ماجدة موريس تكتب : أنواء التطرف.. بين الحياة للفن من «علي أزرق العينين» إلي «ياخيل الله»

17

علي كثير من شاشات التليفزيون وأيضا مواقع الانترنت رأينا يومي السبت والأحد الماضيين حادث الهجوم علي الكاتب المصري علاء الأسواني في باريس، وهجوم آخر، في نفس المدينة علي وفد مصري ثان كان يشارك في معرض سنوي للفنون، وفي نفس الوقت رأينا ما حدث للوفد المصري في مدينة مالمو السويدية أثناء حضوره مهرجانها السينمائي للفيلم العربي، وأيضا سمعنا عن الهجوم علي عضو حركة تمرد محمد نبوي وإلغاء ندوته في إحدي الجامعات البريطانية، ومنذ أيام عرض مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول المتوسط في دورته رقم 29 فيلمان مهمان يفسران الذي حدث في أوربا ضد المصريين الذين ذهبوا إلي هناك للمشاركة في ندوات وإعلان موقفهم تجاه الدولة المدنية في مصر..

ففي افتتاح المهرجان، عرض الفيلم الايطالي (علي ذو العيون الزرقاء) اخراج كلوديو جيوفانيزي، والذي وضع في هذا العنوان الاشكالية التي أراد طرحها، فبطل الفيلم هو الشاب الصغير ( نادر) الذي ولد في المهجر لأسرة مصرية هاجر الأب فيها أولا ثم احضر زوجته وكون أسرته، ولأن حالة هذه الأسرة تنطبق علي الكثير من الأسر العربية في ايطاليا، ولأن أغلب ابناء هذه الأسر كما يبدو لهم أسماء دالة علي الهوية، فقد اختار المخرج اسم (علي) كعنوان لفيلمه الذي يطرح قضية هؤلاء الآن في مجتمعاتهم الجديدة التي يحملون هويتها ويفترض أيضا أن يندمجوا فيها ويسعوا إلي التفاعل مع أهلها، لكن (نادر) يعيش وضعا صعبا، فهو مع كونه ايطالي المولد والجنسية واللغة ويحمل بطاقة «المواطنة» تطارده أسرته من أجل فرملته حتي يتوقف عن التعامل كمواطن ايطالي، مذكرة اياه بأنه ليس كذلك، وأنه جاء من بلاد أخري، مختلفة العادات والتقاليد والديانة، وأن عليه أن يتذكر هذا في كل لحظة وأن يراعيه، وبينما يحاول والده العامل في محطة «بنزين» أن يدخل إليه من باب الصداقة، فإن الأم، ربة المنزل تواجهه ببرود حاسم بأننا «لسنا من هذا المجتمع.. نحن مختلفون عنهم» ويجن جنونها حين تعرف أنه يواعد فتاة ايطالية أحبها، فيحذره منها ومن اقامة أي علاقة مع أي فتاة لأن هذا محرم ومرفوض.. ويعيش نادر صراعا بين كينونته كشاب والتشكيك في هويته ويخرج من قسم البوليس منتصرا، لكنه في نفس الوقت يضع عدسات لاصقة زرقاء ويعيش كل ما يعيشه غيره في المدرسة والشارع من أحداث ومغامرات وحين تصل ضغوط أمه إلي حدها الاقصي هي وشقيقه الاكبر يترك البيت باحثا عن مأوي آخر يرتاح فيه من هجوم «الهوية» هذا الذي لا يرحم، وتذكيره بقائمة الممنوعات التي يجب أن يراعيها لأنه مختلف وهو ما يثمر في النهاية في التأثير عليه فيتحول إلي صقر جارح حين يري شقيقته الصغري وهي تقابل صديقه الايطالي الذي اعجب بها، ثم يكاد يقتل هذا الصديق حين يكتشف وجود شقيقته معه في سيارته؟ وبين هذين الموقفين كان ارتباك نادر فيزداد ويتسع بين هذا اليقين الذي يعيش فيه، وبين رفض عائلته له وتحذيره من أي اندماج مع مجتمعه الايطالي وهي ليست حالة فردية وإنما أزمة تخص الجيل الثاني من المهاجرين، أي الابناء الذين لا يعرفون مجتمعاتهم الاصلية ولكنهم لا يتلقون عنها إلا تراثا من التشدد الذي يعتبره الآباء سندا وعونا لهم من حريات المجتمع الأوروبي.

