د. رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة ضد التأسلم «22»

28

وفي عشرينيات القرن الماضي كانت الصحافة تمثل المحرك الأساسي للرأي العام سلبا أو إيجابا ومن هنا بدأت حركة لإصدار صحف نسائية تدافع عن حقوق المرأة، فأصدرت روز حداد وهي شقيقة نقولا حداد وزوجة فرح أنطون مجلة «السيدات والرجال» في عام 1919 ثم أسمتها مجلة «الآنسات والسيدات»، وفي 12 يونيو 1924 أصدر حزب الوفد أثناء محاولته للسيطرة علي الحركة العمالية مجلة وفدية عمالية أسماها اتحاد العمال وترأست تحريرها نجاة عبدالعزيز لكن هناك محاولات جادة لإصدار مجلات نسائية تركز أساسا علي قضية تحرير المرأة ولعل جريدة «الأمل» التي أصدرتها منيرة ثابت كانت واحدة من أكثر هذه المحاولات تأثيرا في مجال المرأة والأسرة، وتستحق منيرة ثابت وقفة اهتمام بسيدة أكثر من رائعة، فمنيرة ثابت ولدت عام 1906 وحصلت علي شهادة التوجيهية «الثانوية العامة» عام 1924، ومنذ هذا الوقت بدأت معركتها من أجل المرأة فكتبت رسالة لسعد زغلول رئيس الوزراء لتبلغه احتجاجها الشديد علي أن البرلمان الأول لمصر بعد استقلالها قد أتي خاليا من المرأة نائبة أو حتي ناخبة وتحولت هذه الرسالة بعد نشرها في الصحف لتكسب اهتمام الرأي العام خاصة بعد أن تليت أمام مجلس النواب.

ومنيرة ثابت اعتادت علي تحدي الجميع وأرادت أن تصبح محامية وتدافع عن العدل والقانون في بلد ترفض فيه مدرسة الحقوق قبول طالبات، واستفادت من إتقانها للغة الفرنسية فدخلت مدرسة الحقوق الفرنسية لتتخرج وترتدي روب المحاماة وتترافع أمام المحاكم المختلطة بلغة فرنسية رفيعة المستوي فتبهر القضاة وتتحدي التخلف الذي يحرمها من الترافع أمام القضاء المصري، ومنيرة ثابت سيدة مصرية شجاعة ومقاتلة.. وربما كانت شجاعة أكثر من أن تحتملها سيدات الصالونات المدافعات عن حقوق المرأة، ولم تكن فقط أول فتاة مصرية وعربية تتخرج في مدرسة الحقوق الفرنسية ولا أول محامية مصرية وعربية تترافع أمام المحاكم المختلطة بل كانت أول فتاة مصرية وعربية تقف أمام النيابة للتحقيق معها في جريمة سب وقذف عن طريق النشر، فقد نشرت مقالا هاجمت فيه دار المندوب السامي البريطاني وتدخلها في الشأن المصري، ووقفت الفتاة ابنة السبعة عشر عاما أمام النيابة للتحقيق في بلاغ دار المندوب السامي البريطاني وخرجت من غرفة التحقيق بعد أن أخلي سبيلها لصغر سنها لتقول في شموخ للصحفيين المحتشدين «إنها تهمة لا أنفيها وشرف لا أدعيه»، وفي صيف العام نفسه قيدت نفسها كصحفية عاملة في النقابة الأهلية للصحافة والتي كانت قد تأسست في ذات الفترة فكانت أول مصرية وعربية تعمل كصحفية، وهكذا وبالإضافة إلي عملها كمحامية عملت كصحفية ثم أصدرت «مجلة الأمل» كمجلة أسبوعية ثم أصدرت منها طبعة فرنسية بذات الاسم Espoir، وعبر هذه المجلة خاضت منيرة ثابت معارك تحرير المرأة بجسارة ومهنية رفيعة المستوي..

