنعت الموظفين والطلاب من الذهاب الي أشغالهم ومدارسهم، كما طالب “الملك” بتوفير الخدمات للمواطنين في العياط والاهتمام بالوحدات الصحية والمرافق، وتوفير فرص العمل للشباب لمواجهة خطر البلطجة والسرقة وتجارة المخدرات .

فقر وبطالة وتهميش

فيما أرجع عامر شحاتة، 38سنة، صيدلي، انتشار البلطجة في العياط الي غياب دور الدولة والفقر والبطالة التي تعاني منها العياط، وهو مايجعل الشباب يتجه الي بيع المخدرات والتجارة في السلاح، او ممارسة البلطجة والسرقة وفرض الاتاوات، مؤكدا أن الفقر هو العامل الاساسي الذي اسهم بشكل كبير في انتشار الجريمة بالبندر، وأرجع ذلك الي اهمال الدولة لهذه القري وعدم توفير فرص العمل لأهلها، بالاضافة الي نقص الخدمات وعدم وجود وحدات صحية آدمية تصلح لرعاية المواطنين، مضيفا : ” الحالات التي اصيبت في الاحداث الاخيرة نقلت الي مستشفي قصر العيني، والهلال بالقاهرة لعدم وجود مستشفي قريب يسمح باستقبال مثل هذه الحالات”.

زيارة للجزيرة

كانت “الجزيرة” هي البطل والمحرك الرئيسي للأحداث التي شهدتها العياط الاسبوع الماضي، ورغم تحذيرات الأهالي لنا من دخولها الا ان اصرارنا أجبرهم علي الاكتفاء بإعطائنا بعض النصائح والارشادات التي قررنا الاستماع لها وتنفيذها حرفيا، والتي كانت تنص علي عدم الكشف عن هويتنا الصحفية أو حمل الكاميرا والحديث مع أحد هناك حول الأحداث، وبالفعل قررنا الذهاب الي هناك لننظر نظرة الطائر علي أكبر أوكار السلاح والمخدرات.

كان سائق “التوك توك” هو دليلنا في زيارتنا للجزيرة، وفور دخولنا أول شوارعها بدأ السائق يشير لنا الي “دواليب” بيع المخدرات بالجملة، واماكن بيع السلاح ،ومنازل أكبر العائلات، وعلي الرغم من انتشار الأمن من جديد بعد الأحداث الاخيرة، فإن بيع المخدرات في شوارع الجزيرة لم يتوقف، حسب قول السائق، والذي أكدته صيحات بائعي المخدرات أثناء مرور التوك توك أمامهم : ” عايزين حشيش ؟؟ ” كما أن أصوات الطلقات النارية لم تنقطع منذ اللحظة الاولي من دخولنا الجزيرة وحتي غادرنا.

وصلنا الي مقهي الحاج إمام ، التي قال عنها السائق انها مركز تجمع البلطجية بالجزيرة، فطلبنا منه التوقف بالقرب منها وقررنا الجلوس فيها بعض الوقت لمتابعة مايحدث قبل ان نكمل جولتنا هناك ، وفور دخولنا الي المقهي لاحقتنا نظرات الموجودين بالمكان، الي أن جلسنا وطلبنا بعض المشاريب، ومن حولنا يجلس الشباب في تجمعات كبيرة، ويدخنون سجائر الحشيش التي تمر عليهم واحدة تلو الاخري، ويقف أمام المقهي أحد باعة المخدرات الذي يأتي اليه الزبائن ويبيع لهم المخدرات أمام أعين الجميع.

تدور الاحاديث من حولنا وتعلو الصيحات والضحكات وسط شبورة من الدخان، حول مواجهات مسلحة حدثت بالامس بينهم وبين قوات الأمن، بعد أن قامت الاخيرة باقتحام الجزيرة في محاولة للقبض علي العناصر الاجرامية المتورطة في الاحداث، وكيف تمكن بعضهم من الهرب بعد اطلاق الرصاص والقنابل علي الداخلية، وحول اعتلائهم اسطح المنازل واختباء اخرين مطلوبين أمنيا في “عشة الفراخ”، الي أن قام أحد الشباب ووجه حديثة الينا : ” انتوا منين يا رجالة ؟ “.

غادرنا المقهي وقررنا التجول في شوارع الجزيرة المتعرجة، لنجد أمامنا مدرسة إبتدائية مفتوحة الأبواب، يستخدم ساحتها شباب وأطفال الجزيرة للعب الكرة، وذلك لعدم وجود مركز شباب أو نادي قريب يمكنهم الذهاب اليه، بالاضافة الي عدم وجود وحدة صحية أو مستشفي قريب من المكان، وعلي طول الطريق تجد النساء والاطفال يحملون جراكن المياة التي يحضرونها من الترعة للاستخدام اليومي ومواجهة انقطاع المياه المتكرر .

حملات أمنية

انهينا رحلتنا في الجزيرة سريعا لنتمكن من التوجه الي مقر مركز الشرطة الجديد بالمدرسة الصناعية، الواقعة علي أطراف بندر العياط بالقرب من الطريق الزراعي، واستقبلنا هناك الرائد محمد مختار، رئيس مباحث الصف، الذي أكد لنا أن الحملات الأمنية مستمرة علي البؤر الاجرامية بالعياط، وان الدوريات لا تنقطع عن الشارع ليل نهار، وأنه تم ضبط العديد من المطلوبين أمنيا في أحداث العياط الأخيرة والبالغ عددهم حتي الان 11 متهما، بالاضافة الي الحملة الموسعة التي تشنها قوات الأمن لضبط الأسلحة، والتي اسفرت عن ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والبنادق الآلية والذخيرة التي سرقت من المركز، وذلك لتطهير العياط من البلطجية وتجارة السلاح والمخدرات. وكان السؤال الذي ألح علينا بعد هذه الرحلة في العالم السفلي تري هل الحل الأمني وحده يكفي؟

التعليقات متوقفه