حسين عبدالرازق يكتب : القوات المسلحة في الدستور

16

الخلاف الدائر في «لجنة الخمسين لإعداد التعديلات الدستورية» داخل لجنة نظام الحكم بين عدد من أعضاء هذه اللجنة الفرعية وممثلي القوات المسلحة في اللجنة «اللواء محمد مجدالدين بركات واللواء ماهر مناع مهيب جادالحق»، حول المواد الخاصة بالقوات المسلحة في مشروع الدستور الجديد، ومناقشة نقاط الخلاف في اجتماع عقد بين عضوين في المجلس الأعلي للقوات المسلحة «اللواء ممدوح شاهين واللواء محمد العصار» ورئيس لجنة الخمسين «عمرو موسي» ومقرر لجنة نظام الحكم، والحديث عن عقد لقاء بين عمرو موسي والفريق أول عبدالفتاح السيسي.. يشير بوضوح إلي الدور الذي لعبته وماتزال القوات المسلحة في حكم مصر.

فالقوات المسلحة المصرية كانت شريكة في حكم مصر بشكل مباشر، وغير مباشر، منذ قام تنظيم الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 بإسقاط النظام القائم في البلاد وتولي التنظيم قيادة القوات المسلحة ثم عزل الملك في 26 يوليو وإلغاء النظام الملكي في 18 يونيو 1953، وتولي «مجلس قيادة الثورة» حكم البلاد حتي صدور دستور 23 يونيو 1956.

ومنذ إعلان الجمهورية تولي رئاسة الدولة عسكريون بدءا باللواء محمد نجيب الذي عين رئيسا للجمهورية حتي تم إعفاؤه – عقب أزمة مارس 1954 – مرورا بجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك، فالمشير محمد حسين طنطاوي من 11 فبراير 2011 وحتي 30 يونيو 2012.

وتولي ضباط من مجلس قيادة الثورة ومن تنظيم الضباط الأحرار وغيرهم مناصب وزارية رئيسية، وعين كثيرون منهم رؤساء مجالس إدارات شركات القطاع العام ومحافظين وسفراء لمصر في الخارج.

وقامت القوات المسلحة بحكم مصر بصورة مباشرة مرتين، من يوليو 1952 وحتي يونيو 1956، ومن 11 فبراير 2011 حتي 30 يونيو 2012، ومع ذلك فلم يتم النص علي أي دور للقوات المسلحة في حكم البلاد في الدساتير المختلفة، فاكتفي دستور 1956 بالنص علي أن «القوات المسلحة في الجمهورية المصرية ملك للشعب ومهمتها حماية سيادة البلاد وسلامة أراضيها وأمنها (مادة 169) والدولة وحدها هي التي تنشئ القوات المسلحة ولا يجوز لأية هيئة أو جماعة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية (مادة 170)..» وتكاد تتكرر هذه المواد بحذافيرها في دستور 1964 (مادة 146) ودستور 1971 (مادة 180)، وإن كانت هناك مادة إضافية في دستور 1956 نصت علي جواز تعيين القائد العام للقوات المسلحة وزيرا للحربية (مادة 171)، ونصت مادة أخري في دستور 1971 علي أن ينظم القانون القضاء العسكري ويبين اختصاصه في حدود المبادئ الواردة في الدستور.

وخالف الدستور الإخواني – السلفي هذا المنهج فلجأ إلي النص في دستور 2012 في المواد 194 و195 و196 و197 و198، علي أن «يكون للقوات المسلحة مجلس أعلي علي النحو الذي ينظمه القانون، ووزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها»، وأضافت لجنة الخبراء العشرة لهذا النص «بعد موافقة المجلس الأعلي للقوات المسلحة» وأنشاء مجلس الدفاع الوطني ونص علي أن «يتولي رئيس الجمهورية رئاسته، ويضم في عضويته رئيسي مجلسي الوزراء ورئيس مجلس النواب والشوري، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، ويختص بالنظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة..».

وأضافت لجنة الخبراء العشرة لهذا النص «وتدرج «الموازنة» رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة»، والمادة الأخيرة خاصة بالقضاء العسكري وتنص علي أن «القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها، ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة، ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخري..».

وهكذا تم لأول مرة «دسترة» الدور السياسي للقوات المسلحة في حكم البلاد.

وتنصب الاعتراضات علي هذه المواد علي ثلاث نقاط مهمة.

> الأولي تتعلق بالنص علي موافقة المجلس الأعلي للقوات المسلحة علي تعيين وزير الدفاع، والجمع بين منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، فمثل هذه النصوص مفهومة ومقبولة في ظل نظام الحزب الواحد، أما في ظل التعددية الحزبية فالأغلب الفصل بين منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، وكثيرا ما يكون وزير الدفاع مدنيا وليس عسكريا، ويستحيل أن يكون تعيين وزير الدفاع معلقا علي موافقة المجلس الأعلي للقوات المسلحة.

> الثانية تتعلق بتشكيل مجلس الدفاع الوطني من أغلبية من العسكريين (8) مقابل 7 من المدنيين، والنص علي أن ينفرد هذا المجلس بمناقشة موازنة القوات المسلحة والتي تدرج رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة، فبهذا الوضع تتحول القوات المسلحة إلي سلطة وليست مؤسسة سيادية جزءا من السلطة التنفيذية، والقول إن مثل هذه النصوص موجودة في القضاء سواء بالنسبة للمجلس «مجلس القضاء الأعلي» وموازنته تدرج رقما واحدا في الموازنة العامة بتجاهل حقيقة أن القضاء أحد السلطات الثلاث، والقوات المسلحة ليست كذلك ويجب ألا تكون.

> الثالثة تتعلق بالنص الخاص بالقضاء العسكري والذي ترك الباب مواربا لمحاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري، أي أمام قضاء استثنائي غير طبيعي بالنسبة للمدنيين، وكان المفروض في رأي غالبية أعضاء اللجنة النص علي عدم محاكمة أي مدني أمام القضاء العسكري، بينما رأي البعض تقييد هذا الحق بحيث لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في حالة اعتدائه علي منشآت عسكرية.

ومسئولية لجنة الخمسين مجتمعة – عندما ننقل إليها كل المواد التي نوقشت في اللجان الفرعية – أن تنحاز بقوة لمدنية الدولة ولقيام القوات المسلحة بدورها الوطني في الحفاظ علي الأراضي المصرية وأمن الوطن والمواطنين، وعدم قيامها بأي دور في حكم البلاد.

التعليقات متوقفه