فقد بدأت بانتقادات شديدة لدستور 1923 لأنه أغفل حقوق المرأة وخاصة حقوقها السياسية، وكان ذلك قبل أن تتخرج في مدرسة الحقوق الفرنسية وكانت مقالاتها حادة إلي درجة أفزعت حكومة سعد زغلول فأرسل وزير المعارف العمومية استدعاء لناظر الحقوق وطلب إليه رسميا منع هذه الطالبة من الكتابة في المسائل السياسية لكن الناظر الفرنسي اعترض، مؤكدا أن مدرسته تسير علي نهج مدرسة الحقوق في باريس التي تمنح طلابها حق الكتابة في الصحف في شتي الموضوعات ولهم حق معارضة الحكومة، وواصلت منيرة ثابت حملاتها بالعربية والفرنسية مطالبة باستقلال مصر استقلالا كاملا.. وتبنت حملة مستمرة لإعطاء المدرسات الحق في الزواج مع احتفاظهن بوظيفتهن، وكانت وزارة المعارف تمنع المتزوجات من العمل في التدريس وتحرم عليهن الزواج طالما احتفظن بهذه المهنة وظلت منيرة ثابت تقاتل حتي عبأت رأيا عاما قويا مصريا وأجنبيا أجبر وزارة المعارف علي الرضوخ ومنح المدرسات حق الزواج، وبعدها تبنت منيرة ثابت قضية النساء العاملات وحقهن في الأجر المتساوي للعمل المتساوي مع مراعاة حقوقهن كزوجات وأمهات وحقوقهن في إجازات الحمل والوضع والرضاعة، وكانت صيحة مستغربة في مصر لكنها واصلتها مصممة علي هذه الحقوق، وكان صوت منيرة ثابت مدويا في كل ما يتعلق بحقوق المرأة مطالبة بحق المرأة في الانتخاب وحقها في الترشح للمجالس النيابية، وبالمساواة المطلقة مع الرجل في الوظائف الحكومية والأهلية وشجعت النساء علي الاشتغال بالأعمال الحرة، ولم تكتف منيرة ثابت بمجلتيها العربية والفرنسية وإنما نشطت في الكتابة وإجراء الحوارات الصحفية دفاعا عن حقوق المرأة، وفي حوار أجرته معها مجلة الهلال (عدد أكتوبر 1925)

قالت «ليس في مصر حجاب الآن» بل المصريات كلهن سافرات وفقط يختلف شعورهن إزاء هذه المسألة بحسب اختلاف عقلية كل طائفة من المصريات، وإذا كان للحجاب أثر في مصر الآن كما يزعم البعض فليس يوجد إلا في بعض فئات قليلة، والحقيقة أن للسفور تأثيرا كبيرا وجميلا في نفوس السيدات، حتي أن الحركة السفورية كانت ومازالت من أهم أسس النهضة النسائية إذ إن السفور هو عنوان الشجاعة الأدبية والنزاهة والصراحة، ولذلك كان تأثيره قاسيا علي عقلية الرجل، ولم يزل السفور يقابل بشيء من الاضطراب في نفس الرجل المطبوع بطابع القديم الذي لم يتعود في وجه المرأة الصراحة والنزاهة

وخاضت منيرة ثابت أيضا في حق المرأة إزاء الزواج والطلاق فكتبت «أن المرأة والرجل يجب أن يكونا علي قدم المساواة في الزواج والطلاق وأن يتم الزواج برضاء المرأة ودون تدخل أو وصاية أو وكالة عن المرأة، بل لها إذا أرادت أن توقع باسمها وبيدها علي عقد الزواج بجانب توقيع الرجل، والزواج يكون بواحدة فقط، وللمرأة الحق في طلب الطلاق وأن يكون الطلاق أمام القاضي الذي يحكم به بناء علي رغبة أحد الطرفين، وللطرف طالب الطلاق أن يقدم البراهين علي إخلال الطرف الآخر بأحد واجبات الزوجية عموما، أما إن كان السبب هو الكراهية والنفور فعلي الطرف الكاره إن كان الرجل أن يدفع مع النفقة الشرعية تعويضا مدنيا، أما إن كان الطرف الكاره هو المرأة فعليها أن تتنازل عن جميع حقوقها، وظلت منيرة ثابت تخوض معركتها المتميزة تماما والمختلفة عن معركة سيدات الصالونات لتحرير المرأة سواء في المطالب أو في الأسلوب حتي تزوجت في عام 1927 من الكاتب عبدالقادر حمزة فأوقفت مجلتها وتركت مهنة الصحافة، لكنهما سرعان ما انفصلا وسرعان ما عادت منيرة إلي ساحة الصحافة محررة في الأهرام، وأعادت إصدار «الأمل» شهريا..

وظلت تخوض عبرها وعبر مقالاتها الأخري معركة الدفاع عن المرأة حتي قامت ثورة يوليو، ثم صدر قانون تأميم الصحافة وانتقلت «الأمل» إلي ملكية الاتحاد الاشتراكي وتوقفت عن الصدور.. ورحلت منيرة ثابت في سبتمبر 1967 تاركة تراثا مجيدا من النضال الجاد دفاعا عن حقوق المرأة.. وبعد أن قدمت نموذجا فريدا ومتميزا تماما عن كل من تصدين لمعارك المرأة.

التعليقات متوقفه