يا خيل الله

وفي مسابقة المهرجان جاء فيلم (يا خيل الله) للمخرج المغربي نبيل عيوش ليؤكد تلك المسألة.. ولو من بعيد، برغم أنه يدور في إحدي ضواحي مدينة الدار البيضاء الفقيرة، بل الشديدة الفقر فالبيوت من الصفيح والحواري أزقة وأقل من هذا، والأسر تتكدس في أماكن خانقة كتلك التي خرج منها أبطال فيلمه السابق (علي زاوا) الاطفال، والذين أصبحوا مراهقين وشبابا في هذا الفيلم، ومنهم البطل عبد الحكيم رشيد في دور (ياشين) وشقيقه عبد الإله في دور (حميد)، وشقيقان آخران احدهما مصاب بالتوحد والثاني ذهب إلي الحرب ولم يعد، الأم تحاول أن تبقي علي كيان الأسرة التي أصبح (حميد) ينفق عليها من عمله كبائع متجول مثل آلاف غيره يشبهون أمثالهم في مصر وكل الدول التي تخلت عن شبابها، غير أن (حميد) يدخل السجن حين يجرؤ علي اظهار كراهيته لضابط شرطة يبتزه بأتاوات مستمرة، فيحاول (ياشين) الأصغر أن يقف مكانه، وأن يوقف عربة البرتقال في أي مكان غير أنه يعرف الوجه الآخر لهذا وهو طابور البلطجية الذين يفرضون حصارا علي الساحات والارصفة ويبتزون الباعة منذ اللحظة الأولي، يتلطم (ياشين) بين هذا وذاك إلي أن يتلقي نداء من «الأخوة» الذين ظهروا بجلابيبهم النظيفة وذقونهم طالبين منه ومن الآخر الذهاب إلي المسجد والعودة إلي الله، يرفض مبدئيا لأنه يصلي وحده، ولكن أحدهم يخبره بأن شقيقه (حميد) يريده فيذهبوا سريعا ليكتشف أن حميد خرج من سجنه انسانا آخر متشددا، قليل الكلام، وحين ذهب معه للبيت نهاهم عن مشاهدة التليفزيون لأنه «حرام» طالبا منهم رؤية شريط من مكة وبسرعة تكتشف أن استقطاب (حميد) كان مهما للشيخ (زبير) زعيم الجماعة وزملائه، فقد استطاع بسرعة استقطاب شقيقة واصدقائه وجيرانه ومعارفه، هؤلاء الذين بدأ الفيلم بهم وهم يلعبون الكرة في أرض فسيحة كي ينفثوا عن طاقاتهم المكبوتة في العشة الصفيح، يربط المخرج بسلاسة ما بين هذا التهميش والإهمال لهؤلاء الشباب وبين الابتزاز والعنف الذي يحول دون حصولهم علي رزق محترم وبين الاجواء الخانقة للحياة لدي مجتمعاتهم وبين سقوطهم في يد عصابات التطرف التي تعدهم بالجنة وتجهزهم للشهادة باسم الدين، وأخيرا التي تطلق أهل الفتوي والسلطة فيها للهجوم علي الآخرين ممن يرفضون التطرف في نفس المجتمعات، وهو ما يوجد علاقة بين الفيلمين (علي أزرق العينين) و(يا خيل الله) فإذا كانت عائلته (علي) تتطرف في رفضها لمجتمع تعيش فيه مدعومة بأفكار متشددة تدعي الحفاظ علي الإسلام، فإن الجماعة التي اخترقت (حميد) وجندت أمثاله تدعي نفس الأمر، وحين يذهب اعضاؤها إلي أوروبا مرفوضين من مجتمعاتهم فإنهم يقيمون مراكز التطرف التي تغذي نفس الفكرة لدي المهاجرين العاديين.. في البداية لا يحلل الفيلم الايطالي تشدد العائلة المصرية، وفي النهاية يحاول الفيلم المغربي الاقتراب من «أصل الداء» وهو الحكومات الفاشلة والعاجزة عن احتواء مواطنيهم فتتركهم لعصابات السياسة التي تتخفي باسم الدين.. والتي تدرك أن تأثيرها واسع علي أنصارها.. وغيرهم..

التعليقات متوقفه