في مؤتمر «ثقافة مصر في المواجهة».. تفعيل الثقافة الجماهيرية ودعم التجارب المستقلة

11

متابعة: عيد عبد الحليم

جاء مؤتمر «ثقافة مصر في المواجهة» مزدحما بالأوراق البحثية والتي حاولت الاقتراب من وضع تصورات لمستقبل الثقافة المصرية بعد الثورة، لكنها تظل تصورات نظرية، قابلة للتحقق بشرط السعي إلي تحقيقها في الشارع.

وربما هذا ما جعل د. صابر عرب وزير الثقافة يأخذ علي بعض المؤسسات التي كان من المفترض أن يحضر مندوبون منها المؤتمر مثل وزارة الشباب والتعليم والإعلام، حتي يشاركوا بفاعلية في المؤتمر، لأنها الوزارات المنوط بها تطبيق توصيات ومقترحات المؤتمر، وإلا ستظل هذه الأفكار حبيسة الغرف المغلقة.

أكد الروائي بهاء طاهر أن المؤتمر يأتي في لحظة نادرة من تاريخ مصر الحديث، بعد أن تم التخلص من جماعة ظلامية كانت تريد لمصر أن ترجع إلي الخلف.

فيما أشارت د. سحر الموجي.. والتي ألقت كلمة المشاركين إلي الدور الذي قامت به الثقافة المستقلة منذ عام 2005 من خلال الفرق المسرحية المستقلة والفرق الغنائية والجماعات الأدبية المستقلة، هذا الدور الذي مهد للثورة المصرية بشكل حقيقي وعقلاني.

وتساءلت د. سحر قائلة: هل يظل دور وزارة الثقافة – في الفترة القادمة – مقصورا علي الإنتاج الثقافي الرسمي؟ أم سيتغير – قليلا – لتمويل ورعاية الثقافة المستقلة أيضا؟

ضد التهميش

وقد شهد المؤتمر عدة جلسات منها جلسة تحت عنوان «دور الثقافة في مواجهة تهميش الفكر والإبداع» وأدارها المخرج مجدي أحمد علي، وتحدث فيها الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، ود. صلاح قصنوة ود. عمار علي حسن ود. محمد عفيفي.

حيث أكد حجازي اعتراضه علي اسم الجلسة نظرا لأنه يري الفكر والإبداع كان دائما في المواجهة ليس في هذه اللحظة فقط، بل علي مدار التاريخ، وأن المفكرين والمبدعين لعبوا دورا محوريا في بناء الوعي خلال السنوات الأخيرة، وكانوا أحد أسباب الدفع الحقيقية للثورة المصرية.

وتحدث د. محمد عفيفي – رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة – عن مستقبل الثقافة داعيا حكومات ما بعد الثورة إلي النظر في إصلاح المنظومة التعليمية والثقافية، وتوفير القدر المناسب من الميزانية العامة للدولة لصالح التعليم والثقافة، وتشجيع المبادرات الفردية ودعم الإبداع والمبدعين، فضلا عن استقلال الجامعات استقلالا حقيقيا حتي لا تتحول الجامعات إلي مسخ متشابه.

وأكد د. صلاح قنصوة في بحثه «ثقافة مصر في المواجهة» أنه لابد من الإقرار بأن النظام السياسي هو حاضن الثقافة فهو المتغير المستقل الذي يهيمن علي جميع المتغيرات التابعة في مجمل الثقافة بمعني ساحة الفكر والإبداع.

ففي الوقت الذي انزوت فيه شجرة الثقافة العربية الإسلامية ازدهرت البذرة التي عبرت الجانب الآخر من العالم الإسلامي لتثمر في تربة النهضة الأوروبية وعصر التنوير، حيث رحبت بها الحاضنة الثقافية الفتية الجديدة، وأينعت ثمارها في الثورة الفرنسية التي نقلت الحملة الفرنسية بعض رموزها في نهاية القرن الثامن عشر، فأصابت البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تغيرات عميقة، ولكن ليس عن طريق التأثير المباشر للحملة الفرنسية.

وأضاف د. قنصوة أن السلطة قبل محمد علي كانت تستمد مشروعيتها من فكر ديني راكد ومن ثم نشأت الحاجة إلي مصدر آخر للمشروعية، وهي التي بدأها محمد علي بتحطيم التوازن القديم بين سلطة علماء الدين الأزهريين وسلطة المماليك.

