فريدة النقاش تكتب : ولا للمرجعية الدينية

14

يثور في لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصري الجديد جدل حول حظر قيام الأحزاب علي أساس ديني وهو ما توافق عليه الأعضاء ولكن عددا منهم رفض وضع المادة كما جاءت في التعديلات الدستورية التي أدخلها نظام «مبارك» علي دستور 1971 ونص التعديل علي حظر قيام الاحزاب علي أساس ديني أو مرجعية دينية.

وكان المجلس الأعلي للقوات المسلحة الذي تولي حكم البلاد لعام ونصف العام بعد ثورة 25 يناير 2011 قد تعرض لابتزاز الإخوان وحلفائهم، والذين شكلوا الأغلبية في لجنة التعديلات الدستورية التي ورطت البلاد مرتين في مارس 2011 حين دفعت في اتجاه إجراء الانتخابات التشريعية قبل كتابة الدستور، ومرة أخري حين اسقطت من الإعلان الدستوري الحظر لقيام الأحزاب علي أساس من المرجعية الدينية. وبعد هذا الإعلان الذي صدر في الثلاثين من مارس 2011 توالي إنشاء الأحزاب الدينية بادعاء أنها أحزاب مدنية تستند إلي المرجعية الدينية. ودخل أصحاب الأحزاب الدينية في سجالات سياسية اتسمت بالشراسة أحيانا دفاعا عن المرجعية الدينية بادعاء أن مثل هذه المرجعية لا تختلف عن المرجعية الاشتراكية أو الليبرالية، وتجاهل هذا الادعاء أن كلاً من الاشتراكية والليبرالية بوسعنا نحن كبشر توجيه الانتقادات لها بل وإسقاطها سياسيا إذا رفضتها الجماهير، ولكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك مع المرجعية الدينية سواء بنقدها أو بإسقاطها، لأننا بذلك نصطدم مباشرة «بالمقدس» الذي هو ثابت بينما السياسي متغير، والثابت لا يمكن تغييره بينما المتغير هو بطبيعته قابل للإزاحة والاستبدال والتعديل.

وبعيدا عن المستوي الفكري النظري فإن ممارسة عام ونصف العام من حكم جماعة الإخوان وحلفائها، سواء داخل مجلسي الشعب والشوري، أو في كتابة الدستور وتشكيل جمعية تأسيسية حزبية، أو في ممارسة رئيس الجمهورية الذي وضع أهله وعشيرته دون وطنه وشعبه نصب عينيه، وأخضع كل مؤسسات الدولة لبرنامج سريع جدا لتمكين جماعته، منها بعد هدم المؤسسات المدنية الراسخة في القضاء والإعلام والتعليم.. بينت هذه الممارسات للشعب المصري بكل قواه السياسية والاجتماعية والشبابية علي نحو خاص أن حكم اليمين الديني يدفع البلاد إلي التفكك ويجرها إلي الخلف قرنين من الزمان، باسم وهم استعادة الخلافة الإسلامية التي سبق أن سقطت من داخلها حين عجزت عن التعامل مع متغيرات العصر. كذلك فإن العودة للزمن الماضي تبقي رجعية ومستحيلة. فضلا عن أن تحقيق النمو والتحضر وإقامة العدل والحرية هي صيرورة تتسم دائما بطابع مستقبلي، وقد كانت الدولة الإسلامية في عهود ازدهارها الأموي والعباسي والاندلسي أقرب إلي الدولة العلمانية منها إلي مثال الدولة الإسلامية النموذجية الذي يعتقده ويفترضه أصحاب شعارات الدولة الدينية أو ذات المرجعية الدينية اليوم.

وقبل أكثر من قرن من الزمان قال الإمام المجدد محمد عبده مفتي الديارالمصرية آنذاك الرئيس «ليس في الإسلام سلطة دينية سوي سلطة الموعظة الحسنة، وإن أصلا من أصول الإسلام قلب السلطة الدينية والاتيان عليها من أساسها، وأن الحاكم مدني من جميع الوجوه».

أما المفكر الإسلامي المستنير الشهيد الذي فقد حياته دفاعا عن أفكاره عبد الرحمن الكواكبي فهو الذي قال «دعونا ندير حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم في الآخرة». ولا يستطيع دعاة الدولة الدينية والمرجعية الدينية أن يتهموا هذين المفكرين الإسلاميين بالخروج علي الدين، ولا اتهام الملايين من المصريين الذين خرجوا إلي الميادين والشوارع في الثلاثين من يونيو والسادس والعشرين من يوليو هذا العام يهتفون ضد الدولة الدينية «يسقط يسقط حكم المرشد» بمعاداة الدين.

واتمني أن تبقي كل هذه الحقائق ماثلة في أذهان هؤلاء الخائفين من ابتزاز «حزب» النور الذي ما فتأ يلوح بالانسحاب من الجمعية التأسيسية عند كل منعطف في النقاش يبين كلا من مخاطر قيام الاحزاب علي أساس ديني أو مرجعية دينية. وعلي ما يبدو فإن المجلس الأعلي للقوات المسلحة يساند حزب «النور» كبديل عن الإخوان الذين يفرقون البلاد في العنف. والمجلس مطالب بأن يعيد النظر في موقفه واضعا كل الحقائق السابقة في الاعتبار.

التعليقات متوقفه