وعندئذ وقع الانقسام الثقافي لأول مرة عندما حدثت الفجوة بين الوعي الذي كان سائدا وهو ما يمثله علماء الدين وبين التغيرات البنيوية الجديدة، ومن ثم كان الوعي السائد في غياب وعي جديد بهذه التحولات المباغتة، وعيا بمصالح سابقة ولي زمانها وظل هذا المنهج لفترة من الزمن.

وأشار د. قنصوة إلي أن «السادات» عندما اعتلي السلطة حاول إقصاء المثقفين وأن يؤلف أنصارا جددا ضد اليساريين والناصريين، وصنع علي عينيه جماعة الإسلام السياسي وأفسح لهم الطريق إلي المناصب والغلبة حتي قضت عليه.

الدولة المدنية

وفي الجلسة المعنونة بـ «دور المثقفين في إرساء أسس الدولة المدنية الحديثة» تحدثت د. مني طلبة مؤكدة أنها تفترض تصورا استراتيجيا جديدا لدور المثقفين في مجتمع ما بعد ثورة يونيه، تصور ينقلب علي التصور النخبوي الموجه لصالح دور معرفي استقرائي للثقافة المصرية الواقعية للاقتراب من نبض الشارع.

ومن أكثر الجلسات فاعلية الجلسة التي حملت عنوان «تفعيل دور الثقافة الجماهيرية» وشارك فيها عدد من الباحثين منهم حمدي أبوجليل وفاطمة المعدول وعبير علي وقاسم مسعد عليوة وناصر عبدالمنعم وإيهاب عبدالحميد.

أكدت المخرجة المسرحية عبير علي أن هيئة قصور الثقافة تشكل جزءا مهما وحيويا ولامركزيا ومنتشرا في أقاليم مصر ممثلا لوزارة الثقافة المصرية ومنفذا لسياساتها الثقافية، ومقدما للخدمة الثقافية لجميع المصريين.

وطالبت عبير بضرورة وضع خطط وبرامج تدريب وورش لتطوير مبدعي الأقاليم مهنيا وفكريا، لكن الصورة علي الواقع الآن مؤلمة فكثير من أبنية قصور الثقافة متهالكة، والجهاز الإداري متضخم علي حساب المتخصصين من المديرين الثقافيين والتنمويين من المبدعين، وعدم وجود تقنيين فنيين في المسرح، والتخبط في الاختصاصات وغيرها.

وتحدثت فاطمة المعدول عن «تفعيل دور الثقافة الجماهيرية.. ثقافة الطفل راقدا» مقترحة إقامة مجموعة من الورش فنية وثقافية للأطفال فأهميتها أنها عمل فني حر أساسه الفن عن طريق اللعب والتجربة، وهي أداة لتوليد أفكار جديدة وجريئة، فالطفل أكثر قدرة علي استيعاب وتقبل الجديد والمختلف.

تحديد ثقافي

وأشار القاص قاسم مسعد عليوة إلي أهمية تطوير جهاز الثقافة الجماهيرية من خلال تجديد الخطاب الثقافي الذي تتبناه الهيئة من حيث هو خطاب ثقافة جماهيرية وتخليص هذا الخطاب من الرواسب التي علقت به.

وكذلك عدم اتخاذ محلية هذه الثقافة تكأة لإغلاق النوافذ المفتوحة علي العالم، بل علي العكس فإن تقوية ودعم وترسيخ الإيجابي من هذه الثقافة لا يتحقق إلا بالانفتاح علي ثقافات الآخرين.

كذلك لابد من التعامل مع الثقافة الجماهيرية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التنمية المستدامة يقع في قلبها وليس علي هامشها.

وطالب الروائي علاء الأسواني أن تكون وزارة الثقافة في خدمة الدولة لا في خدمة النظام الحاكم، لأن هذه المعادلة المعكوسة وجدت في فترة حكم مبارك لسنوات طويلة مما أوجد حالة من الاستبداد.

وطالب المخرج السينمائي د. محمد كامل القليوبي بتحويل جهاز الرقابة علي المصنفات الفنية إلي جهاز لحماية المصنفات الفنية من القرصنة، وتحويل تبعيته إلي وزارة الداخلية، فإنه عار علي وزارة الثقافة أن تكون الرقابة علي الفكر والإبداع من بين مهامها.

التعليقات متوقفه